دراسة أسباب ثورة الإمام الحسين(علیه السلام) ورد فعله على الظلم الأموي
حدثت واقعة عاشوراء في العاشر من محرم الحرام عام 61 هجري، حيث دارت معركة ضارية بين الإمام الحسين (عليه السلام) و72 من أصحابه الأوفياء[1]، وبين جيش يزيد بن معاوية الذي يقدر عدده بثلاثين ألف مقاتل،[2] في منطقة تسمى كربلاء تقع بالقرب من نهر الفرات، على بعد حوالي مائة كيلومتر جنوب غرب بغداد الحالية. وعلى الرغم من أن هذه المعركة أسفرت عن استشهاد الإمام الحسين وأصحابه وأسر عائلته، إلا أنها كشفت عن الوجه القبيح لبني أمية وحفظت الإسلام من الضلال.
إن نظرة سريعة إلى تاريخ الإسلام تكشف لنا أن واقعة عاشوراء في العام الحادي والستين للهجرة قد جذبت الأنظار وأثارت القلوب أكثر من أي حدث آخر. فقد وقعت هذه المأساة في وقت مبكر من تاريخ الإسلام، حيث شهد المسلمون الذين أسلموا على يد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنفسهم، ذبح أحفاد رسول الله وأسر نسائهم. هذا الحدث لم يكن عادياً، بل دل على انحراف عميق في المجتمع الإسلامي. والواقع أن عاشوراء كانت نتيجة طبيعية لتجاهل أمر غدير خم ونسيان البيعة للإمام علي عليه السلام، واستيلاء الأحقاد القبلية على النفوس. فالأشخاص الذين كانوا يتنافسون مع قريش وبني هاشم على الفخر النسبي والثروة قبل عاشوراء، سعوا في هذه الواقعة إلى الانتقام لمقتل أجدادهم في بدر وأحد وحنين.
لم تكن العشر سنوات التي قضاها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة كافية لتجذير القيم الإسلامية في نفوس العرب الذين اعتادوا على القيم القبلية لعقود طويلة. وبعد رحيل النبي، وتجاهل الناس لخليفته كمتخصص معصوم اختاره الله ورسوله، حدث انقطاع دام خمسة وعشرين عامًا في الحكم الإلهي. ولم تستطع فترة خلافة علي عليه السلام القصيرة، ولا الفترة المضطربة لخلافة الإمام الحسن عليه السلام، أن تصلح ما فسد. وفي عهد الإمام الحسين عليه السلام، لم يكن أغلب الناس يتبعون الإمام إلا بدافع من الروابط القبلية أو الطمع في المال والجاه، وليس إيمانًا بحق الإمامة أو سعيًا وراء الكمال الإنساني. ولم يكن لديهم فهم حقيقي لمفهوم الإمامة والولاية، ولم يدركوا أهمية تأسيس الحضارة الإسلامية التي من شأنها أن تحقق غاية الخلق.
بطبيعة الحال، عندما نتحدث عن الإنسان، فإن كل القواعد والقرارات والاختيارات تدور حول تحقيق سعادته وبلوغه الهدف المنشود. عاشوراء هي تلك اللحظة المحورية التي شهدت انحراف الدين عن مساره، ذلك الدين الذي وُجد لتحقيق سعادة الإنسان. إن فهم أهمية سعادة الإنسان وتوفير السبيل إليها هو المفتاح لفهم اختيارات الإمام الحسين (عليه السلام). إن واقعة عاشوراء تمثّل صراع الإمام مع الجهل والذل والمهانة التي عانى منها البشر. ففي موقف دائم يسعى فيه الشيطان إلى إبعادنا عن الطريق المستقيم، كانت مهمة الإمام هي إعادة البشرية إلى الصراط المستقيم، وهو الطريق الذي ينتهي بالتشبه بالله. على الرغم من أن هذا المسار تطلب تضحية عظيمة تمثلت في استشهاد الإمام وأسر عائلته، إلا أن ما جرى لعائلة النبي من مأساة في كربلاء كان حدثًا فريدًا لم يحدث مثله من قبل ولن يتكرر بعده. ومع ذلك، فإن السؤال حول العوامل التي أدت إلى هذا الانحراف والذي دفع الإمام لاتخاذ قرار بالقيام في عاشوراء هو ما نسعى للإجابة عنه في هذا المقال.
العوامل التي أدت إلى واقعة عاشوراء
قام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) خلال حياته في المدينة بوضع أسس الحكومة الإسلامية والمجتمع الإلهي المثالي؛ غير أن عشر سنوات لم تكن كافية لترسيخ هذه القيم وتغيير العقائد والعادات التي التصقت بالناس منذ الجاهلية. بالإضافة إلى ذلك، فإن بعض الأفراد الذين اضطروا لاعتناق الإسلام بعد فتح مكة والتكيف مع النظام الإسلامي كانوا بعيدين كل البعد عن مبادئ الدين الإسلامي وأهداف النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، بل وربما كان بعضهم يضمر الكراهية لهذه القيم. هذا الانفصال بين الناس وبين المتخصص المعصوم زاد بمرور الوقت، وبلغ ذروته في نهاية فترة إمامة الإمام الحسين(عليه السلام).
في الواقع، فإن التيار الذي أدى إلى واقعة عاشوراء كان نتيجة لتصرفات مجموعتين من الناس: الأولى هم الخواص الذين كانوا يمتلكون القدرة على التحليل والفهم وإدراك الأمور، والثانية هي عامة الناس الذين لم يكن لديهم بصيرة ولم يتبعوا هدفًا محددًا، بل كانت تحركاتهم تتشكل بناءً على تصرفات وردود أفعال الخواص في المجتمع. تجدر الإشارة هنا إلى أن فئة الخواص نفسها كانت تنقسم إلى قسمين: خواص أهل الحق وخواص أهل الباطل، وبما أن مواقف خواص أهل الباطل كانت واضحة، فإن ما يهمنا هنا هو مستوى تأثير تصرفات أو عدم تصرفات خواص أهل الحق في هذه الحادثة، والتي غالبًا ما تأثرت بعوامل سنشير إليها فيما يلي:
- حب الدنيا
بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومع الفتوحات والتوسعات التي شهدتها الدولة الإسلامية، بدأ العديد من الخواص في المجتمع الإسلامي بالابتعاد تدريجيًا عن الجوهر الحقيقي للإسلام وانصرفوا إلى الدنيا وملذاتها، فوجدوا صعوبة في التخلي عنها. ولقد وصل الأمر إلى حد أن معظم الخواص، باستثناء عدد قليل، فضلوا الحياة والمناصب والشهوات والمال والراحة على مرافقة الإمام والتخلي عن الدنيا عندما حان وقت الامتحان والتكليف. وبدلاً من مواجهة ذلك النظام الطاغوتي مثل بني أمية، اختاروا الاستسلام خوفًا على حياتهم، أو خشية من العزلة وفقدان المناصب التي كانت يومًا ما وسيلة للتقرب إلى الله. وبهذا الخوف والتقاعس، لم يظهروا أي مقاومة أمام الحكم الباطل، مما أدى في النهاية إلى استشهاد الإمام الحسين(عليه السلام) وإبعاد المتخصص المعصوم.
وبهذا، خلال خمسين عامًا بعد وفاة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، شهد المجتمع الإسلامي تحولًا كبيرًا في القيم التي أرساها النبي من عبادة الله، والمعرفة، والعدل، والمحبة،[3] وحلت محلها الكسل، وحب الدنيا[4]، والسعي وراء السلطة. وهكذا نرى أن مدينة مثل الكوفة، التي بايع فيها 18 ألفاً ممثل الإمام، مسلم بن عقيل،[5] أرسلت الكثير من أهلها إلى كربلاء لمحاربة الإمام، تحت الإكراه أو التهديد أو الإغراء.
- عدم إدراك الموقف
تشير التجارب التاريخية إلى أن مواقف الأشخاص المؤثرين ليست مهمة فقط، بل قد تكون حاسمة في تغيير مصير أمة. لو أن هؤلاء الأشخاص اتخذوا القرارات الصحيحة في الوقت المناسب، لكان بإمكانهم إحداث فرق كبير. في حادثة عاشوراء، لو وقف الخواص بجانب مسلم بن عقيل أو قام التوابون بدعم الإمام في اللحظة المناسبة، لربما تغيّر مسار الأحداث وربما حتى تم تجنب استشهاد الإمام. لكن هذه القرارات لم تُتخذ بسبب الخوف أو الضعف أو الجهل أو التمسك بالدنيا، مما أدى إلى ما حدث.[6]
- عدم التشخيص الصحيح
في هذا السياق، كان هناك من لم يستطيعوا تحديد واجباتهم بدقة بسبب عدم إدراكهم للظروف الزمانية والمجتمعية التي يمرون بها، مما أدى إلى عدم معرفة أعدائهم الحقيقيين. بمعنى آخر، إنهم أخطأوا في تحديد أولوياتهم، وبالتالي لم يتمكنوا من مساعدة الإمام المعصوم بالشكل المطلوب والقوي، وشاركوا في حرمان ملايين البشر من الإمام المعصوم لقرون عديدة. أحيانًا لا يواجه الناس صعوبة في تمييز الحق من الناحية الظاهرية، كما كان الحال مع أشخاص مثل عمر بن سعد، الذي لم يشك في مكانة الإمام، ولكن نظراً لاختيارهم أساليب حياة مختلفة وأعمالًا متعارضة مع الحق، فقدوا القدرة على نصرته. في الحقيقة، عندما نفقد فهمنا الصحيح لقيمتنا كإنسان، نفقد القدرة على تحليل التاريخ بشكل صحيح وفهم الظروف السياسية والاجتماعية.
- تغيير المعايير
أحد العوامل الرئيسية التي أدت إلى وقوع حادثة كربلاء هو التغيير في معايير المجتمع. فقد استبدلت القيم الدنيوية والشهوات بالتقوى التي كانت أساس التفاضل بين الناس في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). كان الإسلام يهدف في الأساس إلى إصلاح تلك المعايير الخاطئة مثل الخداع والكذب وحب الدنيا، التي كانت سائدة في ظل الحكم الطاغي، واستبدالها بقيم إنسانية مثل الإخلاص، والشهامة، والإيثار، والتضحية. ولكن الحياة تحت حكومات الظلم شوهت تلك القيم وأصبحت المعايير الباطلة تبدو مقبولة بل محببة لدى الناس. وبهذا، أدى الانشغال بالماديات واتباع الشهوات، مع الفشل في اتخاذ المواقف المناسبة لدعم الحق، إلى عزلة الإمام وترك المجال مفتوحًا أمام سيطرة الباطل.
الوقت المناسب للقيام
لكن لماذا لم يقم الإمام الحسين(عليه السلام) سريعًا بالثورة ضد حكم بني أمية الفاسد؟ ما هي خصائص حكم معاوية والتي لم توفر الظروف المناسبة للإمام للقيام ضد حكومة الجور؟ وما الذي دفع الإمام الحسين(عليه السلام) إلى الصمت والتريث لمدة عشر سنوات في ظل حكم معاوية، ثم القيام ضد حكم يزيد؟
تكمن إجابة هذه الأسئلة في الاختلاف الكبير بين شخصية وأسلوب حكم يزيد ومعاوية. فعلى الرغم من أن ثورة الإمام الحسين(عليه السلام) وقعت في عهد بني أمية، إلا أن هناك فرقًا كبيرًا بين حكم معاوية وحكم يزيد.
أولاً،كان معاوية يُظهر في عهده صورةً زاهدةً، يتظاهر بالتدين والالتزام بأحكام الشريعة، في حين كان يعمل في الخفاء على تقويض الإسلام. ولقد ادعی أنه من صحابة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وكاتب وحيه، إلا أنه كان في الواقع يتبع منهجاً مغايراً لذلك. ولذا وصفه ابن أبي الحديد بأنه سياسي فاسق كاذب ومخادع، استطاع بِكُلِّ مكرٍ أن يضلل الناس ويُلبس عليهم الحق، ويُقدِّم أهواءه بصورةٍ مُضلِّلة[7].
إن ازدواجية معاوية، خصوصًا في بلاد الشام، جعلت الناس يعتبرونه مرجعًا دينيًا، أو بعبارة أخرى الخليفة وخليفة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وباتوا يعرفون الإسلام من خلاله. في المقابل، كان يزيد يجاهر بالفساد وشرب الخمر والفسق، ما أفقده مكانته بين المسلمين،[8] واعتمد على الإرهاب والترويع للسيطرة عليهم، كما تجلى ذلك في أحداث عاشوراء سنة 61 هـ ووقعة الحرة سنة 63 هـ. وهكذا، تولى الحكم بعد معاوية شخص لا يحترم حتى ظواهر الإسلام ولا يعبأ بها.
بما أن يزيد كان فاسقًا في السلطة وعلى رأس المجتمع، كان تأثيره السلبي على الأمة أكبر، إذ كان سلوكه الفاسد يتسبب في إفساد بقية المجتمع. في الحقيقة، قام يزيد بتحويل النظام الاجتماعي في العالم الإسلامي إلى نظام غير إسلامي. في الوقت الذي كان هدف الأنبياء هو إقامة نظام إسلامي[9] يكون فيه الحكم والعدالة وتوزيع الثروات وإدارة العلاقات بين الناس وكل الأنشطة الاجتماعية مبنية على تعاليم الإسلام، اتجه يزيد بالعكس تمامًا، ساعيًا إلى تدمير قيم الإسلام وإبعاد الناس عن الصراط المستقيم وهدف خلقهم.
في ظل هذا الانحراف البارز، كان على الإمام الحسين(عليه السلام) أن ينهض بالثورة. فالثورة تصبح ضرورة عندما يتجلى الانحراف، وتكون الظروف ملائمة للتصدي له.[10] وباعتباره ابن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، كان الإمام الحسين الأكثر أهلية لإعادة الأمة الإسلامية إلى مسارها الصحيح والقيام بمسؤوليته في هذا الظرف. كما أن الإمام أدرك أن الظروف في ذلك الوقت كانت مواتية لاتخاذ هذا الموقف.[11]
القيام؛ طريق لإنقاذ الإسلام
لقد قام الإمام الحسين(عليه السلام) بثورته في اللحظة التي كان فيها الإسلام مهدداً بخطرين: الخطر الخارجي، وخطر الانهيار الداخلي.
- كان الخطر الخارجي متمثلاً في أولئك الذين استهدفوا كيان الإسلام بأي وسيلة، وسعوا لتقويض قوانينه. في الحقيقة، كان هؤلاء يشملون جهاز الخلافة الفاسد لبني أمية وأتباعهم الطامعين في الدنيا. كان هؤلاء يستغلون سلطة الإسلام لتحريفه عن المسار الذي رسمه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبعد أن أزال الإسلام الطبقية، اتبعوا سلوك أباطرة الفرس والروم، في حين كانوا يدّعون أنهم خلفاء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقامو بقيادة المجتمع نحو الدنيوية والشهوات.[12]
- من جانب آخر، كان هناك تهديد داخلي تمثل في بعض أتباع الإسلام، الذين بسبب الإرهاق أو غياب الوضوح في الطريق الصحيح، أو انجرافهم خلف الشهوات والمغريات الدنيوية، انحرفوا تدريجيًا نحو الفساد الذي رسخه النظام الحاكم. هؤلاء الأفراد، سواء عن قصد أو غير قصد، ساروا في اتجاه مضاد لقيم الإسلام الحقيقية ولما تمثله الحكومة الإسلامية الأصيلة.[13]
لقد جمع قيام عاشوراء بين مواجهة العدو الخارجي والجهاد ضد الشهوات الداخلية، فقد حارب الإمام عدوًا أراد القضاء على مبادئ وأهداف الحضارة الإسلامية، وفي الوقت ذاته، قاوم روح الترف والفساد التي انتشرت بين عامة المسلمين. كانت هذه المواجهة تهدف إما إلى إقامة حكم للإمام، أو إلى استشهاده،[14] وفي كلا الحالتين، كان ذلك يؤدي إلى نجاح إمام وتحقيق هدفه. إن عاشوراء أحيت قيم الإسلام النبوي،[15] وأصبحت معيارًا أبدياً لكيفية التصدي لحكومات الجور والطغيان.
قيام عاشوراء
تغيّرت الظروف بعد وفاة معاوية بالنسبة للإمام الحسين(عليه السلام)، الذي كان الناجي الوحيد من أبناء فاطمة الزهراء(سلام الله عليها). كان معاوية، بسبب الظروف السياسية ومكانته الاجتماعية، يتجنب المواجهة العلنية مع الإمام الحسين(عليه السلام) قدر الإمكان، ووصّى ابنه يزيد باتباع النهج نفسه. لكن يزيد، الذي لم يكن يملك دهاء معاوية وسياساته، بدأ بمواجهة علنية مع ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وطالب بالبيعة منه، مما أدى إلى سقوط حكومة بني أمية.
في هذه الأثناء، قام والي المدينة الوليد بن عتبة[16] والمستشار مروان بن الحكم بمحاولة أخذ البيعة من الإمام لصالح يزيد. إلا أن الإمام الحسين(عليه السلام) أجّل هذه البيعة، واشترط أن تكون علنية وأمام الجميع، وأوضح بعبارة مفصلية للرسل المبعوثين من قبل يزيد مبدأ التعامل مع الطغاة، فقال: “مثلي لا يبايع مثله”.[17]
إن امتناع الإمام الحسين(عليه السلام) عن مبايعة يزيد دفعه إلى مغادرته المدينة في الليل متوجهاً نحو مكة. وفي وصيته لأخيه محمد بن الحنفية، أكد الإمام(عليه السلام) أن خروجه لم يكن بدافع الشهوة الشخصية أو السعي وراء مصالح ذاتية، ولم يكن بهدف الإخلال بالنظام الإسلامي، بل كان قيامه من أجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإصلاح أمة جده. كان الإمام يهدف في الواقع إلى إحداث تغيير جذري في المجتمع.
عندما غادر الإمام المدينة، كتب زعماء الكوفة إليه يطلبون منه أن يتولى زمام الكوفة والعراق، ويوحد الناس على طريق الحق.[18] وبناءً على طلبهم وإصرارهم، رأى الإمام أن الحجة قد اكتملت عليه، فأرسل ممثله مسلم بن عقيل إلى الكوفة. لقد استقبل أهل الكوفة مسلماً استقبالًا حافلًا في البداية، وبلغ عدد من بايعه ثمانية عشر ألف شخص، مما دفع مسلمًا إلى كتابة رسالة إلى الإمام، يخبره فيها باستعداد أهل الكوفة لاستقباله.[19]
حتى ذلك الوقت، كان الإمام يرى أن البقاء في مكة خلال موسم الحج وحرم البيت الحرام سيوفر له ولأهله الحماية. لكن بعد تهديد حاكم مكة خشي أن يراق دمه في الحرم وأن تُنتهك حرمة بيت الله، لذلك فقد اضطر إلى اتخاذ قرار آخر. ومع استلامه لرسل أهل الكوفة، غادر الإمام مكة في اليوم الثامن من ذي الحجة سنة 60 هـ متجهًا نحو الكوفة.
ولكن، هذا النداء لم يدم طويلًا، فسرعان ما تبدلت الأوضاع مع دخول عبيد الله بن زياد إلى الكوفة، حيث بدأ بفرض الضغط والتهديد على أهلها.[20] خاف الناس على حياتهم وأموالهم وأسرهم ورواتبهم، فتراجع أغلبهم عن بيعتهم للإمام الحسين (عليه السلام) باستثناء قلة قليلة. هذا الخوف والتهديد، إلى جانب عدم وضوح الواجب، جعل أهل الكوفة يتخلون عن مسلم بن عقيل، مما أدى ذلك إلى قتله. أثناء توجه الإمام الحسين نحو الكوفة، وصلته في منطقة “زرود” أنباء نقض البيعة ومقتل مسلم بن عقيل على يد أعوان عبيد الله بن زياد. وعلى الرغم من أن هذا الحدث كشف عن اضطراب الوضع في الكوفة، إلا أن الإمام لم يتلق أي رسالة رسمية تؤكد تراجع أهل الكوفة عن دعمه، بالإضافة إلى التهديدات التي كان عمرو بن سعيد بن العاص، والي مكة قد وجهها للإمام. لذلك، واصل الإمام الحسين رحلته، ليتحقق من موقف أهل الكوفة ويستكمل حجته معهم.
منع ابن زياد الإمام من دخول المدينة خوفًا من أن يؤثر على أهل الكوفة، كما حال دون عودته إلى مكة، حيث أرسل الحر بن يزيد الرياحي مع ألف فارس لمواجهته.[21] ظل الحر يراقب الإمام ويتعقبه من منزل إلى آخر حتى وصلوا إلى كربلاء. استمرت رحلة الإمام منذ أن رفض بيعة يزيد حتى يوم عاشوراء لمدة 175 يومًا، حيث قضى 12 يومًا في المدينة، 4 أشهر و10 أيام في مكة، 23 يومًا في الطريق من مكة إلى كربلاء، و8 أيام في كربلاء. قطع الإمام وأهله خلال هذه الرحلة 18 منزلاً، أي ما يعادل حوالي 430 كيلومترًا، وانتهت الرحلة بوصولهم إلى كربلاء في اليوم الثاني من محرم سنة 61هـ.
واقعة كربلاء: امتحانٌ للولاء والتبعية للإمام
الإمام هو المربي ومصدر رحمة الله. لذلك، وخلال رحلته إلى الكوفة وكربلاء، سعى الإمام الحسين(عليه السلام) إلى هداية الناس إلى الصراط المستقيم. صراط يبدأ بمرافقة الإمام، وينتهي بنيل المقام المحمود الذي يملكه الإمام عند الله. ولكن لم يكن الولاء واتباع الإمام اختبارًا سهلاً، بل كان يزداد صعوبة كلما اقترب اليوم العاشر من محرم، يوم عاشوراء.
إن تحمل الحصار من جيش العدو الذي بلغ عدده آلاف الجنود، و مواجهة العطش منذ اليوم السابع من محرم، وقطع الطريق الذي ينتهي لا بد مع بالشهادة، كانت أمورًا لا يتحملها إلا من كان قد نظم علاقته مع الله مسبقًا، ولم يُغرِ نفسه بالشهوات ولم ينشغل بكمالات الدنيا الزائفة، بل كان يتحلى بالأدب والوفاء والطاعة للإمام، و متهيئًا للتربية التي يمنحها الإمام.
ينشأ الوفاء للإمام من معرفة مكانته وفضله، فهو يمثل أسمى تجلٍّ من أسماء الله وصفاته، وكونه معصومًا قادر على رفع الناس إلى مقام التشبه بالله. لم تتوفر هذه البصيرة إلا لعدد قليل من أهل الكوفة، مثل هاني، وحبيب، ومسلم بن عوسجة، وغيرهم ممن تمكنوا من الوصول إلى جيش الإمام. وفقًا لأشهر الروايات، بلغ عدد أنصار الإمام في يوم عاشوراء 72 شخصًا،[22] منهم سبعة عشر من عائلة الإمام والشباب من بني هاشم.[23]
قيام عاشوراء يُعتبر درسًا استثنائيًا في التاريخ لأنه يمزج بين العقل والحب. والسبب في ديمومة حركة التشيع على مر العصور هو هذا المزج المتناغم بين المنطق والعاطفة.[24] إنَّ عاشوراء حدث يتكون من شهداء وأسرى يمثلهم أفراد بمواقف وظروف متنوعة، ومن هنا، فهي تتواصل مع جميع الناس بغض النظر عن أعمارهم أو جنسهم أو مراكزهم. في الحقيقة، تقدم عاشوراء نموذجًا للمقاومة ضد الظلم والفساد، وكيفية الولاء للإمام المعصوم، وتوضح واجب كل واحد منا سواء تجاه الإمام أو المتخصص الإلهي، أو في مواجهة الظلم وحكومة الجور بوضوح.
[1] . ابن کثیر، البدایة و النهایة، ج ۸، ص۲۰۵؛ شیخ مفید، الارشاد، ج۲، ص ۹۵
[2] . شیخ صدوق، الامالی، مجلس ۲۴، ص۱۷۷، ح ۳ و مجلس ۷۰، ص۵۴۷، ح ۱۰
[3] . نفس المصدر، ص 509
[4] . نفس المصدر، ص 400
[5] . الدینوري، الأخبار الطوال، ۱۳۳۰ق، ص۲۳۵
[6] . إنسان بعمر 250 سنة، السيد علي الخامنئي، الحلقة الثالثة، ص 529-527
[7] . ابن أبي الحدید، ج 3، ص 82
[8] . إنسان بعمره 250 سنة، السید علي الخامنئي، الحلقة الثالثة، ص 445
[9] . نفس المصدر، ص 552
[10] . نفس المصدر، الحلقة الثانية، ص 177
[11] . نفس المصدر، الحلقة الثالثة، ص 460
[12] . انسان بعمره 250 سنة، الحلقة الثانية، ص 211
[13] . نفس المصدر، ص 167-165
[14] . نفس المصدر، 172.
[15] . نفس المصدر، 182.
[16] . انسان بعمره 250 سنة، الحلقة الثالثة ، ص 447
[17] . بحار الأنوار، ج۴۴، ص:۳۲۵
[18] . نفس المصدر، ص 452
[19] . الطبري، تاریخ الطبري، ج 5، ص381
[20] . المفید، الإرشاد، ج۲، ص۷۳-۷۴
[21] . إنسان بعمره 250 سنة، السید علي الخامنئي، الحلقة الثالثة، ص 458
[22] . ابن اثیر، الکامل فی التاریخ، ج۵، ص۵۹
[23] . الصدوق، کمال الدین وتمام النعمة، ۱۳۹۵ق، ص۵۳۳
[24] . إنسان بعمره 250 سنة، السید علي الخامنئي، الحلقة الثالثة، ص 564