صلح الإمام الحسن(عليه السلام)؛ مقدمة لانتفاضة عاشوراء

صلح الإمام الحسن(عليه السلام)؛ مقدمة لانتفاضة عاشوراء

صلح الإمام الحسن(عليه السلام)؛ كاشفٌ لنفاق بني أمية وحقيقتهم

الإمام الحسن(عليه السلام) هو الولد الأول للإمام علي وفاطمة الزهراء(عليهما السلام) والسبط الأكبر لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم). ولد في الخامس عشر من شهر رمضان في السنة الثالثة للهجرة في المدينة المنورة. عاش سبع سنوات مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وترعرع في أسرة مباركة نزلت في شأنها آيات الإطعام من سورة الإنسان، وآية المودة، وآية التطهير. إضافة إلى أنه أحد اصحاب الكساء الذين يعتبرهم الشيعة معصومين حسب آيات القرآن الكريم. لقد تمتع الإمام الحسن(عليه السلام) بفضائل وخصائص بارزة كسائر أهل البيت عليهم السلام، فقد حج(عليه السلام) 25 مرة سيراً على الأقدام ولم يكن عبثاً أنه لُقّب بـ “كريم أهل البيت”،  لأنه وهب جميع أمواله في سبيل الله مرتين، ونصفه للفقراء ثلاث مرات.

كان الإمام الحسن(عليه السلام) قبل توليه الإمامة ملازماً لإمام زمانه المعصوم أي أميرالمؤمنين علي(عليه السلام)، سائراً في ركابه مطيعاً لأمره. وعند اندلاع الفتن في آخر خلافة عثمان، انتدبه أمير المؤمنين(عليه السلام) لحماية دار عثمان. ثم هاجر مع الإمام علي(عليه السلام) إلى الكوفة في عهده. وكان الإمام الحسن(عليه السلام) من قادة الإمام علي(عليه السلام) في معركتي الجمل وصفين.

بدأت الفترة الثالثة للإمامة بعد نحو تسعة أشهر من تولي الإمام الحسن(عليه السلام) مقاليد الخلافة، تزامنًا مع صلحه. وبعد استشهاد أمير المؤمنين علي(عليه السلام) في 21 من رمضان سنة أربعين للهجرة، تولى الإمام الحسن(عليه السلام) الإمامة، وبايعه في ذلك اليوم أكثر من أربعين ألفًا. ولمّا أبى معاوية أن يُبايع للإمام الحسن(عليه السلام)، سار بجيش من الشام نحو العراق. وأرسل الإمام الحسن(عليه السلام) جيشًا بقيادة عبيد الله بن عباس نحو معاوية، وتوجه هو ببقية الجيش إلى ساباط. بينما كان معاوية يحوك مؤامرته ويخطط للصلح، أصيب الإمام بمحاولة اغتيال قام بها أحد الخوارج وتم نقله إلى المدائن للعلاج. وفي تلك الأثناء، بايع بعض رؤساء الكوفة معاوية وكتبوا إليه يَعِدُونه بتسليم الإمام المجتبى أو قتله. وقد استغل معاوية هذه الفرصة، وبأكاذيبه ووعوده، أضعف جيش الإمام، ثم أرسل إليه بعرض الصلح وبخطابات رؤساء الكوفة، فَضَمِنَ منه قبول الصلح. هذا الصلح، وإن كان بدا ظاهره لصالح معاوية ضاغطًا على الإمام الحسن(عليه السلام) ، حتى من أقرب أصحابه، إلا أنه كان تم تدبيره من قبل الإمام الحسن(عليه السلام) الحكيم، مكشفًا لباطن بني أمية الفاسد، كما سيأتي بيانه.

بعد أن قَبِلَ الإمام الحسن(عليه السلام) هدنة معاوية، غادر الكوفة متجهًا إلى المدينة المنورة. إلا أن مؤامرات بني أمية لم تتوقف عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل استشهاده. فمعاوية الذي لم يلتزم بأيٍّ من شروط الصلح، عندما قرر أخذ البيعة لابنه يزيد مخالفًا بذلك بنود الصلح، لجأ إلى الرشوة فأغرى جعدة زوجة الإمام الحسن(عليه السلام) بمبلغٍ ضخم قدره مائة ألف درهم، وحرضها على دس السمّ للإمام. وهكذا، استشهد الإمام الحسن(عليه السلام) بعد عشر سنوات من إمامته في السنة الخمسين للهجرة، ودفن في مقبرة البقيع. وقد جمعت الروايات والأحاديث الواردة عنه في كتاب سمي “مسند الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)”.

 

صلح الإمام الحسن(عليه السلام) بداية عهد جديد في تاريخ الإسلام

بعد مضي 25 عاماً من صبر الإمام علي(عليه السلام) على الظلم والغصب، وبعد فترة قصيرة من خلافته التي دامت 5 سنوات، بدأ عهد جديد من الإمامة بصلح الإمام الحسن(عليه السلام) وامتد من عام 41 هجرياً حتى واقعة الطف في عام 61 هجرياً. ورغم مكانة الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام) العالية، وكونهما أبناء رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولهم أمّ كفاطمة الزهراء (عليها السلام) سيدة نساء العالمين، وأب كالإمام علي(عليه السلام) خليفة رسول الله(ص)، إلا أنهما واجها ظروفاً قاسية بسبب حكام الجور وسعوا بإخلاص لإحياء سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) واستعادة الخلافة الإسلامية.

معظمنا يعرف هذه الحقبة التاريخية من خلال واقعة عاشوراء، ولا نملك معرفة واسعة بفترة خلافة الإمام الحسن المجتبى(عليه السلام) التي امتدت تسع سنوات. بينما يعد صلح الإمام الحسن(عليه السلام) مقدمة وحاضنة للأرضية التي مهدت لقيام عاشوراء وإحياء راية الإسلام من جديد. بعبارة أخرى، فكما أن ثورة الإمام الحسين(عليه السلام) كانت ذات أثر بالغ في إصلاح أمة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وكشفت عن حقيقة الحكم الجائر، فإن صلح الإمام الحسن(عليه السلام)  ومساعيه خلال فترة إمامته التي استمرت تسع سنوات، ذو اهمية بالغة أيضاً.

ورث الإمام الحسن(عليه السلام) حكومة ابتعدت عن معايير الحكومة العلوية والنبوية، وواجه شعبًا لم يجهلوا قيمة الحاكم المعصوم فحسب، بل كان قد عاتبهم أمير المؤمنين(عليه السلام) مرارًا وتكرارًا بسبب الفترة و الكسل والفشل في تنفيذ اوامر المعصوم، ولم يجتازوا امتحان طاعة الإمام المعصوم بشكل صحيح، بالإضافة إلى أنهم كانوا عرضة لحملات الأُمويين وتشكيكهم واشاعاتهم. في مثل هذه الظروف، اتخذ الإمام الحسن(عليه السلام) قرارًا حكيمًا بقبول صلح معاوية، مما أنقذ المجتمع الإسلامي من الهلاك وحفظ الأفراد الذين تربوا في مدرسة الإسلام.

 

دراسة تاريخية لصلح  الإمام الحسن(عليه السلام)

لقد كان صلح الإمام الحسن(عليه السلام) معاهدة قوية وثابتة اتخذها الإمام وتم عقدها بذكاء شديد. فبعد انتهاء معركة صفين وحكم التحكيم الذي فرض على أمير المؤمنين علي(عليه السلام)، قرر القضاء على فتنة النهروان والعودة إلى الشام لمواجهة معاوية. وهكذا احتفظ بقواته في معسكر بمنطقة النخيلة خارج الكوفة وعاد إلى الكوفة لبضعة أيام فاستُشهد فيها خلال هذه الفترة القصيرة.[1] وهكذا، تولى الإمام الحسن (عليه السلام) الخلافة وهو يواجه جيشًا مستعدًا وعدوًا لا يختلف عليه اثنان، مما جعله لا يتردد في القتال مع معاوية وتنفيذ قرار أبيه[2].

واجه الإمام الحسن(عليه السلام) خلال فترة البيعة والجهاد التي امتدت ستة أشهر حملة شرسة من الدعاية السوداء التي شنها معاوية. فقد أرسل معاوية عملاءه إلى صفوف جيش الإمام لينشروا الشكوك والفتن، مستغلاً المال والوعود المغرية لشراء ولاء القادة والجنود، وابتزازهم بالتهديد.[3] عندها وجد الإمام نفسه يواجه جيشاً متردداً بلا قيادة، وبعد ستة أشهر قام بمعاهدة الصلح مع معاوية وترك الحرب بشروط. قبل معاوية الذي كان يبحث عن الحكومة فقط ومستعد لقبول جميع شروط الإمام.

شدد الإمام في معاهدة الصلح على مسائل تفصيلية، على عدم جواز أن يتطاول معاوية بوصف “أمير المؤمنين” الذي هو منسوب خاص بخليفة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.  وأكد بحزم على أن معاوية ليس له الحق في الاعتداء على نفوس شيعة أهل البيت(ع) ولا في تحويل الخلافة إلى الوراثة، ولا في تعيين خليفة من بعده، وأوضح أن الحق في الخلافة بعد معاوية يعود إلى الحسن(علیه السلام)، وإلى الحسين(علیه السلام) إن غاب الحسن(علیه السلام)[4]، وغيرها من البنود التي سنتناولها.

في الحقيقة، كان صلح الإمام الحسن(عليه السلام) هدنة مؤقتة بينه وبين معاوية، والتي أسهمت في فضح معاوية على مر التاريخ. وهكذا على الرغم من قلة أنصاره المخلصين، استطاع الإمام الحسن(عليه السلام) أن يبقى ألدّ أعداء معاوية، حيث أسس تنظيماً سرياً للشيعة سنفصل شرحه لاحقاً، وأعدّ الأسباب اللازمة لسقوط دولة بني أمية الفاسدة، وحافظ على صلة الأجيال القادمة بمذهب أهل البيت(عليهم السلام).[5]

H2 مضمون معاهدة الصلح بين الإمام الحسن(عليه السلام) ومعاوية

لقد أشار الشيخ المفيد إلى معاهدة الصلح التي عقدها الإمام الحسن(عليه السلام) مع معاوية بـ” الهدنة”، مما يوحي بكونها اتفاقية وقف مؤقت لإطلاق النار. غير أن المصادر التاريخية تختلف اختلافا كبيرا في تفاصيل هذه المعاهدة. وتعد رواية ابن أعثم الكوفي في كتابه “الغارات” من أبرز الروايات التي تناولت هذه المعاهدة بشيء من التفصيل والدقة.

بناءً على هذا التقرير، أوفد الإمام الحسن(عليه السلام)  عبدالله بن نوفل بن حارث للتفاوض على صلح مع معاوية، حاملاً رسالة يطالب فيها بضمان أمن شيعة علي(عليه السلام) وعدم إيذائهم. وقد أضاف عبدالله من تلقاء نفسه شروطاً أخرى إلى هذه الرسالة وقد وافق معاوية على جميع الشروط، وأعطى عبدالله ورقة بيضاء ليكتب الإمام عليها أي شرط يشاء. إلا أن الإمام الحسن(عليه السلام) رفض الشروط التي أضافها عبدالله، وكتب شروطاً أخرى في ورقة الصلح، لم يكن من بينها أي شرط مادي. وكانت هذه الشروط على النحو التالي:

  1. على معاوية أن يكف عن سبِّ أمير المؤمنين(عليه السلام) ولعنه في الركوع والسجود
  2. أن يكفل أمن شيعة أميرالمؤمنين(عليه السلام) ويضمن عدم إيذائهم بأي سوء
  3. أن يضمن حقوق شيعة أميرالمؤمنين(عليه السلام)
  4. ألا يعين وليًا للعهد أو خليفة من بعده، بل يجب أن يُترك الأمر لانتخاب المسلمين في شورى. ومن هذا الشرط الأخير يتضح أن هذه الهدنة بين الإمام ومعاوية لم تكن دائمية، بل كانت مؤقتة ومقتصرة على حياة معاوية.
  5. أن يكون الناس آمنين جميعاً أينما كانوا.
  6. أن يكون الشيعة وأصحاب عليّ (عليه السلام) آمنين على أنفسهم وأموالهم وأهليهم.
  7. ألا يمكر معاوية بالحسن وبأخيه الحسين وسائر أهل البيت ولا يؤذيهم.
  8. على معاوية أن يعمل بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخلفاء الراشدين.
  9. لا يحق لمعاوية أن يعين من يخلفه من بعده، وإنما يكون اختيار الخليفة بشورى من المسلمين.

وهكذا في اتفاقية الصلح هذه، حصر الإمام(عليه السلام) معاوية في سلطانه، مانعًا إياه من تعيين خليفة ووراثة الحكومة، ضامنًا بذلك أمن شيعة علي(عليه السلام) وسكان العراق. وقد تمّ توقيع هذا العقد الصلح في موضع “المسكن”، بحضور حشدٍ كبير من أهل الشام.

 

تحوّل النهج النضالي للأئمة بعد صلح الإمام الحسن(عليه السلام)

بعد صلح الإمام الحسن (عليه السلام) في العام 41 للهجرة، شرع الإمام في متابعة نضاله ضد حكم بني أمية بطريقة مغايرة، حيث نقل ساحة الصراع بين الحق والباطل من الصراع الظاهر إلى الصراع الخفي.[6] أما معاوية، فلم يقتصر على ممارسة السلطة السياسية فحسب، بل مارس السلطة الفكرية والثقافية، سعياً منه إلى تشويه صورة الشخصيات الإسلامية البارزة، ومنع الناس من الاقتراب منهم. ولذلك، لم يكن نضال الإمام الحسن(عليه السلام) ضد شخص معاوية فحسب، بل كان نضالاً ضد تيار فكري وثقافي، يتضمن أبعاداً عسكرية إذا لزم الأمر. وكان هذا النضال في الحقيقة لمواجهة نهج معاوية، وكذلك الشرك الخفي الذي يسعى إلى إفساد العقائد وتضليل الناس.[7]

جعل الإمام الحسن(عليه السلام) من هدفه الأساس في هذه المرحلة تحقيق الغاية التي سعى إليها جميع الأنبياء والأولياء، وهي إقامة دولة الإسلام الحقيقية. وقد عمل سراً على بناء تنظيم شيعي، وتكوين صفوة من المؤمنين المجاهدين، وذلك لإحياء دولة الإسلام من جديد. وكان هؤلاء المجاهدون يسعون إلى كشف نفاق الأمويين، وإعداد المجتمع فكرياً لثورة ممكنة، كما كانوا يهدفون إلى مساعدة الإمام الحسين(عليه السلام) في تحقيق أهدافه وإكمال مسيرته. والحقيقة أن أنشطة الإمامين الحسنين(عليهما السلام) الدعوية في هذه الفترة كانت تتم على صعيدين:

  • شرح حقائق الإسلام وكشف التحريفات والانحرافات التي ارتكبها النظام الأموي، وتبيين الفكر والأيديولوجيا الإسلامية على لسان الحسنين(عليهما السلام).
  • صرخات ثائرة وأفعال شجاعة من أمثال الحجر والرشيد وعمرو بن حمق، والتي لم تكشف عن حقيقة النظام الأموي فحسب، بل حضّت النفوس على الجهاد في سبيل الله.[8]

وهكذا، وبالتضحية بالنفس والمكانة، انتقل الإمام الحسن(عليه السلام) من ساحة الصراع الظاهر إلى ميدان الجهاد الخفي، مقدماً مصلحة الإسلام العليا[9] على مصالحه الشخصية. لقد فضّل أن يتحمل ويلات الهجوم من أصدقائه وأعدائه، لكي يحفظ دين الله ولينعم المجتمع بإمامة المعصوم المتخصص في النهاية.

 

سبب تفضيل الصلح على الحرب

ربما يسأل الكثير منا: ما الذي دفع الإمام الحسن(عليه السلام) إلى اختيار الصلح وتفضيله على الحرب؟ لماذا قام الإمام الحسين(عليه السلام) بالحرب بينما انسحب الإمام الحسن(عليه السلام) منها؟ ما السبب في قبول الإمام الحسن(عليه السلام) بالحكم الظالم في زمانه وقيام الإمام الحسين (عليه السلام) ضده؟

لتبيين أسباب اختيار الإمام الحسن(عليه السلام) للصلح بدلاً من الحرب، لا بد من التعمق في تحليل الظروف الزمانية والمكانية للإمام الحسن والإمام الحسين(عليهما السلام).

بالنظر إلى الأحداث التي جرت في بداية خلافة الإمام الحسن (عليه السلام) وتفرق الجيش عنه، أيقن الإمام الحسن (عليه السلام) أن مواجهة معاوية ستؤدي إلى هزيمة حتمية، الأمر الذي سيُلحق الضرر بالإسلام والمسلمين على حد سواء، وسيؤدي إلى زوال آخر معاقل المقاومة التي بناها أمير المؤمنين (عليه السلام) طوال سنوات طويلة.[10]

إن أي عمل عسكري حاسم يتطلب أسس فكرية وثقافية واجتماعية مُسبقة. فبدون إعداد مسبق وبناء تنظيم قوي، حتى لو قُتل الإمام الحسن (عليه السلام) في المعركة، لما كان لحدث استشهاده الأثر التاريخي والإحيائي الذي تركه قيام الإمام الحسين(عليه السلام). بل لكان مقتصرًا على مجرد قتل خليفة على يد أحد خصومه، هذا يعني بعد استشهاد الإمام وأصحابه، لم يكن هناك تنظيم يكشف حقيقة بني أمية. وهكذا لكان معاوية، بصفته زعيمًا للطاغوت، قد واصل تحريف الإسلام وتغييره دون حضور إمام معصوم متخصص، ولما وجد من يقف في وجهه.[11]

بينما اختلفت الظروف في زمن الإمام الحسين(عليه السلام)، فقد عمل الحسنان(عليهما السلام) على مدى عشرين عامًا على بناء تنظيم سري للشيعة في الكوفة والمدينة واليمن وحتى خراسان، مهيئين بذلك الأرضية لقيام الإمام الحسين(عليه السلام) الذي كان بمثابة الضربة القاضية لبني أمية. بعبارة أخرى، كانت فترة الإمامة الثالثة فترة تحضير المجتمع لاستقبال ثورة الإمام الحسين(عليه السلام) وضربة المعصوم القاضية للحكم الطاغوتي لبني أمية. وخلال هذه الفترة، عمل الحسنان(عليهما السلام) جنبًا إلى جنب لمدة عشر سنوات، ثم واصل الإمام الحسين(عليه السلام) جهوده وحيدًا بعد استشهاد الإمام الحسن(عليه السلام) لإعداد المجتمع لهذا الغرض.

كان المحور المقابل للإمام الحسن(عليه السلام) محورا للّنفاق والتضليل، حيث واجه معاوية الذي تزّيَّ بزيّ الإسلام وزعم أنه صحابيّ الرسول(صلى الله عليه وآله) وكاتب الوحي، مع أنه في الحقيقة كان يعمل لهدم أركان الدين. لقد كان معاوية أسيرًا لشهواته الدنيوية، ورأى في الإسلام عائقًا يحول بينه وبين ملذاته، فلم يتردد في تحريف القرآن وتغيير أحكامه لتحقيق أغراضه. في ظل هذه الظروف، كان صلح الإمام الحسن(عليه السلام) بمثابة فرصة سانحة لكشف زيف معاوية ونفاق بني أمية، إذ كشف عن عدم التزامهم بشروط الصلح، مما مكّن الإمام من كشف حقيقة الإسلام وعرضه على الناس.[12] وهكذا، أصبحت الكوفة بفضل جهود الإمام الحسن(عليه السلام) مركزًا للثورات ضد بني أمية. ولكن مع وفاة معاوية في سنة 60 للهجرة، تغيرت المعطيات، فواجه الإمام الحسين(عليه السلام) واقعًا جديدًا، حيث تجسد في شخص يزيد بن معاوية الذي تجاهر بالفسق والفجور، وخالف مبادئ وقيم الإسلام بشكل علني مما مهد الطريق لثورة الإمام الحسين(عليه السلام).[13]

لقد واجه الإمام الحسين(عليه السلام)، يزيد بن معاوية الذي تجرد من كل القيم الإسلامية، فغاص في ملذات الدنيا وهوى الفساد. لم يكن من الممكن التسامح مع مثل هذا الحاكم ولا الصلح معه أبداً. لذا، فإن ثورة الإمام الحسين(عليه السلام) التي أعادت الحياة للدين الإسلامي وكشفت عن وجه بني أمية القبيح، لو كانت قد وقعت في زمن الإمام الحسن(عليه السلام) لربما أدت إلى زوال الإسلام. إن الأئمة المعصومين، بقربهم من صفات الرحمانية والرحيمية، يتصرفون بما يحقق مصلحة الأمة على المدى البعيد. وهكذا، فقد فضّل الإمام الحسن(عليه السلام) الصلح الظاهري لكي يستعد لمواجهة المستقبل، ويقوّي أتباعه، ويكشف زيف ادعاءات بني أمية، ويضع الأسس لمقاومة سرية ومنظمة.

 

ثورةُ الإمام الحسين(عليه السلام) هي ثمرةُ صلحِ الإمام الحسن(عليه السلام)

استكملت فترة الإمامة الثالثة مسيرتها بفضل صلح الإمام الحسن(عليه السلام) الذي أعد الساحة لقيام الإمام الحسين(عليه السلام) في عام 61 للهجرة، حيث استعد المجتمع لمواجهة الظلم والاستبداد. لقد أمضى الإمام الحسين(عليه السلام) فترة طويلة من إمامته في تعزيز التشكيلات السرية الشيعية، ومع تولي يزيد بن معاوية الحكم، رأى(عليه السلام) أن الفرصة سانحة للكشف عن وجه الطاغوت ومحاربته، فخرج داعياً إلى الله، آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر، ساعياً لإحياء سنة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وسيرة أمير المؤمنين علي(عليه السلام).[14] عندما واجه الإمام الحسين(عليه السلام) ضغوطًا من يزيد لإجباره على البيعة، أعلن موقفه بوضوح في عبارة تاريخية: “مثلي لا يبايع مثله”[15]، و رفض بيعة يزيد بصورة قاطعة، مؤكداً على استحالة الصلح بين الحق والباطل، وبهذا الشعار الشجاع، أطلق شرارة الثورة ضدّ بني أمية. ورغم أن ثورة الإمام الحسين(عليه السلام) قد انتهت باستشهاده وأسر أهله، إلا أنها أعطت حياة جديدة لقيم الإسلام المحمدي والعلوي الأصيل، وخلّدت في التاريخ ذكرى ثورة وصرخة الإمام المعصوم ضد حكومة الطاغوت.

به این ترتیب دوران سوم امامت که از صلح امام حسن در سال 41 هجری آغاز و به قیام سیدالشهداء در سال 61 هجری ختم شده بود، با فداکاری حسنین (علیهم السلام) نقش خود را در حفظ و بقای اسلام و زمینه سازی برای برقراری حکومت اسلامی ایفا کرد و اگرچه خود موفق به برقراری حکومت اسلامی نشد، اما با بینش و بصیرتی عمیق زمینه برملا شدن دسیسه ها و حقیقت حکومت طاغوت و تداوم بهره مندی جامعه از وجود متخصص معصوم را فراهم آورد.

وهكذا انتهت الفترة الثالثة للإمامة بثورة سيد الشهداء سنة ٦١ هـ والتي كانت بدايتها سنة ٤١ ه بصلح الإمام الحسن (عليه السلام). إن للحسنين (عليهما السلام) ولتضحيتهما الفضل في حفظ الإسلام وبقائه ووضع الأساس لقيام الحكومة الإسلامية، ورغم أنهما لم ينجحا في إقامة حكومة إسلامية، إلا أنهما وفّرا الأرضية ببصيرتهما العميقة لكشف مؤامرات بني أمية وحقيقة الحكومة الطاغية، بالإضافة إلى استمرار وتداوم استفادة المجتمع من وجود المعصوم.

[1] . إنسان بعمر 250 سنة، الحلقة الثالثة، ص ۳۶۷

[2] . الطبري، تاریخ الامم و الملوك، ۱۴۰۳ق، ج۵، ص۱۵۸

[3] . إنسان بعمر 250 سنة، الحلقة الثالثة، ص 370.

[4] .  کتابصلح الحسن” (عليه السلام) للسيد القائد الخامنئي

[5] . نفس المصدر

[6] . المصدر السابق

[7] . إنسان بعمر 250 سنة، الحلقة الثالثة، ص435.

[8] . نفس المصدر.

[9] . سید بن طاوس، کشف المحجة لثمرة المهجة، ۱۳۷۰ق، ص۶۳

[10] . إنسان بعمر 250 سنة، الحلقة الثالثة، ص396.

[11] . نفس المصدر، 399.

[12] . نفس المصدر، 428.

[13] . نفس المصدر، 438.

[14] .الملحمة الحسينية، مرتضی المطهري، جص 136

[15] . بحارالانوار، کتاب تاریخ فاطمة و الحسن و الحسین، ابواب ما یختص بتاریخ الحسین بن علی، باب 37، رقم الحدیث 2

 

المشارکة

مقالات مماثلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *