دراسة دور الإمام الجواد(عليه السلام) في بناء الحضارة الإلهية
الإمام محمد بن علي بن موسى(عليهم السلام) هو الإمام التاسع عند الشيعة الاثني عشرية. لقبه تقي وجواد، ووُلد في العاشر من شهر رجب.[1] كانت والدته الكريمة جاريةً غیر عربیة من إفريقيا، وهذا الأمر شكّل تحديات كبيرة في مسير إمامته.2[2] من أبرز النقاط في إمامة الإمام الجواد(عليه السلام) أنه تولى الإمامة في سن مبكر جدًا، حوالي السابعة من عمره، واستمرت إمامته حوالي سبعة عشر عامًا.[3]
کانت بدأت مصائب إمامة الإمام الجواد(عليه السلام) قبل ولادته، حيث تعرض والده الإمام الرضا(عليه السلام) لحملة تشكيك واسعة من مقربيه،[4] الذين كانوا ينكرون إمامته ما دام لم ينجب ولداً.[5] ولأن أم الإمام الجواد(عليه السلام) كانت امرأة افریقیة سوداء، فلم يكن هناك تشابه كبير بينه وبين والده في ملامحه، مما جعل البعض يشككون في نسبه وبالتالي ينكرون إمامته.[6]
بدأ الإمام الجواد(عليه السلام) إمامته في فترة شهدت شكوكًا واسعة في صفوف الشيعة حول إمامته وإمامة أبيه. لم يكن من السهل على الكثيرين قبول فكرة إمامة طفل، حيث تطلب الأمر مستوى عالٍ من الفهم والتأمل، ولذلك فشل العديد من الشيوخ المعروفين والفقهاء في اجتياز هذا الاختبار، ولم يستطيعوا قبول إمامة طفل.
رغم كل هذه الصعاب، تمکن الإمام الجواد(عليه السلام) من الإسهام بشكل فعال في الحفاظ على تراث الأئمة السابقين وتطويره. وکأنّه(عليه السلام) قد دفع ثمن تولي الإمام المهدي (عج) الإمامة فی الطفولة قبل سنوات من إمامته(عج)؛ وذلك من خلال معاناته من الأوجاع والمحن والمواجهات والجحود والتهم الجارحة.
واجه الإمام علیه السلام في حیاته عقبات شتى، منها ظهور البدع والانحرافات، كفرقة الواقفية والغالية، وغيرها من الفرق الضالة التي سنتناولها بالتفصيل في هذا البحث. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل امتد إلى حياته الخاصة، حيث أنه قبل الزواج من أم فضل، ابنة المأمون بالإكراه، مما عرّضه للمخاطر حتى في منزله.
ومع ذلك، تمكن الإمام من إحياء شبكة الوكالة السرية، ومواجهة مختلف الفرق الضالة، وإبراز وجهه العلمي الفرید المشرق. وفي النهاية، استشهد في الخامس من ذي الحجة[7] عن عمرٍ يناهز 25 عاماً،[8] بأمر من المعتصم العباسي[9].
إمامة الإمام الجواد(عليه السلام) في الطفولة
لم تكن الأمة في عصر الإمام الجواد(عليه السلام)، مستعدة لاستيعاب فكرة إمامة طفل في السابعة من عمره.[10] فقد عجز الناس عن إدراك أن الإمام المعصوم سواء كان في السابعة أو في السبعمائة، لا يختلف الأمر عنده. وفي ظل هذه الظروف التي شهدت فيها شيعته تشتتاً وتفرقاً، وأصبح الإمام منسيًا مهملاً، كان لازماً على العلماء الربانيين والفقهاء الأتقياء أن يتصدروا الساحة للدفاع عن إمام عصرهم.
يرتبط مفهوم الإمام والمؤمن برابطة وثيقة لا تنفصم في المذهب الشيعي. وقد أثبتت تجربة الأئمة الثمانية الذين سبقوا الإمام الجواد(عليه السلام) على مدى عقود طويلة أن الشيعة إذا لم يدافعوا عن إمام عصرهم بكل ما أوتوا من قوة، فإنه لا يُحرم من الخلافة فحسب، بل يُسلب حتى أبسط حقوقه.
لما للصحابة الأوفیاء من دور بارز في نصرة أئمتهم، يبرز اسمي علي بن جعفر وعلي بن مهزيار في الدفاع عن الإمام الجواد(عليه السلام)، فقد كان لهما أثر بالغ في ذلك. وكان بعضهم کعلي بن جعفر، وعلي بن مهزيار الأهوازي يتمتعون بشهرة واسعة وقوة مؤثرة مما يمكنهم من ادعاء الإمامة، إلا أنهم فضلوا أن يكونوا أنصارًا لإمام زمانهم، ولم يسمحوا للمنافقين الطامعين بإبعاد الإمام عن دوره في هداية المجتمع.
قد صمم الله تعالى مشروع الإمامة کبازل يسهل تجميع قطعها المتتابعة. فقد أظهر الإمام الجواد(عليه السلام) في فترة إمامته من العلم والتدبير ما جعله يتألق في المناظرات والمجالات العلمية، حتى أصبح مرجعًا علميًا كبيرًا للفقهاء والعلماء الشيوخ. إنّه قدم صورة تنظيمية وتخصصية رائعة لدرجة أنه لدينا اليوم موسوعة علمية متخصصة تستند إلى علمه. وقد برز هذا الجانب من إمامته بوضوح لدرجة أنه جعل مسألة بلوغ الإمامة في سن الطفولة مسألة واضحة ومقبولة للجميع. ولذلك، عندما تولى الإمام المهدي(عجل الله تعالى فرجه الشريف) الإمامة، لم يثر ذلك أي لبس أو شك لدى أحد.
جهود الإمام الجواد(عليه السلام) في استمرارية نظام الوكالة عند الشيعة
كان نظام الوكالة حلّ أهل البيت(عليهم السلام) سرّياَ لحماية الشيعة وتقوية بنيانهم. يُطلق على نظام الوكالة شبكة تشبه الهرم حيث كان الإمام على رأسه وممثلوه في جسمه. وكان ممثلو الإمام، الذين يُطلق عليهم الأبواب أو وكلاء الإمام، يستقرون في المناطق الشيعية ويتولون جميع شؤون الإمام تحت إشرافه المباشر.
شملت هذه الشؤون تبادل الرسائل بين الإمام وأتباعه الشيعة، وإدارة الأمور المالية وتحصيل الأموال الشرعية، وتقديم الدروس الدينية والإجابة عن الأسئلة الشرعية، وتوضيح مكانة الإمامة ودور الإمام، وإدارة الفتن وتوعية الناس بفساد الحكام.
خلفية نظام الوكالة عند الشيعة وأهدافه
كان حکام بني أمية وبني العباس يسعون سعيًا حثيثًا للقضاء على مذهب الشيعة وأتباعه، وكانوا یترصدون لأي حركة من آل البيت عليهم السلام لكي يُتموا مؤامرتهم. ولذلك، اتخذ آل البيت حكمة بالغة، فقرروا بدلاً من المواجهة العسكرية المباشرة التي قد تؤدي إلى الهزيمة، أن يقوموا بتأسيس شبكة سرية تعمل على تجهيز أنفسهم ضد الطغاة.
رغم أنه يمكن القول إن بذور نظام الوكالة تم زرعها منذ عصر الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، إلا أن انطلاق العمل الجاد في هذه الشبكة كان في عصر الصادقين(عليهما السلام)، وازداد نشاطها في عصر الإمام الكاظم(عليه السلام). وقد شهدت هذه الشبكة بعد استشهاد الكاظم(عليه السلام) عملية تنقية شديدة بسبب انحراف بعض وكلاءها الخاصين، وتمت تصفيتها من العناصر المنافقة. وقد حارب الإمام الرضا(عليه السلام)، في عصر إمامته المنحرفين المفسدين في نظام الوكالة، حتى سلم التنظيم السري سليماً إلى الإمام الجواد(عليه السلام).[11]
كان كلٌّ من أهل البيت عليهم السلام في عصره يسعى جاهداً للحفاظ على سلامة هذا النظام ونقله بقدرة إلى الإمام التالي، وذلك تمهيداً لظهور الإمام الثاني عشر عجل الله تعالى فرجه الشريف. وكان على الشيعة أن يتعلموا أنه في حال عدم توافر الاتصال بالإمام أو غيابه، فإن عليهم الرجوع إلى وكلائه الموثوق بهم والمقبولين لديه.
دور الإمام الجواد(عليه السلام) في الحفاظ على نظام الوكالة
لقد تم في الحقيقة إحياء وتجديد نظام الوكالة على يد الإمام الجواد(عليه السلام). فقد كان الإمام يعيش في ظروف عصيبة ومليئة بالتحديات في عهد بني العباس، حيث لم يكن آمناً حتى في منزله، وكان التواصل معه صعباً للغاية، مما استدعى الحذر الشديد. وفي ظل هذه الظروف، أصبحت الحاجة ماسة لإعادة إحياء نظام الوكالة السري.
انتشر وكلاء الإمام من الفقهاء الأتقياء والأوفياء في مختلف أنحاء العالم، حيث كانوا حلقة الوصل بين الإمام والشيعة. وكانوا يتنقلون بين الناس بصور شتى كالتاجر والمسافر والرهبان، ليبلغوا الإمام أخبار الشيعة ويستفتوه في أمورهم. وبالإضافة إلى اللقاءات المباشرة، كانت المراسلات الکتابية هي الوسيلة الأساسية للتواصل بين الإمام ووكلائه.[12]
كان یتم انتخاب كل وكيل شخصيًا من قبل الإمام، وكان الوكلاء المنحرفون يواجهون رد فعل حازم وجاد من الإمام. امتد نظام وكلاء الإمام الجواد(عليه السلام) لتشمل مناطق مكة والمدينة ومصر وبغداد والبصرة والكوفة والمغرب والري والأهواز وقم وخراسان وهمدان. ومن أبرز وكلاء الإمام علي بن جعفر وعلي بن مهزيار وعبد الرحمن بن حجاج ومحمد بن سنان وزكريا بن آدم وغيرهم.
رغم عدم تبوّؤ الإمام كرسي التدريس الرسمي، كان يعطي معارفه سرًا لوكلائه الموثوق بهم، الذين كانوا بدورهم ينقلونها عن الإمام إلى الناس. وكان الإمام الجواد عليه السلام مهندس نظام الوكالة، وقد أعده لتسليمه إلى الإمام الهادي عليه السلام.
أزمات في فترة إمامة الإمام الجواد (عليه السلام)
کان عصر الإمام الجواد عليه السلام عصراً متأزمًا مليئًا بالفتن والاضطرابات، حيث انتشرت فيه الفرق الضالة والأهواء المنحرفة. ولقد اضطر الإمام إلى مواجهة هذه التحديات المتعددة ومواجهة الأزمات المتلاحقة وإدارتها بحكمة، ومن أبرز هذه الأزمات:
- الفرقة الزیدیة:
كانت هذه الفرقة تعتبر زيد بن علي، ابن الإمام السجاد (عليه السلام)، خليفةً له. وقد اشتهرت الزيدية بميلها الشديد إلى الثورة والمقاومة ضد الحكام، حيث كانت تسعى جاهدةً للوصول إلى السلطة بيدها. شكلت الزيدية إحدى أبرز التحديات التي واجهها الإمام الجواد(عليه السلام)، حيث كانت تتهم الإمام، زورًا وبهتانًا، بالتعاون مع حكام الجور.
- الفرقة الواقفیة:
بعد استشهاد الإمام الكاظم(عليه السلام)، انحرفت مجموعة من أتباعه المقربين عن منهجه، ورفضوا الاعتراف بإمامة الإمام الرضا(عليه السلام). زعمت الواقفية أن الإمام الكاظم(عليه السلام) هو المهدي المنتظر الذي غاب عن الأنظار وسيظهر قريبًا.
- فرقة أهل الحدیث:
أهل الحديث هم طائفة من المسلمين السنة. كانوا يؤمنون ظاهريًا بالقرآن والسنة فقط، ويرفضون استخدام العقل في الدين. وقد اختلفوا في هذه المسألة مع أهل الرأي.
- فرقة الغلاة:
كانت فرقة الغلاة، المعروفة أيضًا بالغالية، تعمل لسنوات طويلة على تشويه صورة الشيعة بدعم من الحكام. وقد نسب الغلاة إلى أهل البيت(عليهم السلام) الألوهية والإلهية، وبالغوا في تعظيم مكانتهم باعتبارهم “الإنسان الكامل”. ولم يكن الغلاة محبين لأهل البيت في قلوبهم، بل كانوا يتظاهرون بذلك للإضرار بهم. فكانوا مثلاً يشتمون الخلفاء المحبوبين عند أهل السنة باسم الأئمة(عليهم السلام)، ويفتعلون الفتن. تصوروا كيف كانت إمامة الإمام الجواد(عليه السلام) في صغره فرصة ذهبية لهم لنشر غلوهم.
- فتنة الأبواب الکاذبين
ذكرنا أن الأبواب كانت من أهم العناصر وأكثرها حساسية في نظام الوكالة. فلم یکن كل شخص مؤهلاً لأن يكون باباً للإمام، وكان الإمام يختارهم بعناية شديدة. وكانت للأبواب هيبة ومكانة خاصة عند الناس، وكانوا يتحكمون في الأموال الشرعية. وقد أدت هذه الامتيازات إلى طمع البعض في تصدير هذا المنصب، فادعوا أنهم أبواب للإمام الجواد(عليه السلام). وتنافس هؤلاء الزائفون في الكذب والافتراء، وكان كل واحد منهم يلجأ إلى أكاذيب مضحكة لجذب الناس إليه. فعلى سبيل المثال، كان بعضهم يلغي بعض الواجبات الشرعية ويحلل بعض المحرمات مقابل مبلغ من المال.
كانت ظروف عصر الإمام الجواد(عليه السلام)، شأنها شأن عصر الأئمة من قبله، لا تسمح بإقامة الحضارة الإلهية الموعودة. ولكن كان على الأئمة الإحدى عشر الأوائل تهيئة الظروف وإعداد السبل لإقامة هذه الدولة. وكانت جميع ما فعله الإمام الجواد(عليه السلام) في مسار إمامته كأحجار لبناء أسس تلك الحضارة الإلهية التي كان من المفترض أن يقيمها الإمام الثاني عشر(عجل الله تعالى فرجه الشريف). لقد كان الأئمة الإثنا عشر(عليهم السلام) كالمجاهدين والمهندسين الذين عملوا جنبًا إلى جنب لوضع خطط لبناء الحضارة الإسلامية الحديثة، وكافحوا وساروا في الطريق الذي رسمه الله.
[1] . ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل ابي طالب، ج٤، ص٣٧٩
[2] . الكليني، محمد يعقوب، أصول الكافي، ج1، ص492
[3] . المفيد، محمد بن محمد، ج٢، ص٢٧٣
[4] . القزويني، السيد محمد كاظم، الامام الجواد (ع) من الولادة الى الاستشهاد، ص337
[5] . الكليني، محمد بن يعقوب، اصول الكافي، ج1، ص320
[6] . نفس المصدر
[7] . باغستاني، إسماعيل، موسوعة العالم الإسلامي “الإمام الجواد”، المجلد ٢، ص ٢٤١-٢٤٩
[8] . ابن أبي الاعجاز، محمد بن أحمد، مجموع النفيسة في تاريخ الأئمة، قم، مدرسة آية الله المرعشي النجفي (ره)، ١٤٠٦هـ، ص١٣.
[9] . مفيد، محمد بن محمد، الارشاد في معرفة حجج العباد، قم، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، ١٤١٣هـ، ج٢، ص٢٧٣
[10] . ابن شهر اشوب، محمد بن علي، مناقب ال ابي طالب، قم، هاشم رسولي محلاتي، ب ط، ج٤، ص٣٨٣/ النوبختي، ابي محمد الحسن، فرق الشيعة، قم. جامعة الأديان والمذاهب، 1404، ص88.
[11] . الخامنئي، سيد علي، ؛انسان بعمر 250 سنة، قم، معهد الإيمان الجهادي، صهبا، 1400.
[12] . وقائع مؤتمر حياة الإمام الجواد (عليه السلام) وأزمنته، (2016)، قم: رابطة علماء التاريخ حوزة قم العلمية، الطبعة الأولى.