[rank_math_breadcrumb]

دور اليهود في تاريخ الأئمة (عليهم السلام) وحرمان الأمة من حكم الإمام المعصوم

دور اليهود في تاريخ الأئمة (عليهم السلام) وحرمان الأمة من حكم الإمام المعصوم

 دراسة دور اليهود في تاريخ الأئمّة (عليهم السلام)، وقيادة المجتمع خفيةً نحو إقصاء الإمام المعصوم

لم يكن دور اليهود في مجرى التاريخ مقتصرًا على عصر أهل البيت (عليهم السلام)، بل إنّ هذا الكيان كان، منذ سنواتٍ طويلة سبقت ولادة النبيّ محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، يسعى إلى استئصال جذوره والقضاء عليه قبل أن ينبثق نوره في هذا العالم. وعندما عجزوا – بعد مولده الشريف وحتى في عهد حكمه – من اختراق حصنه الدفاعي وهدم الدولة الإسلامية، قرروا التسلل الخفي إلى دائرة أصحابه ومقربيه، زارعين بذور القضاء على الإسلام لما بعد عهده. وبعد أن استشهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمؤامراتهم الخفية، تبلور الدور الأكثر حسماً لليهود في تاريخ الأئمة (عليهم السلام)، وحان دور توجيه وقيادة الدولة الإسلامية على أيدي عملائهم من اليهود. فقد ارتدى اليهود رداء الإسلام، ووصلت أقدامهم إلى حرمات قصور خلفاء المسلمين. ومنذ ذلك الحين، لم يعد الإسلام يُدار بأيدي المسلمين، بل بأيدي اليهود المستترين.

لقد كانت منظمة اليهود على علم بدور الإسلام في العالم وفي آخر الزمان، وكانت تعرف نبيها معرفة تامة، وتعرف أسماء أئمته بدقة متناهية، وتدرك المعركة الأخروية لآخر وُلد سيدنا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتطلع جيداً على حكومته العالمية ودولته الكريمة. ولم يكن اليهود ليروا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا أي أمة أخرى أفضل منهم، بل كان استحسان وقوع أحداث آخر الزمان على يد غير اليهود أمراً مستحيلاً في تصورهم؛ لذا استهدفوا منبع الإسلام، وركزوا كل قواهم على تعيين الدول والحكومات، وبرز دور اليهود في تاريخ الأئمة الأطهار (عليهم السلام) بشكل أكثر وضوحاً. فبمجرد انقضاء عصر الخلفاء الثلاثة الأوائل، مهدوا بتدابير خاصة الأجواء لنقل السلطة إلى بني أمية. وقد كان دور اليهود في تاريخ الأئمة (عليهم السلام) مؤثرا بحيث أنهم كانوا يُنصبون حاكماً جائراً يناسب هذه المهمة، بدلاً من التدخل المباشر والجزئي في إقصاء أهل البيت (عليهم السلام)، ثم  كانوا يجلسون في الظل يراقبون عن كثب. لقد تعرض الأئمة الخمسة الأوائل من الشيعة للتعذيب والحصار والاستشهاد على يد بني أمية وبني إسرائيل. وبعد أن فقد بنو أمية فائدتهم وفعاليتهم لمنظمة اليهود، جاء بنو العباس بدعم خفي من اليهود، فأبعدوا الأئمة الستة التالية عن أنظار العامة واحداً تلو الآخر واغتالوهم في النهاية، وأخيراً أرسلوا الإمام الثاني عشر خلف ستار الغيبة لقرون.

يتناول هذا المقال، بالإجابة عن بعض التساؤلات، دور اليهود في اغتصاب الخلافة من أهل البيت (عليهم السلام)، إضافةً إلى دعمهم ومؤازرتهم الغاصبين للحكم:

  • كيف كانت العلاقة بين اليهود وبني أمية؟
  • ما هو دور اليهود في نقل السلطة إلى بني أمية واستشهاد أهل البيت (عليهم السلام) في العصر الأموي؟
  • كيف تشكل النفوذ اليهودي في بلاط بني العباس؟
  • لماذا اختار اليهود النفوذ في الحكومات المغتصبة بدلاً من القتل العلني والمباشر لأهل البيت (عليهم السلام)، وانشغلوا بتقوية قوى مثل بني أمية وبني العباس؟
  • لماذا فضل اليهود البقاء خلف الستار ليستشهد الأئمة (عليهم السلام) على أيدي المسلمين أنفسهم؟

العلاقة العميقة بين بني أمية وبني إسرائيل

كان بنو هاشم وبنو أمية فرعين كبيرين من قبيلة قريش، يلتقي نسبهما المشترك عند “عبد مناف”. تعود جذور بني هاشم إلى رجل يدعى “هاشم”، بينما تعود جذور بني أمية إلى رجل يدعى “أمية” ابن “عبد شمس”. ومن المعروف أن هاتين القبيلتين كانت بينهما قرابة، إلا أن سنوات العداء بينهما رسمت أحداثاً مؤلمة في تاريخ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته (عليهم السلام). فقد كان مشركو قريش وأبناؤهم من بني أمية يضمرون حقداً عميقاً في قلوبهم على بني هاشم. أما رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وآباؤه وأبناؤه (عليهم السلام) فكانوا من بني هاشم. كان قد اشتهر هاشم بالشجاعة والفروسية والغيرة، وكان أمية يحسده لعدم قدرته على أن يكون محبوباً ومشهوراً مثله، وكان يضمر له الضغينة في قلبه. وقد بقي هذا الحسد والحقد في قلوب بنو أمية لقرون.

هناك روايتان في التاريخ حول هوية أمية؛ يرى البعض أنه ابن عبد شمس ومن نسل عبد مناف، وأنه يجمعه مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جذوراً مشتركة في شجرة النسب. ولكن هناك رواية أخرى متكررة حول هويته، حيث كتبت العديد من الوثائق التاريخية أن أمية لم يكن الابن الحقيقي لعبد شمس، بل كان ابنه بالتبني وهو عبد رومي،[1] لذا من المحتمل أن يكون بنو أمية من نسل بني إسرائيل وأن أصولهم تعود إلى الروم.

تحدثت بعض المصادر التاریخیة عن صلة نسب “أمیة” بالیهود، مشیرةً إلى أنه عندما قدم إلى الشام أقام بها سنوات طوالاً، وأقام علاقة مع جاریة یهودیة، فولدت له بعد حين ابناً سُمِّي “ذکوان”.[2] وكان معاویة بن أبی سفیان من بنی أمیة.

تناولنا في مقال “نفوذ الیهود في الإسلام بعد وفاة الرسول (صلى الله علیه وآله وسلم)” الدور المحوری والمصیری لـ “کعب الأحبار“، بوصفه یهودیاً متخفیاً ظاهره الإسلام، استطاع أن یخترق بلاط الخلافة. بلغ کعب من النفوذ في قمة الحکم الإسلامی بعد رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم) مبلغاً لم تکن تُتخذ القرارات الحکومیة المصیریة إلا بعد مشورته.

لقد کان کعب معجباً بمعاویة إعجاباً شدیداً، ولعب دوراً بارزاً في إبراز فکرة خلافة معاویة ودعمها. وکان معاویة بدوره یجلّه إجلالاً خاصاً، وكانت تربطهما علاقة متبادلة وثیقة ذات دلالة عمیقة. ثم اشتدت أواصر هذه العلاقة في عهد خلافة أمیر المؤمنین علي (علیه السلام)، مما کشف بوضوح عن دور الیهود في تاریخ الأئمة (علیهم السلام). هذه العلاقة بلغت من الوضوح حدّاً دفع أمیر المؤمنین علي (علیه السلام) إلى رفض بیعة بعض العناصر الفاعلة في بني أمیة، مثل “مروان بن الحکم”، قائلاً: “یدُه یدُ الیهود”.[3] وكان لليهود مكانةٌ كبيرة في بلاط معاوية، حتى بلغ الأمر أن يُساء إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في مجلسه على أيدي اليهود، دون أن يُحاسَبوا، بل كانوا يُقابَلون على الدوام بالتشجيع والتكريم.[4]

الدور المباشر لليهود في استشهاد أهل البيت (عليهم السلام)

ذكرنا أن الضربة القاصية التي وجهها اليهود إلى جسد التشيع كانت حين أخرجوا الخلافة والحكم من يد الإمام المعصوم وسلموها إلى الفاسدين من بني أمية. ولكن من الضروري أن نستعرض تفاصيل دور اليهود في تاريخ الأئمة (عليهم السلام)، مثل تعيين عملاء النفوذ اليهودي في استشهاد أهل البيت (عليهم السلام)، لكي نرى آثار اليهود بشكل أوضح قليلاً في هذه الملحمة.

دور اليهود في استشهاد الإمام علي (عليه السلام)

عند استقصاء دور اليهود في تاريخ الأئمة (عليهم السلام)، نرى أنه وبصرف النظر عن تنصيب بني أمية على الأيدي الخفية لليهود، لم يكتفي معاوية -بصفته عميلاً لليهود- بهذا المستوى من الاغتصاب والظلم، بل لم يقصر في مؤامرة استشهاد الإمام، ووضع العراقيل أمام جيشه وحكمه أيضاً. فلم يكن لليهود نفوذ في جيش العدو فحسب، بل كان لهم عملاء مؤثرون جداً داخل جيش الإمام أيضاً. وقد لعب ثلاثة شخصيات دوراً محورياً في قتل واغتيال الإمام عبر التاريخ: معاوية بن أبي سفيان، وأشعث بن قيس، وابن ملجم المرادي.

الأشعث بن قيس

كان دور اليهود في تاريخ الأئمة (عليهم السلام) يتخذ شكلاً أكثر جدية عبر نفوذييهم. فالمرتزقة مثل الأشعث بن قيس كانوا من عوامل النفوذ التي أدّى تحريضه لجيش الإمام علي (عليه السلام) في حادثة رفع المصاحف على الرماح في جيش معاوية، إلى الانتصار النهائي لجبهة معاوية؛ تلك الحرب التي لو كان انتصر فيها الإمام علي عليه السلام لزال شر بني أمية من صفحات التاريخ إلى الأبد. قد تحدثت مصادر موثوقة في تاريخ الإسلام عن يهودية الأشعث وعائلته. [5] ومن المثير للاهتمام أنه كان على اتصال بمعاوية ويتناغم معه حتى قبل وقعة صفين وفي أتون الحرب. [6] وتعتقد بعض كتب التفسير أن جذور معظم الفتن والمفاسد والمؤامرات في عصر الإمام علي (عليه السلام) تعود إلى الأشعث. [7] هذا الذي كان يُعد بنوع ما عميلاً سرياً لمعاوية وقائداً للمنافقين، كان يبحث عن فرصة لخدمة معاوية والضرب بالإمام، فشارك في هذه المؤامرة وتورط في قتل الإمام. وحتى عندما قدم ابن ملجم إلى الكوفة، نزل في منزله. فقد بقي الأشعث ليلة القتل بجانب ابن ملجم حتى الصباح، يحرضه ويهيئه لهذا القتل. [8]

عبدالله ابن ملجم المرادي

لقد كشف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن دور اليهود في تاريخ الأئمة (عليهم السلام)، وتحدث صراحة وبلا مواربة عن يهودية قاتل الإمام علي (عليه السلام). [9] والجملة التي تفوه بها الإمام علي (عليه السلام) بعد تلقيه الضربة، هي دليل قاطع على يهودية ابن ملجم، ولكن يبقى موضع تساؤل: لماذا تنشر هذه الجملة ناقصة منذ سنوات، ولم تصل إلينا الجزء المهم منها لأسباب معلومة وغير معلومة؟ فبعد أن ضرب بالسيف في المحراب، قال الإمام (عليه السلام): “فزت ورب الكعبة، والله لقتلني ملعون ابن امرأة يهودية”.[10] وتدل هذه الروايات على أن والدة ابن ملجم كانت من اليهود، وأن ابنها نشأ تحت تربيتها اليهودية. والمهم في الأمر أن الكثير من المعلومات المتعلقة بوالدة ابن ملجم قد حُذفت من المصادر التاريخية لكي لا يحدث تعارض مع الروايات، ولتبقى الحقيقة بعيدة عن أعين الباحثين عن الحقيقة.

وفيما بعد، عندما أصبحت بغداد في عصر “غاونات بغداد” مركزاً لليهود، وهاجر اليهود من مختلف الأنحاء للاستقرار فيها، علقوا بكل فخر حدوة الخيل التي داست بها أجساد شهداء كربلاء في يوم عاشوراء على أبواب منازلهم. وقد أثبتت هذه النقطة من التاريخ أيضاً دور اليهود في تاريخ الأئمة (عليهم السلام)، حيث أعلن اليهود بفخر من خلال هذه الحركة أن آباءهم هم الذين داسوا على أجساد شهداء كربلاء. وبعدما ذهب اليهود إلى إسبانيا وشبه جزيرة أيبريا، قدموا “حدوة الحصان” كرمز للسعادة والبركة.

دور اليهود في استشهاد الحسنين (عليهما السلام)

إن دور اليهود في تاريخ الأئمة (عليهم السلام) في عصر الحسنين (عليهما السلام) يحمل دلائل أوضح لأولئك الذين يبحثون عن الحقيقة.

دور اليهود في استشهاد الإمام الحسن (عليه السلام)

لقد حذر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل استشهاده من دور اليهود في تاريخ الأئمة (عليهم السلام) ومن سوء نية اليهود تجاه الحسنين (عليهما السلام)، حيث قال (صلى الله عليه وآله وسلم): “إني أخاف مكر اليهود على ابنيّ الحسن والحسين”.[11]

لعب معاوية -بصفته عميلاً لليهود- الدور الأكثر حسماً في صلح الإمام ثم استشهاده. بل إنه استخدم أساليب الحرب الإعلامية اليهودية حتى في إثارة الفتنة وزعزعة صفوف جيش الإمام الحسن (عليه السلام). وفي النهاية، تم اغتياله بالسم على يد زوجته “جعدة” بنت الأشعث بن قيس.

دور اليهود في استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام)

قال الله تعالى في سورة الإسراء: “وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ”. وعندما سُئل الإمام الرضا (عليه السلام) عن هاتين الفتنتين، كشف الغطاء عن دور اليهود في تاريخ الأئمة (عليهم السلام) وقال: إن هاتين الفتنتين كانتا في قتل الإمام علي والإمام الحسين (عليهما السلام). وفي الزيارة المعتبرة للإمام الحسين (عليه السلام) نقرأ: أشهد أن الذين قتلوك ملعونون على لسان داود وعيسى. وقد أخبرنا القرآن الكريم أن طائفة من كفار بني إسرائيل لُعنوا على لسان النبي داود والنبي عيسى،[12] بسبب عصيانهم وتمردهم على أمر الله. وهذا التسلسل يفضي إلى أن جماعةً ملعونة من يهود بني إسرائيل كان لها دور محوري في واقعة عاشوراء.

ويُعدّ نصّ زيارة عاشوراء شاهدًا آخر على دور اليهود في تاريخ الأئمة (عليهم السلام)، إذ نخاطب الله تعالى فيه قائلين: اللهم إن هذا يوم تبرّكت به بنو أمية، وابن آكلة الأكباد… إلى أن نصرّح بأن هذا اليوم عظّمه من لعنتهم أنت ورسولك. وقد بيّن القرآن الكريم في آيات متعددة—تناهز الاثنتي عشرة—من هم الذين شملتهم لعنة الله،[13] وكان من بينهم بنو إسرائيل واليهود، كما كشفت سورة المائدة عن الذين استحقوا لعنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).[14]

كان اليهود على علم بواقعة عاشوراء من خلال كتبهم المقدسة. فقد كانت هناك تنبؤات دقيقة وصريحة عما سيجري في عاشوراء مسجلة في الكتب المقدسة لليهود. أحداث ذُكرت بالتفصيل، ومن ما ذُكر: أن لله ذبحًا عند نهر الفرات، وأن رأسًا سيُفصل عن جسده هناك، وأن حرم خير خلق الله ستُساق من خيامها وتُعرض أمام الفجرة، وأن صدورًا ستُحطم تحت حوافر الخيل. وهذه النصوص نماذج مما ورد في تفاسيرهم وكتبهم.[15]

وإذا ألقينا نظرة على تاريخ واقعة كربلاء وتفحصنا قليلاً في شواهد أحداثها، سنرى أدلة مثيرة للاهتمام أخرى تثبت دور اليهود في تاريخ الأئمة (عليهم السلام)؛ فعلى سبيل المثال، كان لمعاوية مكر وتدبير شيطاني أكثر من ابنه يزيد، ولذلك حذّره قبل موته من الإقدام على قتل الإمام الحسين (عليه السلام)، إذ كان يدرك أن دم الحسين سيُقرب دعوته ويُحيي فكره. غير أن يزيد نشأ متأثرًا ببيئة أمه أكثر من تأثره بتربية أبيه؛ فأمه «ميسون» كانت من بلاد الشام، أبوها نصراني وأمها يهودية، وقد نشأ يزيد في كنفها وكنف أخواله، فكان لهذا الأصل أثرٌ واضح في تكوينه.

ومن ناحية أخرى، كان يزيد يستخدم مستشارين يهوداً في بلاطه.[16] كان اسم مستشار يزيد اليهودي “سرجون”، وهو الذي أقنع يزيد بقتل الإمام. وبعد كربلاء، عندما انتهت المهمة وتحقق الهدف، قال سرجون: “أنا أعتقد أن الإسلام ليس ديناً جيداً، سأعود إلى القدس وأرجع الى دين اليهود مرة أخرى”.

أما في أحداث عاشوراء نواجه شخصية “الشمر”. إن كلمة “شمر” لا تحمل معنى خاصاً باللغة العربية، لأنها كلمة عبرية. وفي اليهودية، يُنقل النسب من الأم، وقد بذل المؤرخون قصارى جهدهم لعدم ذكر أي أثر لوالدة شمر في المصادر، لكي لا يدرك الكثير دور اليهود في تاريخ الأئمة (عليهم السلام). كان شمر الشخص الوحيد في الكوفة الذي كان يضع “الطيلسان”[17] على كتفيه مثل اليهود. [18] وكان اسم والد شمر “شرحبيل” ولقبه “ذي الجوشن” ومن المثير للاهتمام معرفة أن كلمة “شرحبيل” لها جذور عبرية أيضاً.[19]

ومن الشواهد التي تُذكر في دراسة دور اليهود في تاريخ الأئمة (عليهم السلام)، ما ورد في بعض المقاتل: أن جيش بني أمية، عصر يوم عاشوراء، جدّدوا حدوة خيولهم، ثم داسوا بها على أجساد الشهداء، وبعد ذلك اقتلعوا تلك النعال واحتفظوا بها تبركًا. ثم، في عصور لاحقة، حين صارت بغداد مركزًا لليهود في زمن «الجانوئيم»، عُلّقت تلك النعال على أبواب بيوتهم افتخارًا، باعتبارها رمزًا لمشاركة أسلافهم في تلك الجريمة. وبعد هجرة اليهود إلى شبه الجزيرة الإيبيرية، تحوّلت حدوة الحصان إلى رمزٍ للحظ السعيد.

الصلة بين اليهود وبني العباس والفاطميين

لفهمٍ أعمق لـ دور اليهود في تاريخ الأئمة (عليهم السلام)، لا بدّ من التوقّف مليًّا عند العصر العباسي؛ إذ إن القسم الأكبر من العمر الشريف الممتدّ لقرابة مئتين وخمسين عامًا لأئمة الشيعة (عليهم السلام) قد انقضى في ظلّ هذا الحكم، وتحت وطأة رقابته الشديدة واختناقه القاسي. وقد أفضت السياسات ذات التوجّه اليهودي داخل هذه الخلافة إلى رسم واقعٍ أليمٍ عاشه الأئمة (عليهم السلام) في تلك المرحلة.

لقد تباينت الأساليب الاقتصادية لليهود في عصر بني العباس، غير أنّهم—في الجملة—تعرّضوا لموجات متعددة من الصراعات، كان من أبرزها الصراع الاقتصادي.[20] ومع مطلع العصر العباسي، وبالتزامن مع ما سمّاه المؤرخون «الثورة التجارية في القرنين الثامن والتاسع»، شهدت الأنشطة الاقتصادية لليهود تحوّلًا جذريًا، فانفتح بذلك فصلٌ جديد في دور اليهود في تاريخ الأئمة (عليهم السلام). إذ انتقلوا من الحِرَف اليدوية كالزراعة وتربية المواشي إلى ميادين التجارة المحلية والدولية، والصيرفة، وممارسة الربا.

وفي القرن العاشر، بلغت مؤسساتهم المالية والمصرفية درجةً عالية من القوة، حتى غدت تُقرض الحكومات نفسها في مدنٍ كالقاهرة وبغداد، بل نشأت بينهم شراكات تجارية واسعة، الأمر الذي زاد من وضوح وتأثير دور اليهود في تاريخ الأئمة (عليهم السلام). وقد حاز التجار اليهود مكانةً رفيعة في بلاطات الخلفاء العباسيين، وأصبحوا من أبرز الفاعلين في النشاط الاقتصادي.[21] ومن أبرز الداعمين الماليين للخليفة المعتصم بالله العباسي أسرةٌ يهودية تُعرف بـ«توستوري»، اشتهرت بتجارتها في الأحجار الكريمة وثروتها الطائلة.[22]

ولأجل تثبيت أركان حكمهم، كان الخلفاء العباسيون يلجؤون إلى المستشارين والصيارفة من اليهود لتنظيم مواردهم المالية، وترتيب ثرواتهم، وضبط حساباتهم. وفي هذا السياق، تمكّن اليهود من نشر الربا بصورة غير مباشرة بين المسلمين، حتى باتت خزائن الدولة تعتمد—في جانبٍ مهم—على القروض الضخمة التي يقدمها كبار المرابين من اليهود، وهو ما يعمّق فهمنا لـ دور اليهود في تاريخ الأئمة (عليهم السلام).

تأسست مدينة بغداد في هذه الفترة بدعم من اليهود على يد “المنصور الدوانيقي” وتحولت إلى مركز للخلافة العباسية، مما هيأ الظروف أكثر لدور اليهود في تاريخ الأئمة (عليهم السلام). وبعد تأسيس بغداد، هاجر إليها العديد من اليهود. وعلى مر الزمن، تحولت الشبكة التجارية العالمية لليهود، وهي الكيان المؤثر والثري لمنظمة اليهود، إلى عائلات أرستقراطية في بغداد وصرافي دولة الخلفاء العباسيين. شبكة اقتصادية – اجتماعية كانت تربط اليهود في جميع أنحاء العالم ببعضهم البعض من أجل تجارتهم، فمارسوا التصدير والاستيراد في مجالات متعددة، كالرقيق، والمعادن والأحجار النفيسة، والأقمشة، والجلود، وغيرها. وتصدّر هذه الشبكة رجالٌ نافذون مثل: يوسف بن فيناس، وهارون بن عمرام، ونتيرا، الذين استقرّوا في بغداد واكتسبوا نفوذًا واسعًا داخل الحكم العباسي، قبل أن تنضم إليهم طبقات أخرى من الصيارفة والتجار، ليُشكّلوا واحدًا من أعظم المراكز المالية والتجارية في ذلك العصر.

تمتعت منظمة اليهود بدعم خاص من الخلفاء العباسيين، بحيث كانت الخلافات الداخلية وتمرد بعض اليهود المطالبين بالحق مثل “عنان بن داود” ضد قادتهم، يُقمع ويُخمد من قبل الخلفاء العباسيين لصالح رؤساء منظمة اليهود. وكان التفاعل بين منظمة اليهود والعباسيين بالغاً لدرجة أنه كان يتم حتى التحكيم بين المنافسين اليهود بواسطة المأمون العباسي.[23] وفي عهد المعتضد بالله العباسي، كما في عهود غيره من الخلفاء، بلغ النفوذ اليهودي ذروته، إذ تمكّن «نتيرا» وأبناؤه من ترسيخ حضور قوي داخل البلاط، مما شجّع مزيدًا من اليهود على الانتقال إلى بغداد.[24]

وأدى هذا الأمر إلى أن بغداد، حتى وقت هيمنة الأوليغارشية اليهودية الطاغية في إسبانيا، أصبحت المركز الديني والاقتصادي والسياسي ليهود العالم، وأهم مركز ومقر ثقافي وسياسي للعالم اليهودي. وفي تلك الحقبة، كان كثيرٌ من أطباء البلاط، وعلمائه، وشعرائه من اليهود، كما أُنشئت في بغداد ثمانٍ وعشرون كنيسًا لخدمتهم. وقد بلغ التفاعل بين العباسيين واليهود حدًا عميقًا من التبادل والتكامل، حتى إنه بعد أفول الدولة العباسية في بغداد، أخذ المركز الديني والسياسي لليهود ينتقل تدريجيًا إلى شبه الجزيرة الإيبيرية.

نفوذ اليهود في بلاط الخلافة الفاطمية

كان دورُ اليهود في تاريخ الأئمّة (عليهم السلام) يسير على نهجٍ دقيقٍ ودهاءٍ بالغ؛ إذ لم يكونوا يحشدون قواهم في موضعٍ واحد، بل كانوا ينسجون خيوط نفوذهم في أكثر من اتجاه في آنٍ واحد. فبينما كانوا يمضون في تحقيق أهدافهم المحلية والعالمية داخل حكومة بني العباس، تسلّلوا كذلك إلى الخلافة الفاطمية، تلك التي كانت تُعَدّ منافسًا شرسًا للعباسيين. وفي هذا السياق، أدخلت تلك المنظومة رجلًا يهوديًا حديث الإسلام يُدعى «أبو الفرج يعقوب بن كِلِّس» إلى جهاز الخلافة الفاطمية، وأسندت إليه مهمة الإشراف على جمع الضرائب. ولم يكن وجوده هامشيًا، بل أدّى دورًا بارزًا في فتح مصر على يد الفاطميين، حتى غدا من أعمدة الدولة وأركانها.

وبالتوازي مع صعود ابن كِلِّس، برز رجلٌ يهودي آخر يُعرف بـ«موسى بن إليعازر» أو «پالتيئيل»، الذي تسلّل إلى بلاط الخلفاء الفاطميين متخفيًا في هيئة منجّمٍ وطبيب. غير أنّه، في زمنٍ وجيز، تحوّل إلى شخصيةٍ ذات نفوذٍ واسعٍ وقوةٍ ظاهرة. وبفضل صلته الوثيقة بابن كِلِّس، لم يقتصر تأثيره على الشؤون المدنية، بل امتدّ حتى إلى الميدان العسكري. واستمر أثره من بعده، إذ توارث أبناؤه مهنة الطب في خدمة خلفاء الفاطميين جيلاً بعد جيل.

هدف اليهود من السعي لحذف الإمام وتجاهله من قبل الأمة

إنّ أعظم ما يخشاه اليهود هو وعي الإنسان، لأنهم بطبيعتهم يرون غير اليهود كحيواناً مسخراً لهم. فاليهود لا يرون غير اليهود أهلاً للنمو والكمال، فكيف بهم إذا رغب إنسان ما في بلوغ مستوى من الفهم والنضج وطالب بحكم إلهي وإنساني تحت ظل حكومة مربٍّ وقائد متخصص ومعصوم؟ ربما لم يكن أحد سوى اليهود يعرف جيداً أن العمل غير المكتمل من هداية وتربية الناس إلى مقام خلافة الله في الأرض لا يتم إلا على أيدي الخلفاء المعتمدين والمتخصصين والمعصومين من قبل الله ورسوله. كانت هذه المنظمة الشيطانية تدرك تماماً أنه إذا تولى الأئمة المعصومون منصب الخلافة، فإن الناس لن يقعوا أبداً في فخ الشيطان وحزبه الشيطاني. ولهذا السبب، بذلت كل جهودها وأسست حكومات تخرج مسار توجيه وتربية الناس من يد الإمام وتميل بهم نحو الشيطان.

وربما لم تكن هناك جهةٍ أدركت كما أدرك اليهود، أنّ مسيرة الهداية والتربية، التي تهدف إلى إيصال الإنسان إلى مقام الخلافة الإلهية على الأرض، لا تكتمل إلا على يد خلفاء مختارين، مؤيَّدين، معصومين، نصّبهم الله ورسوله. فقد كانت تلك المنظومة الشيطانية على يقينٍ تامّ بأنّه لو تسلّم الأئمّة المعصومون موقع الخلافة، لما انخدع الناس يومًا بمكر الشيطان وحزبه. ومن هنا، سخّروا كلّ طاقاتهم لإقامة أنظمةٍ تصرف زمام توجيه الأمة وتربيتها عن يد الإمام، وتدفعها نحو مسالك الشيطان وانحرافاته

إن ترتيب قطع أحجية إقصاء الإمام المعصوم من المجتمع وتجاهل اليهود له يوضح لنا أن اليهود كانوا يعلمون أنه إذا تشكلت دولة صالحة بقيادة الإمام، فلن تكون هناك قوة أو قدرة تمنع صعود الإنسان نحو الكمال والنمو الإنساني.

في مثل هذه الظروف، يكسد سوق الشيطان وحزبه وتنتهي أعمالهم. إن تشكيل الحكومة والدولة هو نقطة التحول التي تنتهي فيها الأمور بانتصار حزب الله، وقد نزل اليهود إلى الساحة بكل قوة منذ بداية عنادهم وحتى اليوم لمنع تحقيق هذا الهدف. لقد سعوا وراء هذا الهدف قبل ولادة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبعد استشهاده في “السقيفة“، وفي حكم الإمام علي (عليه السلام)، ثم في استشهاد الأئمة (عليهم السلام) واحداً تلو الآخر، ولم تؤدهم قرون من غيبة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) عن هدفهم.

إن دولة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) الكريمة كانت ولا تزال أكبر رعب لليهود؛ لأن اليهود يرون المستقبل لأنفسهم، ويعتقدون أن أحداث آخر الزمان وإقامة الحضارة العالمية الجديدة والسيطرة المطلقة على العالم ملك لهم. حضارة لا تعترف بأي كرامة لأي غير يهودي، والعالم وما فيه لليهود وتحت سيطرتهم؛ في حين أن هذه الأوهام هي نتاج خيالات الشيطان لنفسه ولحزبه، ومنذ بداية خلق الإنسان وحتى ظهور المنجي الموعود، كانوا منهمكين في هذه الأوهام. وقد حذَّر الله في القرآن وعن طريق أوليائه مراراً وتكراراً الجميع من أن في هذه المعركة بين الخير والشر، النصر للصالحين. أولئك الذين رغم كل الآلام والمشقات ثبتوا على هدفهم، ولم يتراجعون عن حزب الله، وبأداء واجباتهم يمهدون الأرض للإمام المتخصص والمعصوم. سيتحقق هذا الهدف قريباً، فالإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وأصحابه الصالحون، بإقامة الدولة الكريمة، سيكملون المهمة غير المكتملة الذي خطاه أهل البيت (عليهم السلام) خطوة بخطوة خلال عمرهم الجهادي البالغ 250 عاماً، وأعدوا هذه الأمانة للإمام الثاني عشر (عجل الله تعالى فرجه الشريف). مسؤولية بحجم هدف خلق الإنسان واتساع التاريخ، مسؤولية التربية الإلهية للإنسان وإيصاله إلى مقام التوحيد الحقيقي وتحويل كل إنسان إلى خليفة لائق ومتناسق مع الله على الأرض.

 

[1] عبده، محمد، شرح نهج البلاغه، قم، دارالذخائر، 1412ق، ج 3، ص 17 و ج 15، ص 233/ المجلسی، محمدباقر، بحارالأنوار، بیروت، دار إحیاء التراث العربی، ج 33، ص 107

[2] مقریزی، تقی الدین، امتاع الاسماع بما للنبی من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع، بیروت، دارالکتب العلمیة، ج 10، ص 6

[3] نهج البلاغه، الخطبه 73

[4] بلاذری، احمد بن یحیی، انساب الأشراف، بیروت، المعهد الأمانی للأبحاث الشرقیة، ج 5، ص 110 و 99 و 98

[5] حمیدالله، محمد، مجموعة الوثائق السیاسیة للعهد النبوی و الخلافة الراشدة، بیروت، دارالنفائس، 1407، ص 353/ ابن حزم، علی بن احمد، جمهرة انساب العرب، بیروت، دارکتب العلمیة، 1418 ق، ص 491/ ابن سعد، محمد بن سعد، الطبقات الکبری، بیروت، دارالکتب العلمیة، 1410، ج 5، ص 48

[6] نصر بن مزاحم، وقعة صفین، قم، مکتبة آیت‌الله مرعشی نجفی، 1404، ص 481

[7] ابن ابی الحدید، عبدالحمید بن هبة الله، شرح نهج البلاغه ابن ابی الحدید، قم، مکتبة آیت الله مرعشی نجفی، ج 2، ص 279

[8] ابوالفرج اصفهانی، علی بن حسین، مقاتل الطالبین، تهران، علی اکبر علمی، ص 47 و 48/ ابن اثیر، علی بن محمد، اسد الغابة فی معرفة الصحابة، بیروت، دارالفکر، ج 13، ص 36/ ابن سعد، محمد بن سعد، الطبقات الکبری، بیروت، دارالکتب العلمیة، 1410، ج 3، ص 36

[9] قطب راوندی، سعید بن هبة الله، الخرائج و الجرائح، قم، مؤسسة الامام المهدی، ج1، ص 181 و 182/ ابن عساکر، علی بن حسن، تاریخ مدینة دمشق، بیروت، دارالفکر، ج 42، ص 554

[10] مجلسی، محمدباقر، بحارالأنوار لجامعة لدرر الأخبار الأئمة الأطهار، بیروت، دار إحیاء التراث العربی، ج 42، ص 281

[11] مجلسی، محمدباقر، بحارالأنوار لجامعة لدرر الأخبار الأئمة الأطهار، بیروت، دار إحیاء التراث العربی، ج 43، ص 313

[12] القرآن الکریم، المائده، 78

[13] البقره:89/ الرعد:25/ البقره:161/ آل عمران:87/ المائده:13و60/ النساء:51،52،47 و 46

[14] القرآن الکریم، المائده، 8

[15] مزامیر داوود، فصل 74، بعد الآية 5/ عهد عتیق، ارمیاء النبی، فصل 46، العبارة العاشرة

[16] جوادی آملی، عبدالله، شکوفایی عقل در پرتو نهضت حسینی، قم، نشر اسراء

[17] الزي الخاص لليهود.

[18] السبکی، علی بن عبدالکافی، فتاوی السبکی، بیروت، دارالجیل، ج 2، ص 403/ ابن عساکر، علی بن حسن، تاریخ مدینة دمشق، بیروت، دارالفکر، ج 2، ص 403

[19] Ser’be’el یا Shra’be’el به معنای «خدا آزاد کن یا خدا رها کن»

[20] ترك بيات، فريبا، الوضع الاقتصادي لليهود خلال مئتي عام من الخلافة العباسية، مجلة الثقافة والبحوث العلمية التخصصية، العدد 33، خريف 2018.

[21] رضواني، محمد صادق، دور المسلمين في نقل الحضارة الإسلامية إلى أوروبا، قم: المركز الدولي للترجمة والنشر بجامعة المصطفى العالمية، 2015م.

[22] أسدي، محمد رضا؛ طاهري آكردي، محمد حسين، الأسلوب الدفاعي للإسلام في مواجهة الهجمات الاقتصادية لأهل الكتاب، مجلة معرفة الأديان، السنة السابعة، العدد الرابع، خريف 2018م.

[23] شهبازي، عبد الله، الرأسماليون من اليهود والفرس: الاستعمار البريطاني وإيران. طهران، مؤسسة الدراسات والبحوث السياسية، الطبعة الثانية، الجزء الأول، 2011–2018م.

[24]   نفس المصدر

المشارکة

مقالات مماثلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *