[rank_math_breadcrumb]

إيران و نظام الهيمنة في معركة آخر الزمان: اختبار توحيدي نحو الحضارة الإسلامية الحديثة

إيران و نظام الهيمنة في معركة آخر الزمان: اختبار توحيدي نحو الحضارة الإسلامية الحديثة

هل تُعدّ مواجهة إيران ونظام الهيمنة في رمضان 1447 حربًا عالمية ثالثة؟

لطالما كان العالم ساحةً لصراعٍ ممتدّ بين قطبين متضادين: الحق والباطل. واليوم، تقف الأمة الإسلامية في إيران مرةً أخرى على أعتاب فجرٍ جديد، تواجه اختبارًا عظيمًا يحمل في طيّاته تحدياتٍ مصيرية. إن المواجهة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والقوى المستكبرة، وعلى رأسها أمريكا وإسرائيل المغتصِبة، في شهر رمضان المبارك لعام 1447هـ، ليست مجرد نزاعٍ سياسي أو عسكري، بل هي تجلٍّ عميق لذلك الصراع التاريخي بين الخير والشر، في بُعده الحضاري الشامل. هذه الملحمة الكبرى في آخر الزمان، تُعدّ محكًّا واختبارًا إلهيًا، يكون فيه إدراك حقيقة هذا الصراع، وفهم جوهر شرّ الأعداء _ أي معرفة ” الأشياء كما هي[1] _ أمرًا حيويًا، ليس فقط لاختيار الطريق الصحيح، بل أيضًا لصون الهوية والسير في النهج الإلهي حتى ظهور مُنقذ البشرية. إن نتيجة هذا الاختبار ستحدّد موقعنا في النظام العالمي الجديد، كما سترسم ملامح مستقبل الحضارة الإسلامية الحديثة. تسعى هذه المقالة، من خلال فهم أعمق لهذا الصراع بين الخير والشر، إلى تبيين أهمية هذا الامتحان الإلهي الكبير لإيران وللعالم بأسره.

هل كانت المواجهة المباشرة مع جبهة الاستكبار معركةً متوقَّعة، أم كان بالإمكان تجنّبها؟

قال الله تعالى في كتابه الكريم: «الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا»[2]؛ إذا كان للتاريخ الحقيقي للإنسان، ولتاريخ الأنبياء، مسارٌ حيٌّ ومستمر، فإن الحروب والصراعات المباشرة تصبح أمرًا لا محاله. فعندما تشعر قوى الشر بأنها تقترب من مرحلتها الأخيرة، وتدنو من الانهيار، تبدأ هذه المواجهة المباشرة. ومن هنا، صرّح الإمام الخميني (رضوان الله عليه)، المؤسس العظيم للثورة الإسلامية الإيرانية، بأن الطريق الذي بدأناه هو صراع دائم؛ لم يبدأ في عام 1963، ولم ينتهِ بانتصار الثورة في فبراير 1979. وعليه، فإن الثورة الإسلامية تمثّل المرحلة الأخيرة من تاريخ الصراع بين الحق والباطل، وبين الفقر والغنى، وبين الإيمان والانحطاط الأخلاقي. كما أشار الشهيد سمير القنطار، أحد أبرز الخبراء في شؤون الصهيونية، الذي حُكم عليه بمئات السنين في سجون الاحتلال، ثم أُفرج عنه في صفقة تبادل قبل أن يُستشهد لاحقًا، إلى حقيقتين مهمتين:

  • الأولى: أن الكيان الصهيوني _ خلافًا لما تصوّره وسائل الإعلام _ كيان هشٌّ وضعيف، وما يُعرض من قوته وتماسكه ليس إلا بناءً إعلاميًا لا يعكس واقعًا داخليًا حقيقيًا.
  • الثانية: أن هذا الكيان، حين يرى نفسه على شفا الانهيار، سيُقدم على خوض حربٍ مباشرة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وإن هذا التنبؤ يبيّن بوضوح موقع الجمهورية الإسلامية باعتبارها سدًّا صلبًا في مواجهة القوى الشريرة.

ومن زاوية أخرى، يمكن القول إنه كان بإمكاننا أن نكون خارج هذا المسار التاريخي، كما هو حال كثير من الشعوب. فعندما كان سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) في صحراء كربلاء، كان هناك مؤمنون يؤدّون الطواف، ويُصلّون، ويذكرون الله، ويتلون القرآن. لقد كان عدد الحاضرين في واقعة كربلاء قليلًا، بينما كانت الغالبية خارج هذا الحدث التاريخي. إن تاريخ كربلاء هو التاريخ الحقيقي لمسيرة الإنسان نحو تحقيق الغاية من خلقه، بينما تستمر خارج هذه الجغرافيا حياةٌ أشبه بالحياة الحيوانية في المدن والقرى. وفي مئات الدول، بما فيها عشرات الدول الإسلامية، يعيش الناس حياتهم، يصومون، ويقرؤون القرآن، ويقيمون صلاة الليل؛ ومع ذلك، فقد اختارت الجمهورية الإسلامية الإيرانية مسارًا مختلفًا، فوضعت نفسها في صلب «تاريخ كربلاء». وقد تزامن بدء هذه المواجهة مع استشهاد الإمام الخامنئي (رضوان الله تعالى عليه)، حيث أدخلنا الإمام الشهيد إلى «كربلاء» الحاضرة، وكأنه يخاطب المؤمنين القائمين بالصيام وتلاوة القرآن: إن التاريخ هنا!

يحسب كثير من الناس أن الأهم هو الانتصار في الحرب لتحقيق الأمن داخل البلاد، غير أن الحقيقة التي لا ينبغي إغفالها هي أن يحسمها إلا من يطلبون الحقّ بصدق، ويتطلعون إلى الشهادة، ويسعون إلى زوال الكفر والصهيونية. ومن الضروري أن ندرك أننا إذا سعينا إلى إنهاء الحرب بأي وسيلة، فإننا سنخرج من هذا المسار التاريخي، وسيتوقف التاريخ الذي ينبغي أن يفضي إلى الظهور.

ولا ينبغي أن ننسى أننا بحاجة إلى مواقف كربلائية متجددة كي نبقى أحياء؛ فواقعة كربلاء تُبعث في تاريخنا لتُحيي النفوس من جديد، وتعيد الإنسان إلى طريقه الحقيقي. وحتى لو انتهت الحرب، فإن ما يبقى هو حضورنا في ساحة الصراع الأبدي بين الحق والباطل.

التوحيد؛ ساحة تجلّي الإيمان والاضطرار في معركة آخرالزمان

على الرغم من أنّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية تواجه حربًا مركّبة وشاملة، فإن المحور الأساس لفهم هذا الصراع بين الحق والباطل يتمثّل في مفهوم «التوحيد». فهذه الرؤية التوحيدية هي التي تمنعنا من ااتكاء محض على أسباب مادية، وتُرجِع كل قدرةٍ وتأثيرٍ إلى الله تعالى القادر.

إن القوى المادية والعسكرية للولايات المتحدة وإسرائيل، رغم ما تبدو عليه من هيمنةٍ عظيمة في الظاهر، تظلّ في مواجهة الإرادة الإلهية والسنن الحاكمة للكون قوى نسبية غير ثابتة. وعليه، فإن الاختبار التوحيدي هو في حقيقته مقياسٌ لمدى اعتماد الإنسان على الله، وإيمانه بنصره في هذه المعركة في آخرالزمان.

واليوم، يخضع الشعب الإيراني لهذا الامتحان: هل سيضعف أمام العظمة الظاهرية للعدو ويقع في الوهن والانفعال، أم يجعل من الاعتماد على القدرة الإلهية اللامتناهية أساسًا لصموده؟ إننا نؤمن بأن قوتنا لا تكمن في السلاح وحده، بل في الاتكاء على الإرادة الإلهية. وكما ورد في القرآن الكريم: «وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ»[3] أي إن الفعل الحقيقي ليس من الإنسان، بل من الله تعالى. وهذا يعني أنه حتى في خضم هذه المعركة، وعند استخدام أدوات متقدمة كالصواريخ، فإن العامل الحقيقي المؤثّر هو إرادة الله، ولا ينبغي لنا أن نعتمد على قدراتنا المادية فحسب، بل علينا أن نوقن بأن الله وحده هو المؤثر الحقيقي في هذا العالم، وأن صواريخنا ليست إلا وسائل بيد الإرادة الإلهية للدفاع عن «الحق» و«الحقيقة». وعليه، فإن قوتنا الحقيقية تكمن في «الإيمان» و«التوكّل» على الله. هذا الاعتقاد يمثّل المحرّك الأساس لفهم الموقع الحقيقي للقوى، وتحديد مسار حركتنا في طريق الحق.

وفي الجهة المقابلة من هذا الصراع، يقع أعداؤنا _ الولايات المتحدة وإسرائيل _ في أسر منطق “الاستدراج“، وهو من السنن الإلهية التي ورد ذكرها مرارًا في القرآن الكريم. فهؤلاء الذين يظنون أنفسهم أصحاب القوة المطلقة، ويرون العالم محصورًا ضمن حساباتهم المادية وأسلحتهم، إنما يغرقون في مستنقع الغرور والجهل.

وقد وصف الله تعالى حال هذه القوى بقوله: «وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ»[4] أي إن الذين كذّبوا بآيات الله يُؤخَذون تدريجيًا من حيث لا يشعرون، ويُمهَلون، غير أن تدبير الله محكم وقوي. وهذا «الاستدراج» يتمثّل في الإمهال الظاهري وزيادة القدرة المادية، ليزداد الطغاة غفلةً في ذروة نشوتهم، فيُمهِّدوا بذلك لسقوطهم المحتوم. فالولايات المتحدة وإسرائيل، باعتمادهما على قوتهما العسكرية والاقتصادية والإعلامية، تظنّان أنهما تهيمنان على العالم، غير أن هذا التزايد في القوة ليس دليلًا على رضا الله، بل هو في ذاته أداةٌ للعقاب والانحدار النهائي، حتى تغلب مشيئة الله تدبيرهم ومكرهم، كما قال تعالى: «وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ»[5] أي إنهم يدبّرون ويكيدون، ولكن تدبير الله هو الغالب والأحكم.

إن هذه السنّة الإلهية، أي «سقوط المستكبرين»، قد تكرّرت عبر تاريخ الحضارات. فكل قوةٍ قامت على الظلم والاستكبار وإنكار الحق وتجاهل الإرادة الإلهية، مهما بلغت من التفوق العسكري والاقتصادي، فإنها تحمل في داخلها عوامل الضعف والانهيار. كما قال تعالى: «فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ»[6] أي اتركهم في غفلتهم وغرورهم إلى حينٍ معلوم.

إن ما نشهده في هذا الصراع ليس مجرد مواجهة بين قوى عسكرية وإعلامية، بل هو صراع بين رؤيتين للعالم: رؤية توحيدية ترى أن مصدر القوة هو الله، وأخرى مادية تعتقد أنها مصدر القوة، فتقع في فخ الاستدراج. غير أن العاقبة، وفق الوعد الإلهي، محسومة: «إِنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ»[7] فالأرض في نهاية المطاف تكون لعباد الله الصالحين، ويبقى الحق، بينما يزول الباطل.

فإذا غابت هذه الرؤية التوحيدية، ماذا يحدث؟

إن فقدان هذه الرؤية يجعلنا أمام الأحداث القاسية والظروف الصعبة _ ولا سيما فقدان القادة الأحبة وكبارهم _ عرضةً للانفعال واليأس والانكسار. غير أنه ينبغي إدراك أن العدو، في إطار الحرب المركّبة، وبعد إخفاقه في ميادين متعددة كالمجال العسكري وفرض قيود اقتصادية، يعمد إلى تصعيد مستوى التوتر، ويدخل في سيناريو زعزعة استقرار سياسي، من خلال اغتيال المسؤولين والقادة، في محاولةٍ لإضعاف الروح المعنوية للمجتمع وتقليل مستوى التماسك الوطني.

ومع ذلك، يجب التذكير بأن استشهاد الأحبة، وإن كان خسارةً فادحة لا يمكن جبرها، إلا أنه إذا اعتبرنا أن النظام الإسلامي قائم على الأفراد، فإن أخبار استشهاد كل واحدٍ منهم ستغلب علينا مشاعر اليأس. كما يقول القرآن الكريم: «وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ»[8] أما إذا نظرنا إلى المسألة من زاويةٍ أخرى، ورأينا أن حياة النظام الإسلامي قائمة على المبادئ والأهداف، فإن أخبار الشهادة لا تزيدنا إلا إيمانًا بالغاية والطريق. كما جاء في القرآن الكريم: «الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ»[9]

وقد أثبتت تجربة الثورة الإسلامية صحة هذا المعنى؛ إذ رأينا أنه مع عروج الإمامين (الخميني والخامنئي) واستشهاد قادة الثورة واحدًا تلو الآخر، لم يتزعزع النظام الإسلامي، بل إن إيران خطت مع كل عروجٍ ملكوتي خطوةً نحو مزيد من القوة والاقتدار.

في هذا المسار، لا تُعدّ الشهادة نهاية، بل هي ذروة النضج وبلوغ الكمال. وهذه سنّة إلهية، مفادها أنه إذا سُلبت نعمة _ وفقًا لمصالح الناس ومقتضيات الزمان _ فإن الله يأتي بخيرٍ منها أو بمثلها.[10] إن هذه العقيدة التوحيدية وحدها هي التي تثبّتنا في أيام الشدّة والمعارك، وتبعد عنا الانكسار والانفعال؛ لأننا نوقن بأن يد التقدير الإلهي حاضرة دائمًا، وأن إرادته هي الغالبة على كل إرادة.[11]

الثبات ثمرة شجرة التوحيد

عند هذه المرحلة، فإن الأمة التي تتكئ على التوحيد الخالص لا تكتفي بالصمود فحسب، بل تفتح لنفسها أبواب «خزائن التوحيد»، وهذا يعني بلوغ طاقاتٍ إلهية لا متناهية، واستمداد العون الغيبي، والتغلّب على الباطل بأقل اعتمادٍ على أسباب مادية. والنتيجة النهائية هي تحقق الوعد الإلهي الذي أُشير إليه في سورة القصص، الآية (5): «وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ» غير أن هذا الوعد الإلهي مشروط بتحقق وراثة الأرض، وهو ما يستلزم تحقق وعدٍ آخر يتمثل في «إماتة الطاغوت». وهذه الإماتة لا تتحقق بأدوات عسكرية وحدها، بل من خلال الصمود و«المقاومة» في وجه منطق الطاغوت، والحفاظ على الهوية الدينية والثقافية، والثبات أمام ضغوط نفسية واقتصادية. كما أن أئمة الدين وأهل البيت (عليهم السلام) لطالما بشّروا بمستقبلٍ مشرق للمؤمنين الساعين في طريق الحق، غير أن هذه البشارة مشروطة بـ«الصبر والثبات».

نصرة دين الله؛ امتداد مسيرة الأنصار والمهاجرين

إن عصرنا الراهن، في عمقه المعنوي، يحمل تشابهاتٍ لافتة مع عصر صدر الإسلام؛ ذلك العصر الذي رسّخ فيه النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) دعائم الإيمان بين المهاجرين والأنصار. فقد ضحّى المهاجرون، بتركهم ديارهم وأموالهم، بأنفسهم وأموالهم في سبيل نصرة النبي، بينما تقاسم الأنصار ممتلكاتهم معهم بروحٍ مفعمة بالسخاء. ولم تكن عظمتهم في كثرة أموالهم، بل في نصرتهم للحق وإعانتهم له وقد بيّن الله تعالى وعده بالنصرة في قوله: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ»[12] كما قال في موضعٍ آخر: «وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ»[13] وتكشف هذه الآيات عن حقيقةٍ مفادها أن نصر الله وهدايته مشروطان بالنصرة والثبات والوفاء. فالذين يسيرون في طريق الحق هم، في زمانهم، بمنزلة أنصار ذلك العهد.

واليوم، نحن أيضًا نمتدّ في هذا المسار نفسه؛ فنصرة دين الله في عصرنا تعني نصرة الثورة الإسلامية، تلك الثورة التي تمثّل التجلي الواضح لدين الله، وامتداد طريق الأنبياء نحو ظهور مُنقذ البشرية (عجل الله تعالى فرجه الشريف).

هذه النصرة تتحقق اليوم من خلال الحضور الواعي في الميدان، والالتزام بتوجيهات القائد المرشد والقادة العسکریین في كل ساحةٍ تقتضيها المسؤولية. ولنتذكّر أن الصلاة والصيام إذا فاتا فلهما قضاء، أما الجهاد في سبيل الله فلا قضاء له؛ فإذا فاتنا اليوم، فلن تكون هناك فرصة للعودة.

التوكّل؛ سبيل العبور من استنزاف في ميدان الحرب

إن الابتلاءات الإلهية دائمة، ونحن على الدوام في محضر ربّ العالمين. ومع ذلك، فإن في ميدان القتال لحظاتٍ تشبه «ليلة القدر»، حيث تصنع اختياراتنا قدرنا ومقدارنا. تستمر الحرب، وتأتي أيام تشتدّ فيها المصاعب، وتبرز فيها الشدائد بشكلٍ أوضح؛ فتتسرّب مخاوف وشكوك إلى النفوس، ويبدأ إرهاق الحرب بالتسلل تدريجيًا. إن استشهاد أعزّائنا، وما نتحمّله عمومًا من آلام، يراكم في ذاكرتنا مشاهد ليست سهلة. وقد لا تتحقق بعض الانتصارات التي كنا ننتظرها، وقد تقع بعض الإخفاقات التي لم تكن في الحسبان. فنجد أنفسنا أمام الشكوك واستنزاف الحرب.

في مثل هذه اللحظات، يكون التوكّل، والالتفات إلى حقيقته الباطنية، هو الدواء الشافي؛ إذ إن المؤمن، حتى في أوقات اليسر، قائمٌ على الاعتماد على الحق. وقد جسّد لنا القائد الشهيد، مفهوم التوكّل في شخصية الإمام الخميني (رضوان الله تعالى عليه)، وشاهد هذا المعنى في ظاهره وباطنه؛ حتى قال في إحدى كلماته عنه: «لم يكن [الإمام الخميني] ييأس أبدًا. لقد وقعت في السنوات الأولى من الثورة أحداث جسام؛ هذه الشهادات، الشهادات الجماعية، والحوادث المتنوعة، لكنها لم تؤثر في قلب الإمام مطلقًا بحيث تورثه اليأس… لقد كان متوكّلًا بحق؛ كان يؤمن بوعد الله ويثق به. “وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ”[14]، وكان مصداقًا حقيقيًا لهذه الآية.[15]

بل حتى حين جاء بعض القلقين إلى جماران (حسینیة في أحد أحياء طهران)، مذعورين، وأخبروا الإمام (رضوان الله عليه) بسقوط خرمشهر قائلين: «سيدي، لقد سقطت خرمشهر!» _ وكان الإمام يستعد للصلاة _ أجابهم: «هذا شأنُ الحرب!» ثم انشغل بإقامة الصلاة. إن من يمتلك مثل هذه الرؤية التوحيدية يكون هو المنتصر الحقيقي في جميع الميادين؛ وهكذا فإن الأمة المتوكّلة لا سبيل لليأس إليها. فالأمة التي تتوكّل على الله ترى أن الأمر كله بيده، وأنه غنيٌّ عن خلقه؛ ومن ثمّ ينحصر همّها في أن تلتحق بهذا الركب، وأن تؤدي تكليفها على الوجه الصحيح.

إن الأمة المتوكّلة تنظر إلى جميع أفعالها وأفعال أعدائها ضمن منظومة التدبير الإلهي، فلا ترى في الأحداث شرًّا مطلقًا. وحين نوقن بأن أمر الله يبلغ غايته بإرادته، فإن همّنا الوحيد يصبح ألّا نتخلّف عن قافلة الأمر الإلهي، وألّا نتأخر أو نُقصى عنها. فنحن نجاهد لا لأن أمر الله بحاجةٍ إلى من يحقّقه، بل لئلّا نكون نحن المتخلّفين أو المقصّرين؛ إذ إن «إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ».[16]

 أيام القَدْر للأمّة

لكلّ أمّةٍ أيامُ قدرٍ خاصّة بها؛ وهذه الأيام تختلف عن ليالي القدر المتكررة في شهر رمضان من كل عام، والتي يُقال إنها تُحدِّد مقادير السنة المقبلة. فأيام القدر للأمم هي التي تُعيّن مقدارها وقيمتها، وتفصّل ثوب مصيرها وفق هذا المقدار، فتحدّد _ على سبيل المثال _ عزّتها أو ذلّتها، وتُقدِّر لها الطريق والقيادة التي تستحقها.

إن قصص الأنبياء وتاريخ الإسلام زاخران بالأحداث التي تُظهر كيف اختارت الأمم، في لحظات القدر الحاسمة، إمّا العزّة والرفعة، أو الوقوع في قيود العبودية والضياع. فعندما عاد النبي موسى (عليه السلام) من ميقات ربّه، وجد أنّه لم يثبت على الإيمان إلا هارون واللاويّون (وهم إحدى القبائل الاثنتي عشرة لبني إسرائيل) وجماعة قليلة من سائر العشائر. وتذكر التوراة أنه أمر النبي المؤمنين من بني إسرائيل بالجهاد ضدّ المنكرين منهم، أي أولئك الذين أصرّوا على عبادة العجل. وبعد انقضاء الفتنة، غفر الله لبني إسرائيل، وأعلن أن اللاويّين وحدهم يُسمح لهم بالإقامة في المعبد وأداء شعائر القربان، لأنهم خرجوا من هذا الامتحان مرفوعي الرأس. غير أن بني إسرائيل خالفوا نبيّهم في المرحلة الأخيرة، حين حان وقت دخول الأرض الموعودة، ؛ فكان جزاؤهم أن جعلهم الله تائهين في الأرض.

وفي تاريخ الإسلام أيضًا مرّت أيامُ قَدرٍ حدّدت ملامح الأمة وقادتها؛ فالذين توانوا عن نصرة الإمام علي والإمام الحسن (عليهما السلام)، خضعوا زمنًا طويلًا تحت نير يزيد وأمثاله. واليوم، تقف أمامنا مرةً أخرى أيام قدرٍ جديدة، ومن اللافت أنّها تتزامن مع ليالي القدر في شهر رمضان. لقد كان حضور الناس ويقظتهم في بداية الحرب، بقدر جهاد المقاتلين، عاملًا مقدّسًا ومؤثّرًا. ونحن على أعتاب حدثٍ عظيم، حيث يولد مصيرنا في لحظةٍ فاصلة. فنرى المؤمنون يهتفون في الشوارع، بينما المنافقون يزحفون في الخفاء. وليس هناك وقتٌ أسوأ من هذه الليالي لاستسلام الخوف؛ لأن ما ننسجه في هذه الليالي هو الثوب الذي سنرتديه لسنوات طويلة. وإن إحياء قدرنا هذا العام يتمثّل في اليقظة وسط ظلمات ليالي المدن.

الحروب المفروضة علينا تدفعنا نحو بناء الحضارة

في عالم اليوم، حيثما يظهر أثر الاستكبار العالمي، يكتسب مفهوم الأمن طابعًا «غربيّ المحور». ويتجلّى هذا النهج بوضوح في دولٍ مثل اليابان وكوريا الجنوبية، التي تبدو متقدمة في الظاهر، لكنها في العمق خاضعة لنفوذ القوى الغربية. وهذا هو ما يُسمّى «الأمن المتمحور حول الغرب»، الذي يضحّي بالاستقلال الحقيقي للدول.

وفي مقابل هذا النهج السطحي القائم على التبعية، يبرز توجهٌ أعمق وأكثر أصالة، وهو «الحضارة القائمة على التوحيد». فهذا النهج، الذي تقوم عليه الجمهورية الإسلامية الإيرانية حاليًا على أساس الفقه والأخلاق، يقدّم نموذجًا يجمع بين العقلانية والحرية، ويهدي المجتمع نحو الكمال، أي نحو ظهور منقذ البشرية. وهذه الحضارة التوحيدية تمثّل في حقيقتها تجسيدًا لـ«التاريخ الحقيقي» الذي دعا إليه الإمام الخميني (رضوان الله تعالى عليه)، مؤسس الجمهورية الإسلامية، موجّهًا نداءه إلى المؤمنين وأحرار العالم. فقد أكّد استنادًا إلى مبادئ الثورة الإسلامية والجذور العميقة للحضارة الإسلامية، أن التاريخ الحقيقي لم يكن يومًا خاليًا من السالكين، بل كان منذ بدء الخليقة مصحوبًا بالسنن الإلهية وسيرة الأنبياء (عليهم السلام).

ومن خلال إعادة الاعتبار إلى المعنى الحقيقي للتاريخ، علّم الإمام العالَمَ كيف يكون السير في هذا الطريق الأصيل؛ طريقٍ يبلغ ذروته مع ظهور منقذ البشرية (عجل الله تعالى فرجه الشريف). وقد أظهرت أيام الله في الثورة الإسلامية صمود الرجال، وأثبتت أنهم أهلٌ لقيادةٍ كقيادة الإمام الخميني، فنالوا العطاء الإلهي في الثورة والحرب، ودفنوا خوفهم من النظام الملكي وهجوم صدام المدعوم من قوى عالمية تحت قوس نصر الإيمان. لقد كان هذا الصمود تجلّيًا عمليًا للتوحيد، وبشارةً بقيام حضارة جديدة تتكامل فيها عناصر العلم والروحانية والعدالة، لتُمهّد لظهور المنقذ الموعود.

إن الشعب الإيراني الأبيّ يدرك أن هذه الأيام هي لحظات حاسمة في تحديد مصير هذا التاريخ المجيد؛ ذلك الشعب الذي _ على حدّ تعبير قائده الشهيد _ ينهض مبعوثين كلما تعرّض وطنه للخطر وسيسجّل تاريخ حكم الصالحين مقاومة الأمة الإسلامية في إيران في هذه المرحلة بوصفها نقطة انطلاق لنزول الإمدادات الغيبية. والآن، هو زمن إثبات الوفاء بالعهد الإلهي؛ زمنٌ نصبح فيه، بالصبر المستمدّ من هذا التاريخ الأصيل، ورثة الأرض الحقيقيين، إن شاء الله.

“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ”[17]

 

[1]” رُوِيَ أن رسول الله (ص) كان يكثر من قراءة هذا الدعاء: “اللهم أرني الأشياء كما هي

[2] سورة الحج، الآية 40

[3] سورة الأنفال، الآية 17

[4] سورة الأعراف، الآيتان 182-183

[5] سورة آل عمران، الآية 54

[6] سورة المؤمنون، الآية 54

[7] سورة الأنبياء، الآية 105

[8] سورة آل عمران، الآية 144

[9] سورة آل عمران، الآية 173

[10] “مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا  أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” (سورة البقرة، الآية 106 )

[11] “وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ  وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ  إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ  قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا” (سورة الطلاق، الآية 3 )

[12] سورة محمد، الآية 7

[13] سورة العنكبوت، الآية 69

[14] سورة الطلاق، الآية 3

[15] بيانات الإمام الشهيد بتاريخ 4 يونيو 2022

[16] “وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ  وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ  قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا.” ( سورة الطلاق، الآية 3)

[17] سورة آل عمران، الآية 200

المشارکة

مقالات مماثلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *