نظرة على الحياة السياسية الإمام الهادي (عليه السلام) والإعداد لعصر الغيبة
علي بن محمد (عليه السلام)، المعروف بالإمام علي النقي أو الإمام الهادي، هو ابن الإمام الجواد (عليه السلام) وهو الإمام العاشر عند الشيعة الإمامية. وُلد الإمام الهادي(عليه السلام) في 15 ذي الحجة في صريا،[1] ووالدته هي سمانة المغربية.[2]
تولى الإمام عليه السلام الإمامة في سن الثامنة،[3] واستمرت إمامته حوالي ثلاث وثلاثين سنة.[4] لم يؤد توليه الإمامة في صغره إلى أي شك أو تردد لدى الشيعة، وذلك بفضل ما قام به الإمام الجواد(عليه السلام) من عمل جبار في ترسيخ فكرة إمكانية تولي الطفل للإمامة.
كان الإمام الهادي(عليه السلام) معاصراً لخلفاء بني العباس منهم المأمون، والمعتصم، والواثق، والمتوكل، والمنتصر، والمستعين، والمعتز، وربما المعتمد. وكان المتوكل العباسي عدواً للشيعة ومن النواصب[5] وکان يضطهد الإمام الهادي(عليه السلام) بشدة لأسباب عديدة، وقد تجاوز في إيذاء الإمام عن غيره من الخلفاء، خوفاً من نفوذ أئمة الشيعة.[6] يروى أيضا أنه أمر بتخريب مرقد الإمام الحسين (عليه السلام) وتضييق الخناق على زواره.[7]
کان للإمام الهادي(عليه السلام) مکانة رفيعة في قلوب الناس وحظي بمودة عظيمة بينهم، مما أثار قلق المتوكل. فقد بلغت محبة الناس للإمام إلى درجة أنه لم يجرؤ المتوكل على تبعيد الإمام، رغم جرأته وقلة أدبه. ولذا، فقد تدثر المتوكل بعباءة الكذب، مدعياً الشوق إلى علي بن محمد(عليه السلام) ورغبته في رؤيته، ثم أمر بنقله من المدينة إلى سامراء.[8] في سنة مائتين ثلاث وثلاثين، استدعاه المتوكل العباسي إلى سامراء وهو في الثانية والعشرين من عمره.[9] ولدى وصوله، أمر المتوكل بإيوائه في دار للفقراء، ثم خصص له بعد ذلك مخدعاً ضيقاً في منطقة عسكرية محروسة تسمى العسكر، حيث أقام الإمام فيها حتى استشهاده.[10]
عاش الإمام أربعًا وأربعين سنة، ثم استشهد مسمومًا على يد المعتز العباسي،[11] أو کما یعتقد بعض كبار العلماء كابن شهر آشوب وابن بابويه، أنه علیه السلام قد استشهد على يد المعتمد العباسي.[12]
في ظل الحصار المشدد الذي فرض على الإمام الهادي عليه السلام في العسكر، قلّت الصِلات بينه وبين الشيعة، مما أدى إلى استمرار الحاجة لتعزيز نظام الوكالة السري للشيعة والتي أسسها أهل البيت(عليهم السلام) منذ سنوات. استمر الإمام الهادي(عليه السلام) خلال فترة إمامته في قيادة الناس وتربيتهم بأسلوب تشكيلي سري، إلى جانب مواجهة الفتن التي أثارتها الغلاة والواقفية، ورفع مستوى وعي الشيعة بمقام الإمام والإمامة.
أعظم إنجازين حققهما الإمام الهادي(عليه السلام) خلال فترة إمامته
كان على الإمام الهادي عليه السلام أن يعدَّ شيعة أهل بيته لعصر الغيبة من جوانب شتى. ومن أهم ما قام به هو تغيير فهم الناس لمقام الإمامة ورفع مستوى إدراكهم لدور الإمام. كما عمل جاهداً على مواجهة الفرق الضالة التي کانت تسعى إلى إضلال الناس وإخراجهم عن صراط الاستقامة.
مواجهة فتنة الفرق الضالة
لطالما وقف الباطل شامخاً حيثما كان الحق و أتباعه، وهذا هو من سنن الكون وقضائه أن يتاح للإنسان دوما خيار بين الحق والباطل ليتخذ قراره بحرية تامة. في عصر جمیع الأئمة المعصومين عليهم السلام، تكوّنت فرق مختلفة حولهم، مما أحدث الكثير من المشاكل والاضطرابات.
كانت الغالية أو الغلاة، أداة في يد الحكام لافتراءات باطلة، إذ نسبوا إلى الأئمة عليهم السلام صفات الألوهية والإلهية. ولم تكن الغالية مؤمنة حقًا بأهل البيت (عليهم السلام) ولا ملتزمة بأحكام الدين، بل كانوا يسعون إلى تشويه صورة الإمامة من خلال مزج الحق بالباطل. ورغم وجود هذه الفرقة منذ زمن بعيد، إلا أنها ازدادت نشاطًا في عصر الإمام الهادي عليه السلام، مما استدعى منه مواجهة حازمة وقاسية معهم، بل وحتى وصل الأمر إلى إصدار أوامر بقتل بعضهم.[13]
بعد استشهاد الإمام الكاظم(عليه السلام)، برزت فرقة الواقفية كشوكة في خاصرة الشيعة، لأسباب دنيئة كالبخل والحسد والشبهة. فکانت بذرتهم الشبهة و تغذوا على الأهواء، حتى لم يؤمنوا بإمامة الإمام الرضا عليه السلام وتوقفوا عند إمامة الإمام الكاظم(عليه السلام) بحجة أنه هو المهدي المنتظر الذي سیظهر يوما ما. هذا الاعتقاد الزائف شقّ صف الشيعة، وأحدث فتنة عظيمة ولكن الإمام الهادي(عليه السلام)، بحكمته وحسن تدبيره، سارع إلى إطفاء نار الفتنة، وواجه أتباع هذه الفرقة بالحجة والدليل القاطع، کما أظهر لهم بعض الكرامات الإلهية، وتعامل معهم بلطف وحكمة. بفضل هذه الجهود، استطاع الإمام الهادي(عليه السلام) أن يرجع الكثير من هؤلاء الضالين إلى جادة الحق والولاء.[14]
ارتقاء مستوى فهم الشيعة لمقام الإمام
إذا تتبعنا التاريخ، وجدنا أن هيبة واحترام الناس للإئمة الأواخر(عليهم السلام) كانت أكبر بكثير من هيبتهم واحترامهم للإئمة السابقين(عليهم السلام). لقد كان مقام الإمام مجهولاً لدى كثير من الناس في بداية عصر الإمامة، مما أدى إلى تعرضهم للإهانات والظلم. أما في عهد الأئمة الأواخر(عليهم السلام) فقد تغير الحال تماماً، ولم يعد الأمر كما كان من قبل. كان للإمام الهادي(عليه السلام) دور بالغ الأهمية في إيصال هذا المعنى إلى الناس ولقد تحمل الكثير من المصاعب ليتحدث بصراحة ووضوح عن مقام الإمامة، وعن الحقوق التي سلبت من أمير المؤمنين(عليه السلام) وأهل البيت(عليهم السلام) في سقيفة بني ساعدة، وذلك رغم وجود العباسيين وسلطتهم القوية.
ذكرنا أن المتوكل كان يحمل كراهية شديدة تجاه الإمام علي(عليه السلام)، وكان يبذل قصارى جهده لنشر هذه العداوة. وفي ظل هذه الظروف الصعبة، قرر الإمام الهادي(عليه السلام) أن يبدأ بإصلاح جذري، وأن يدافع عن أمير المؤمنين(عليه السلام) في حقوقه المغتصبة. وقد اتبع الإمام الهادي(عليه السلام) منهجًا جديدًا، فبدلاً من أن ينقل الأحاديث والأقوال النبوية عن طريق أحد أفراد آل البيت (عليهم السلام)، كما كان يفعله الأئمة السابقون، بدأ ينقلها بصفته إمامًا للمسلمين. قد يبدو هذا الأمر بسيطًا، إلا أنه یعتبر ثورة حقيقية في بنية الشيعة، کنتيجة لجهود طويلة بذلها جميع أهل البيت (عليهم السلام).
يُلقَّب الإمام الهادي(عليه السلام) بخطيب الشيعة. قد يتساءل البعض: إذا كانت ثمانون بالمئة من أحاديث أهل البيت(عليهم السلام) قد رواها الإمام الصادق(عليه السلام)، فلماذا يُطلق لقب الخطيب على الإمام الهادي علیه السلام؟ تكمن الإجابة في أن الإمام الهادي(عليه السلام) قد قام بتوضيح وتفسير تلك الأحاديث، وأبرزها للناس بطريقة فريدة، مما جعله رمزاً للخطابة والبلاغة في صفوف الشيعة. وقد تمكن عليه السلام من خلال زيارتي الجامعه الكبيرة والغديرية، اللتين تُعدان من روائعه، أن يتعمق في تفسير الإمامة والتشيع. تعتبر هاتان الزيارتان بمثابة دستورين واضحين يشرحان أن السبيل الوحيد للوصول إلى الله ومعرفة التوحيد الحقيقي هو معرفة الإمام واتباعه.
نظام الوكالة في عصر الإمام الهادي(عليه السلام)
كلما اقتربنا من عصر الغيبة للإمام الثاني عشر(عجل الله تعالى فرجه الشريف)، زادت الحاجة إلى تعزيز نظام الوكالة عند الشيعة. وبما أنّ عصري هذين الإمامين كانا الأقرب إلى عصر الغيبة، ولم یسمح الحصار والمراقبة الشديدة لهما بالتواصل بحرية مع الشيعة، تعتبر هذه الفترة ذروة قوة هذه المنظمة السرية ونشاطها فقد استمر نظام الوكالة على نفس النهج الذي اتبعه الأئمة السابقون.
يمكن القول إن الإمام علي(عليه السلام) وضع حجر الأساس لهذه المنظمة، والتي شهدت ازدهاراً كبيراً في عهد الإمامين الصادقين(عليهما السلام). بعد ذلك، ساهم الإمام الكاظم(عليه السلام) في تعزيزها، إلا أنها واجهت بعض التحديات والانحرافات بعد استشهاده و بفضل حكمة الإمام الرضا(عليه السلام) تم تطهيرها من هذه التحديات. ثم تولى الإمام الجواد(عليه السلام) مهمة إحيائها وتنظيم شؤونها، لتصل إلى أيدي الإمامين العسكريين(عليهما السلام) صحیحة سالمة .
بنية نظام الوكالة
إن نظام الوكالة یتکون من شبكة سریة متكاملة ومترابطة من الولاة والممثلين الخواص. في عهد الإمام الهادي(عليه السلام) شهد هذا النظام تطوراً ملحوظاً لمنظمة الوكالة الشيعية، وهو کالتالی:
- قائد المنظمة
يمكن تشبيه هذه المنظمة بهرم متكامل يتوّجه الإمام في قمته بوصفه القائد الأعلى. فهو المسؤول عن اختيار الولاة وتحديد مهامهم، ومتابعة أدائهم، وتقديم الدعم اللازم لهم، وحماية المنظمة من أي تهديدات خارجية.
- مدير تنفيذي للمنظمة(الباب)
كلما ابتعدنا عن قمة الهرم، توزعت المسؤوليات وتعددت الأدوار، وكان وكلاء الإمام الذين هم نخبة من المخلصين، يشكلون العمود الفقري لهذه الشبكة السریة. خلال هذه الفترة، تم تقسيم وكلاء الإمام داخل المنظمة إلى طبقات وظيفية محددة، وكان منصب “الباب” أو “وكيل الوكلاء يشغل مرتبةً إدارية عليا في بنية المنظمة، مباشرةً تحت أمر الإمام. وقد تم تفويض عثمان بن سعيد العمري بهذا المنصب الهام في عهد الإمام الهادي(عليه السلام) وقد اتخذ من مهنة تجارة الزيت ستاراً لإخفاء نشاطاته التنظيمية. تتلخص مهام “الباب” في إدارة الشؤون الداخلية للشبكة، وتقييم أداء الوكلاء، والتحكم في الموارد المالية، والاتصال بين الإمام والوكلاء الآخرين.
- نائب مدير تنفيذي
عُيّن علي بن جعفر الهُمَاني وفارس بن حاتم القزويني مساعدين لعثمان لتسيير الأمور. وقد أدى وجود هذين المساعدين إلى توزيع المهام الإدارية وتقليل الضغط الحکومي الواقع علیهم.
- وكلاء كبار
كان لكل منطقة من المناطق وكيلاً أعلى يشرف على عمل الوکلاء الآخرين فیها، وقد ربط بين هؤلاء الكبار سلسلة من الاتصالات المتبادلة.
- وكلاء عامون أو محليون
كان هؤلاء الوكلاء، يعملون بتقية وتحت إشراف الوكيل الكبير في منطقتهم حاملين أمانات الناس وفرائضهم المالية، يسلمونها إلى الوكيل الأعلى في منطقتهم.
- وكيل خادم
كانوا مهتمین بخدمة الإمام بشكل مباشر وكانوا يتولون أموره الشخصية.
- وكيل متنقل
بعض الوكلاء كان ينصبون من قبل الأئمة(عليهم السلام) كوكلاء متنقلين بين مقر إقامة قائد المنظمة والوكلاء المحليين، ويتبادلون الأخبار والأموال بين الإمام والوكلاء.
- وكلاء مبلّغون
کان یتم إرسال بعض الأصحاب الذين كانوا يتمتعون بعلوم واسعة ومعرفة عميقة معنویة إلى مناطق مختلفة كممثلين ومبلّغين للمذهب الشيعي ونشر معارف أهل البيت(عليهم السلام) ومن أبرز هؤلاء كان عبدالعظيم الحسني، الذي كان وکیلا مبلغا في منطقة الري.
استعرضنا في هذا البحث، ملامح عصر الإمام الهادي(عليه السلام)، وتحدثنا عن جهود الإمام الجبارة في إحياء وإصلاح المنظمة الوكالية السرية. لقد سارت سيرة الأئمة الأحد عشر الأوائل(علیهم السلام) في خط مستمر ومتصل نحو تهيئة ظروف لإقامة دولة الحق بید الإمام المهدي(عجل الله فرجه الشريف)، وكان الإمام الهادي(عليه السلام) العمود الفقري لهذا المشروع حیث أنّه قد بيّن للشيعة ضرورة الانخراط في الحركة التنظيمية من خلال نظام الوكالة، کسبيل وحيد للاتباع الحقيقي للإمام.
[1] . قرية بالقرب من المدينة المنورة بناها الإمام الكاظم(ع)
[2] . مفيد، محمد بن محمد، الإرشاد في معرفة حجج الله علی العباد، قم: مؤسسة آل البيت، ١٤١٣هـ، ج ٥٠، ص ٢٩٧.
[3] . الإربلي، علي بن عيسى، كشف الغمة في معرفة الأئمة، تبريز، بني هاشمي، ١٣٨١، ج٣، ص١٦٩.
[4] . نفس المصدر
[5] . الناصبي: كل من يظهر العداء للإمام علي وذريته (عليهم السلام) وإنكار فضائل الأئمة وسبهم من خصائص هذه الطائفة.
[6] . الطبرسي، الفضل بن الحسن، إعلام الورى بأعلام الهدی، قم، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، ١٤١٧هـ، ص٤٣٨
[7] . الأصفهاني، أبو الفرج، مقاتل الطالبيين، أحمد صقر، قم: المدرسة الحيدرية، ١٤٢٣هـ، ص٤٧٨
[8] . المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد في معرفة حجج الله علی العباد، قم: مؤسسة آل البيت، ١٤١٣هـ، ج ٥٠، ص ٣٣٣
[9] . أحمد بن أبي يعقوب، تاريخ اليعقوبي، محمد إبراهيم الآيتي، طهران: المولى، ١٤٠٢، ج ٢، ص ٤٨٤
[10] . ابن الجوزي، يوسف بن الغزولي، تذكرة الخواص، قم، الشريف الرضي، ١٤٦٢هـ، ج٢، ص٤٩٢
[11] . الإربلي، علي بن عيسى، كشف الغمة في معرفة الأئمة، تبريز، بني هاشمي، ١٣٨١، ج ٢، ص ٣٧٥
[12] . ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب، قم، العلامة، ١٣٧٩هـ، ج٤، ص٤٠١
[13] . كاشي، محمد بن عمر، أختر الرجال المعروف برجال الكاشي، محمد بن حسن الطوسي، مشهد: مطبعة جامعة مشهد، ١٤٠٩، الطبعة الأولى، ص ٥١٧
[14] . الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري، أبو القاسم بايندة، طهران: اساطير، ٢٠١٤، ج٩، ص١٨٥