الهزيمة الإسرائيلية خلال حرب لبنان 2006(حرب تموز)
على الرغم من أن الصهاينة قد احتلوا فلسطين، فإن هدفهم لم يكن مجرد الاستيلاء على الأرض المقدسة، بل كانوا يرون فيها مقر قيادتهم للعالم أجمع. على الرغم من أن الصهاينة قد احتلوا فلسطين، إلا أن هدفهم لم يقتصر على الاستيلاء على الأرض المقدسة، بل اعتبروها نقطة انطلاق لقيادتهم للعالم بأسره. فقد سعى المشروع الصهيوني إلى فرض سيطرته، بدءًا بالقدس، ثم التوسع من النيل إلى الفرات، وصولًا إلى الهيمنة على كامل الأرض. ولتحقيق هذا الهدف، كان لا بد من إزالة أي عائق قد يعترض طريقهم، خاصة إذا كان هذا العائق ينبع من داخل المنطقة نفسها. ولذلك، استهدفوا كل ما يعزز قوة الفلسطينيين ويمدّهم بالعزيمة، كما حاربوا أي مجموعة تقف في وجه مخططاتهم. وفي هذا السياق، برزت جبهة المقاومة في لبنان كأحد أبرز العوائق التي واجهت إسرائيل في المنطقة، مما جعلها في صلب استراتيجيات المواجهة الصهيونية.
ولفهم أعمق لهذه القضية، من الضروري إلقاء نظرة فاحصة على تاريخ لبنان، والبحث عن إجابات لهذه التساؤلات في سياق الصراعات بين لبنان وإسرائيل:
- ما هي العوامل التي أدت إلى انسحاب إسرائيل من لبنان؟
- ماذا فعلت إسرائيل لتعويض هزيمتها في لبنان؟
- لماذا نعتقد أن انسحاب الصهاينة من لبنان يعادل هزيمة إسرائيل هناك؟
- ما هي أسباب اندلاع حرب تموز 2006 بين لبنان وإسرائيل؟
- ما هي الأحداث التي وقعت خلال حرب تموز2006 وما كانت نتائجها؟
- هل كان وقف إطلاق النار في حرب تموز 2006 يعادل هزيمة إسرائيل في لبنان؟
بدء انسحاب الكيان الصهيوني
اتخذ نتنياهو الخطوة الأولى نحو الانسحاب من جنوب لبنان. 1998، فقد أعلنت حكومته أنها قبلت القرار 425 الصادر عن الأمم المتحدة. كما طالبت الحكومة اللبنانية بخروج كامل وغير مشروط لإسرائيل من جنوب لبنان، وأعلنت أنها لن تجري أي مفاوضات مع هذا الکیان. وقد أكدت المقاومة الإسلامية في لبنان على مواقف الحكومة اللبنانية بشأن استمرار النضال ضد إسرائيل وتحرير لبنان بالكامل. ولهذا السبب، قام مقاتلو المقاومة الإسلامية في فبراير 1999 بتفجير موكب قائد الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان. عندما استمرت المقاومة من جانب حزب الله، اضطرت إسرائيل في يونيو 1999 للانسحاب من منطقة حزّين، مما شكل الخطوة الأولى نحو الانسحاب الكامل.
بعد حوالي شهر من الانسحاب الأول، أرادت إسرائيل أن تظهر قوتها للبنان، وضغطت على الحكومة والشعب لإجبارهم على التفاوض، ولذلك شنت هجمات على بعض البنى التحتية اللبنانية مثل عدة جسور ومحطات كهرباء، مما أسفر عن إصابة واستشهاد العديد من الأشخاص.
في مايو 1999، فاز “إيهود باراك” من حزب العمل في الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية. مع فوزه، تهيأت الظروف لمفاوضات السلام بين إسرائيل وسوريا. على الرغم من عدم تحقيق نتائج ملموسة من هذه المفاوضات، إلا أن حزب الله أظهر استقلاله عن سوريا، مما مهد الطريق لهزيمة إسرائيل في لبنان. في ديسمبر 1999، نفذ “عماد حسين حمود” عملية في منطقة مرجعيون – القليعة، أسفرت عن مقتل وإصابة عدد من الصهاينة. أدت هذه الضغوط إلى انسحاب الکیان العميل الإسرائيلي في يناير وفبراير 2000 من “كفر حونة”، ثم من القاعدة الاستراتيجية “سجد”، مما ساهم في استمرار مسار هزيمة إسرائيل في لبنان. في أواخر يناير 2000، وفي الوقت الذي كان فيه هذا الانسحاب الإسرائيلي من لبنان جارياً، قام مقاتلو المقاومة بزرع قنبلة في مخبأ “عقل هاشم”، الذي كان أحد القادة البارزين لعملاء الکیان الصهيوني، مما أدى إلى مقتله. وقد أسفر هذا الحدث عن شن إسرائيل هجمات على البنى التحتية اللبنانية. كان “أنطوان لحد” قائد منظمة العملاء الإسرائيليين مريضًا، وكانت المنظمة اللبنانية العميلة تُدار فعليًا من قبل عقل هاشم. أدى قتله إلى إثارة الخوف بين العملاء، مما دفع بعضهم إلى الفرار، ومع انهيار منظمة العملاء الإسرائيليين في لبنان، أصبحت هزيمة إسرائيل هناك مؤكدة.
الانسحاب من جنوب لبنان
في أوائل العقد الأول من الألفية الجديدة، قام الرئيس المصري حسني مبارك بزيارة إلى لبنان، حيث أثنى على المقاومة الإسلامية. وبعد فترة وجيزة، عُقد مؤتمر لوزراء الخارجية العرب في بيروت، حيث جدد مبارك دعمه للمقاومة الإسلامية. كما قام ولي العهد السعودي بلقاء ممثلين عن حزب الله خلال زيارته إلى لبنان، وأعلن عن دعمه للمقاومة الإسلامية في لبنان. وبدا الأمر وكأن الجميع بات مُسلِّمًا بانتصار المقاومة وهزيمة إسرائيل في لبنان.
أدت الضغوط العسكرية والاستياء الشعبي الإسرائيلي، بالتزامن مع تزايد القبول والشرعية الدولية والإقليمية لحزب الله، إلى إقرار الحكومة الإسرائيلية رسميًا خطة انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان في مارس 2000. في أبريل 2000، اعترف “إيهود باراك” رئيس وزراء الكيان الصهيوني بهزيمة إسرائيل في لبنان، وكتب رسالة إلى كوفي عنان، الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك، أعلن فيها أنه سيغادر الأراضي اللبنانية بشكل أحادي في يوليو 2000.
يمكن اعتبار هذا الحدث أول هزيمة كاملة لإسرائيل خلال حروبها مع العرب، مما شكل نهاية لأسطورة عدم الهزيمة الإسرائيلية. ومع ذلك، نظرًا لتصاعد هجمات المقاومة الإسلامية والقوات الشعبية ضد مواقع إسرائيل، غادر الجنود الإسرائيليون لبنان قبل 45 يومًا من الموعد المحدد. وقد نفذ مقاتلو المقاومة الإسلامية عدة عمليات ضد قوات أنطوان لحد، مما أدى إلى هزيمتهم الثقيلة وبدء انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان. فبحسب شهادات جنود الاحتلال أنفسهم، لم يكن هذا انسحابًا، بل هزيمة مُرّة لإسرائيل في لبنان وفرارًا مذعورًا، بحيث أنهم لم يتمكنوا حتى من جمع ثيابهم ومعداتهم.
الانسحاب النهائي من لبنان
عقب الانسحاب النهائي من لبنان، شرعت قوى المقاومة في تطهير المنطقة من المواقع الإسرائيلية، وعلى رأسها موقع “صلعة” المُشرف على قرية قنطرة. وقد تم تحرير المنطقة دون أي اشتباكات عسكرية. بعد ذلك، تم تحرير جميع المناطق والقرى المحتلة تدريجيًا على يد قوى المقاومة. وفي ليلة 24 مايو، غادر الجيش الإسرائيلي جميع مواقعه في جنوب لبنان، باستثناء أجزاء من مزارع شبعا. وفي النهاية، استسلم ما تبقى من عملاء ميليشيا “لحد”، للجيش وللمقاومين اللبنانيين. ورغم أن بعض العناصر الرئيسية في الميليشيا قد فروا مع عائلاتهم إلى إسرائيل، فإن الهزيمة الإسرائيلية في لبنان كانت كاملة.
لم تفقد إسرائيل الأمل، بل غيرت أسلوب الحرب في المنطقة. كانت إسرائيل تهدف إلى استعادة هيبتها التي فقدتها في انسحابها المخزي، من خلال إشعال حرب دينية وطائفية بين المسيحيين والمسلمين، لتشتيت الانتباه عن هزيمتها المذلة، وإلقاء الكرة في ملعب عدوها. لكن حزب الله حال دون هذا المكر الخطير وأفشل الفتنة الصهيونية. كانوا يرسلون رجال الدين والشخصيات المؤثرة إلى المناطق الجنوبية ذات الأغلبية المسيحية، ليقوموا بلقاءات ومحادثات مع القساوسة ورجال الدين المسيحيين، بهدف توعيتهم ومنع حدوث أي فتنة أو صراع.
كان هذا الانسحاب نقطة نهاية للهجمات المزعجة على لبنان في سنوات 1978 و1982، وقد ترك أثراً كبيراً في وسائل الإعلام الإسرائيلية وبين العسكريين. فقدت هيبة النظام الصهيوني مصداقيتها، وسُجلت اعترافات عديدة تعبر عن إفلاسهم السياسي والعسكري؛ على سبيل المثال، كتبوا في أحد التقارير أن عدد القتلى والجرحى الاسرائيلين في لبنان كان أكبر بكثير من حرب يونيو 1967، التي احتلوا فيها أراضي ثلاث دول عربية. و قال أحدهم لقد فررنا من لبنان دون أي ورقة رابحة. كانت اعترافاتهم هذه عن الهزيمة، كثيرة وصريحة لدرجة أن إيهود باراك وصفها بأنها مصيبة كبيرة، واعتبر هزيمة إسرائيل في لبنان أمراً واقعاً.
حرب تموز 2006 بين لبنان وإسرائيل
تُعرف الحرب بين حزب الله اللبناني وإسرائيل في عام 2006 بـ “حرب تموز”، و “الحرب الـ 33 يومًا”، و”الحرب السادسة”. في عام 2004، وبعد مفاوضات بين إسرائيل وحزب الله، اتفق الطرفان على تبادل الأسرى. إلا أن إسرائيل نكثت بوعدها ورفضت إطلاق سراح ثلاثة أسرى لبنانيين. ردًا على ذلك، شن حزب الله عملية “الوعد الصادق” في يوليو 2006 بهدف إطلاق سراحهم، وتمكن خلالها من أسر جنديين إسرائيليين. كان هذا الأمر بمثابة ذريعة لإسرائيل لإعلان الحرب على لبنان، مع العلم أنها كانت تُخطط لعملية عسكرية مسبقًا، لكنها استغلت هذه العملية لتبرير عدوانها، وطالبت إسرائيل رسميًا بنزع سلاح حزب الله وإطلاق سراح الجنديين الإسرائيليين. للأسف، كانت معظم الدول العربية تتبنى موقفًا سلبيًا ومعارضًا تجاه حزب الله، واستغل السفير الإسرائيلي في الأمم المتحدة هذا الوضع. كما نشأت خلافات بين المسؤولين اللبنانيين، حيث دعا بعضهم إلى نزع سلاح حزب الله.
استمرت هذه الحرب 33 يومًا، وتكبد خلالها الطرفان خسائر، لكن حجم الخسائر البشرية والمادية لم يكن قابلاً للمقارنة. فإمكانيات وتجهيزات إسرائيل كانت متطورة للغاية مقارنة بلبنان. في المقابل، اعتمد حزب الله على أسلوب حرب العصابات، وقام بحفر أنفاق عديدة في جنوب لبنان، استخدمها كغرف للقيادة أو مخازن للذخيرة.
في النهاية، تم اعتماد القرار 1701 من قبل مجلس الأمن في أغسطس 2006 لإنهاء الحرب وإعلان وقف إطلاق النار. نظرًا لأن مسودة هذا القرار أعدتها الولايات المتحدة وفرنسا، فقد كانت لغته ونبرته لصالح إسرائيل. كان المحتوى يطالب بوجود منطقة تمتد من حدود إسرائيل إلى نهر الليطاني، ليتمركز فيها قوات الأمم المتحدة والجيش اللبناني.
للأسف، تسببت هذه الحرب في خسائر فادحة للبنان، إذ كانت جهود إسرائيل قد تركزت على تدمير وإضعاف المناطق ذات الأغلبية الشيعية. فتضررت آلاف المنازل، والمرافق الحيوية مثل المصافي ومحطات الطاقة والمستشفيات والجسور وغيرها، بشكل كبير. تعرض حزب الله لضغوط شديدة من قبل الحكومة والشعب لحمله على قبول مطالب إسرائيل. ومع ذلك، كان أداء حزب الله ممتازًا حقًا، وحقق انتصارًا على إسرائيل في لبنان. يعتقد بعض الباحثين أن حزب الله لم يشتبك مع الجيش الصهيوني فحسب، بل مع دولة إسرائيل بأكملها. هنا أدرك الصهاينة أن الحرب يمكن أن تلحق بهم الضرر والأذى أيضًا.
الأمر الهام هو أن القوى العظمى، من خلال حرب تموز2006، كانت تسعى إلى خلق شرق أوسط جديد، شرق أوسط مُطيع ومُستعمَر من قبل الولايات المتحدة. كان السيد حسن نصر الله يعتقد أن سقوط لبنان في هذه الحرب يعني استمرارًا للمخطط الصهيوني الأمريكي، وهو مخطط يقوم على مواصلة الحرب باتجاه سوريا وفلسطين، ومحاصرة إيران. لكن هزيمة إسرائيل في لبنان نسفت هذا المخطط. لقد ذكرنا أن لإسرائيل أهدافًا مختلفة من هذه الحرب، والتي تراجعت عنها جميعًا في نهاية الحرب، ولم تُحقق أيًا من أهدافها الأولية. لدرجة أن المراقبين للوضع والمحللين للواقعة يعتبرون حزب الله المنتصر في المعركة، ويؤكدون هزيمة إسرائيل في لبنان.
مفتاح نجاح حزب الله في لبنان
كانت المواجهة بين إسرائيل وحزب الله في لبنان تجسيدًا مصغرًا للصراع بين القوة الإلهية والقوة الأرضية، صراع بين الإيمان والقدرة، بين الحق والباطل، وميدان لاختبار الإرادات والابتلاءات. في هذه المعركة التي تمثل صراع الخير والشر، كان مصير جيش الشيطان واضحًا، لكن حزب الله كان عليه أن يثبت صموده ويجتاز الاختبارات التي تواجهه. قد يبدو الأمر غريبًا، لكن هزيمة أو انتصار لبنان في هذه المعركة كان يعتمد بشكل أساسي على كيفية أداء حزب الله في الاختبارات القلبية والروحية التي واجهها. كان على حزب الله أن يثبت في هذه المعركة غير المتكافئة أن قوة التوحيد تفوق الكبرياء والشرك، وهذا الإثبات لن يتحقق إلا إذا كانت قلوب جنود الله مملوءة بالتوحيد، ولم يروا في الكون قوة سواها. كان يجب على حزب الله أن يثبت أن مجموعة صغيرة يمكن أن تُهزم جيشًا عظيمًا، بشرط أن لا يخافوا من أي قوة. ولحسن الحظ، كان لدى حزب الله نموذج كافٍ وكامل يتمثل في “الثورة الإسلامية الإيرانية“، التي تعلموا مبادئ النضال والجهاد وطبقوها. تعتبر هذه المبادئ جيش الشيطان مهزومًا حتمًا، ولا ينبغي التفاوض معه، بل يجب القتال حتى آخر قطرة من الدم والمال والشرف.
عانى جنود حزب الله وعائلاتهم في سبيل هذه العقيدة من التشرد والعزلة والاستشهاد مرارًا، لكنهم كانوا يعودون إلى الميدان أقوى من ذي قبل، ويزيدون من فضيحة الشيطان في كل مرة. لقد أدركوا جيدًا أن التمهيد لمجيء الإمام المنجی يتطلب تضحياتٍ جسيمة بالدماء، واجتياز اختبارات عظيمة، حتى يكونوا في الميدان مُبَرَّئين، وتتهيأ الظروف لإقامة حضارة عالمية حديثة على يد إمامٍ متخصّص معصوم.
تكمن المشكلة في أن بعض السطحيين يرون هذه الأحداث كحروب إقليمية ويطلقون عليها تسميات قومية، في حين أن هذه الحروب، التي تبدو محلية وإقليمية، لها أبعاد عالمية وشاملة. يعيد كلا الطرفين تكرار التاريخ منذ خلق الإنسان حتى اليوم، وهذه المعركة قد وصلت إلى لحظاتها الأخيرة، وستستقبل جبهة المقاومة إمامها قريبًا.
في هذا العالم، لا يوجد سوى جبهتين: جبهة التوحيد وجبهة الشيطان. يجب على حزب الله أن يدخل الميدان بكل قوته القلبية والعسكرية والثقافية، حتى تضعف جبهة الشيطان، ويظهر المنجي الموعود، ويُمحى الشيطان وحزبه تمامًا من الأرض، لتكون الظروف مهيأة للتربية الإلهية والإنسانية تحت إشراف الإمام المعصوم.
حزب الله هم فدائيون في سبيل الإنسانية، قدموا كل ما يملكون إلى ساحة المواجهة، ليقودوا البشرية نحو إمامهم، وينقذوا أنفسهم والآخرين من جحيم الدنيا والآخرة. وقد تجلّى هذا الإيمان الراسخ بوضوح في هزيمتهم لإسرائيل في لبنان، حيث أثبتوا التزامهم بقضيتهم وعقيدتهم من خلال تضحياتهم وانتصاراتهم.