قراءة جديدة لغزوة الأحزاب ومقارنة أسبابها ودروسها مع بدايات حرب رمضان
كثيرٌ منا ينظر إلى التاريخ بوصفه مجرد رواية قصصية مشوقة، أو – في أحسن الأحوال – حكاية للعظة والعبرة، غافلين عن أن نسيج التاريخ ذاته إنما هو تنبيه يقظ يوقظ غفلتنا. والحقيقة أن قول الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) بشأن تكرار التاريخ، يرسم لنا خريطةً استراتيجية مفادها أن كل واقعة متكررة هي بمثابة شفرةٍ تحتاج إلى فكّ رموزها، وأن فهم هذه الشفرات هو السبيل إلى اتخاذ أفضل القرارات في الأزمات الفردية والاجتماعية. إن الدراسة العميقة للتاريخ تمثل نوعًا من “الغش المشروع” في اختبارات الحياة؛ غشًّا يسعى لتجنب السقوط في مهاوي المخاطر. ومع أن عجلة التاريخ لا تتوقف عن الدوران، وأن الاختبارات تتكرر، فإن هذا التكرار لا يعيق اندفاع الزمن والعالم نحو الأمام، بل إن الثبات على الاتعاظ من التاريخ هو الكابح الذي يمنع سقوطنا في طريق هلاك من سبقنا، ويوجهنا إلى سلوك درب سعادة من بلغوا السعادة من قبل.
تُعدّ معركة الأحزاب في صدر الإسلام واحدةً من أبرز المنعطفات في تاريخ الأديان الإلهية، حيث إن أحداثها وتجاربها تتكرر باستمرار لدى الأمم التي تسير على النهج الحقيقي للإسلام. إنها معركة واجه فيها جيش التوحيد – رغم قلّته – مهمة الصمود والمواجهة أمام جيشٍ ضخم متعدد من الأمم والتيارات القائمة على الشرك والنفاق؛ جيشٍ مجهّز بمختلف أنواع المكر والحيل، ومصرّ بعناد على عقيدته الباطلة. وهو مشهدٌ يشبه إلى حدٍّ بعيد “أحزابًا” حديثة تشكّلت في بدايات حرب رمضان.
في السنة الخامسة للهجرة، واجه المسلمون أزمة جديدة تمثلت في هجومٍ متعدد الأطراف، حيث توحدت فيه قبائل العرب كافة بهدف القضاء على الإسلام. وقد أشعل فتيل هذه الحرب يهودٌ خونة، بعدما يئسوا من القضاء على النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بمفردهم. وكان الهدف تنفيذ عملية متزامنة يشترك فيها المنافقون من الداخل والمهاجمون من الخارج لقطع الشريان الحيوي للإسلام. غير أن عناية الله، إلى جانب تدبير المسلمين وإيمانهم، أدّت إلى هزيمة هذا التحالف وانسحابه، رغم أن النصر كان يبدو في ظاهره حتميًا لهم.
وفي مسار التاريخ، واجهت الثورة الإسلامية الإيرانية مرارًا هجمات من “أحزاب” الشرك والنفاق، إلا أنها خاضت شكلًا خاصًا من هذه المواجهة في بدايات حرب رمضان. كانت تجربةً قاسية ومليئة بالدروس، جاءت في سياق صمود هذه الثورة وانتصارها في مواجهة الحرب المفروضة من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل. وقد لجأ اليهود – الذين كثيرًا ما خسروا في صفحات التاريخ – إلى كنف الولايات المتحدة المستكبرة، في محاولة لتشكيل تحالف من القوى المستكبرة بهدف القضاء على جيش التوحيد المتمثل في الثورة الإسلامية. وكان المخطط يقوم على إنهاء هذه الثورة عبر هجوم عسكري خارجي متزامن مع حرب داخلية قائمة على إثارة الفوضى والانقسام. غير أنهم غفلوا عن حقيقة أن جيش التوحيد يستمد قوته وعزته من مصدر إلهي، وأن حياته متصلة بحياة الحقيقة التي لا تنضب.
في هذه المقالة، نستعرض ما جرى في معركة الأحزاب في صدر الإسلام، ونقارن ذلك مع بدايات حرب رمضان. ثم ننتقل إلى تحليلٍ أعمق وأكثر دقة لأسباب هذه المواجهة، ودروسها، وأسرار النصر فيها، وكذلك مؤشرات الخطر التي تنذر بالسقوط والهزيمة.
دور اليهود في إشعال معركة الأحزاب
إن نقض العهود وخيانة اليهود تجاه المسلمين لم يقتصرا على فترة حرب الـ12 يوما بين إيران وإسرائيل، ولا على مرحلة الفتن التي رافقت بدايات حرب رمضان، بل إن لهذا السلوك جذورًا تاريخية يمكن رصد أحد أبرز نماذجها في معركة الأحزاب. فقد كان النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، بعد معركة أُحد في السنة الرابعة للهجرة، قد أدرك خيانة اليهود وسوء نياتهم، فتوجه – بحجة التشاور – إلى موطن بني النضير. استقبله اليهود بترحاب ظاهر، غير أنهم كانوا يضمرون اغتياله. وقد وقعت هذه الخيانة ونقض العهد رغم أنهم كانوا قد أبرموا معه عند هجرته إلى المدينة اتفاقًا ينص على أنهم إن أقدموا على أدنى خيانة أو تهديد بحقه، فإن أموالهم وأنفسهم وأهليهم تكون تحت تصرفه.[1]
وفي نهاية المطاف، تقرر من قبل النبي وكبار المسلمين أن يحمل اليهود جميع أموالهم – باستثناء السلاح – ويغادروا المدينة. وكان من المفترض أن يتجهوا إلى خيبر أو إلى الشام، إلا أنهم سلكوا طريق مكة، وتوجهوا إلى زعماء قريش. وهناك عمد بنو النضير إلى تحريض قريش على الاتحاد ضد المسلمين بهدف القضاء على الإسلام في المدينة. وبمكرهم المعهود، أثار اليهود حماسة قريش لخوض مواجهة جدية مع المسلمين، مدّعين أن المسلمين قد ضعفوا في المدينة وأن الفرصة سانحة لاجتثاثهم. ومن جهة أخرى، وبما أن اليهود كانوا يدركون نقاط ضعف قريش، فقد كانوا على علم بحقدها الناتج عن هزيمة بدر الأولى والإذلال الذي لحق بها في بدر الثانية، كما كانوا يدركون طموحها إلى السيادة والهيمنة. لذلك سعوا إلى طمأنة قادة قريش بشأن حتمية النصر، وأخبروهم بأن مئات المقاتلين من يهود بني قريظة سيساندونهم عند مدخل المدينة، مما أحيا في نفوس قريش شهوة الانتقام والأمل في الغلبة.[2]
وعلى إثر هذا التحريض، قررت قريش أن تتحالف مع يهود بني النضير وبني قينقاع وبني قريظة وسائر قبائل العرب. وقد أفضى هذا التحالف إلى تشكيل قوة هائلة بدت مواجهتها أمرًا مستحيلًا نظرًا لما تمتعت به من عدد وعدة وثروة؛ وهو مشهد يتشابه مع ما وقع في بدايات حرب رمضان.
وقائع معركة الخندق حول مدينة النبی (ص)
أدرك المسلمون طبيعة الاتصالات والتنسيق القائم بين اليهود وقريش، وكان لا بد لهم من اتخاذ تدبير عاجل لمواجهة هذا التهديد الخطير. هذه المرة لم يقتصر العدو على مشركي قريش أو قبيلة يهودية واحدة، بل اتحد جميع المشركين مع مختلف القبائل اليهودية وسائر القبائل العربية بهدف إنهاء وجود الإسلام.
وبحسب نهجه المعتاد، عقد النبي صلى الله عليه وآله وسلّم، مجلسًا حربيًا للتشاور في سبل مواجهة العدو، حيث طُرحت عدة مقترحات. اقترح بعضهم خوض حرب داخل المدينة، إلا أن هذا الرأي رُفض بسبب التفوق العددي الكبير للعدو. عندها قدّم سلمان الفارسي، مستندًا إلى خبرته في حروب الفرس، اقتراحًا بحفر خندق عميق يحيط بالمدينة من جميع الجهات،[3] بهدف إعاقة حركة العدو وتقليل قدرته الهجومية. وبالفعل، قام نحو ثلاثة آلاف من المسلمين بحفر خندق يبلغ طوله حوالي 5.5 كيلومتر، وبعرض وعمق يصلان إلى خمسة أمتار، استعدادًا لمواجهة جيش قوامه نحو عشرة آلاف مقاتل.[4]
تقدّم جيش العدو بسرعة نحو المدينة، إلا أن الخندق الدفاعي شكّل العائق الرئيس أمامه. وبقيت قوات الكفر والنفاق قرابة شهر كامل خلف الخندق، وحاولت مرارًا اجتيازه عبر المبارزات الفردية أو الهجمات المباشرة، لكنها واجهت صعوبات كبيرة. وزادت الظروف المناخية من معاناتهم، إذ وقعت المعركة في فصل الشتاء وفي ظل حالة من القحط في المدينة، مما جعل الوضع أشد قسوة عليهم.[5] فقد أدت الرياح الشديدة والبرد القارس إلى إنهاكهم، كما حولت الأمطار الخندق إلى مستنقع موحل زلق تسبب في وقوع خسائر كبيرة في صفوفهم.
وفي الوقت ذاته، كانت مؤنهم في تناقص مستمر، بينما وقف جنود الإسلام وقادته بثبات مانعين أي اختراق للخندق. وفي ظل هذه الظروف، انهار العدو عمليًا – رغم ما امتلكه من قوة وثروة – أمام إيمان المسلمين وتدبيرهم وصمودهم، وبدأت بوادر اليأس تدب في صفوفه، لتتعالى أصوات الدعوة إلى الانسحاب والعودة إلى مكة. وهو مشهد يذكّر بما حدث عندما مُنيت حرب الـ12 يومًا في صيف عام 2025 بالفشل، واضطرت القوى العظمى الوهمية إلى التراجع، لتبدأ بعدها ملامح حرب رمضان بالتشكل.
وقائع داخل مدينة النبی (صل) زمن الحرب
إن دراسة أحداث معركة الأحزاب تكاد تكون تصويرًا مطابقًا لبدايات حرب رمضان أو لفتنة (أواخر ديسمبر – يناير) لعام 2025. فالعدو، الذي علق خلف الخندق وعجز عن تحمل وطأة الهزيمة الشاملة لجبهة الباطل، قرر أن يطلق آخر سهامه المسمومة نحو قلب الإسلام. فقام عبر عناصره المتسللة داخل المدينة بالتواصل مع الداخل وبدأ عمليات إثارة الفوضى والاضطرابات. وكان هدفهم إشعال فتيل الصراع بين المسلمين واليهود في المدينة، لتهيئة الظروف المناسبة لانتصار القوات المتمركزة خلف الخندق. وقد أقدمت بنو قريظة على تمزيق العهد الذي أبرمته مع النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وبدأت القتال.[6] ووصلت أنباء خيانتهم إلى النبي، فوقف – رغم أن هزيمة الإسلام كانت تبدو وشيكة – بشجاعة وثبات قائلاً: «أيها المسلمون، أبشروا فإن النصر قريب». وكانت خطة بني قريظة تقوم على نهب المدينة وبث الرعب في نفوس النساء والأطفال. كما ورد إلى النبي أن بني قريظة تعتزم إدخال العدو إلى المدينة من جهة حصونها، مما قد يؤدي إلى سقوطها.
ونظرًا لانشغال المقاتلين المسلمين بحراسة الخندق، وخلوّ المدينة من فرسانها، أمر النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) كلاً من زيد بن حارثة ومسلمة بن أسلم على رأس خمسمائة مقاتل، بأن يجوبوا شوارع المدينة مكبرين، بهدف ردع اعتداءات بني قريظة وطمأنة النساء والأطفال.[7] وقد شهدت المدينة حالة من الفوضى العارمة، غير أنها أخذت تستعيد توازنها تدريجيًا بفضل تدابير النبي وبطولات المؤمنين. وكان بعض الناس قد استولى عليهم الخوف، فلجؤوا إلى بيوتهم خشية أن ينتهي أمر الإسلام، إذ كان من المقرر أن تهاجم بنو قريظة من الخلف، بينما تضغط الأحزاب من الأمام، مما يؤدي إلى القضاء على جيش الإسلام. وهذا المشهد تكرر بصورة لافتة في بدايات حرب رمضان في إيران، حيث تصاعدت أعمال الشغب والاضطرابات داخل البلاد بتوجيه من المنافقين والعملاء الداخليين والخارجيين؛ غير أن سفينة الثورة الإسلامية الإيرانية نجت – بعون الله – من عاصفة تلك المرحلة، بفضل دماء قائدها، وصمود الثوريين المؤمنين وبصيرتهم الفريدة واستقامتهم.
مصير الأحزاب والطابور الخامس للعدو
في نهاية المطاف، وضع النبي خطة محكمة، وتمكن بالتعاون مع أصحابه من تفريق الأحزاب وإلحاق الهزيمة بهم. فقد أرسل جواسيس لبث الشكوك بين قريش وبني قريظة، مما أدى إلى زرع عدم الثقة بينهم. أما الأحزاب خارج المدينة، فقد أدركت جيدًا أنها لن تحقق أي نصر دون دعم العناصر المتسللة داخل المدينة وإثارة الانقسام الداخلي بين المسلمين، ولذلك، وبعد شهر من المحاولات والصبر، أقرت بهزيمتها واضطرت إلى الانسحاب؛ وهي نتيجة مشابهة لما أفضت إليه قوة وصمود الثورة الإيرانية في حرب الـ12 يومًا، وفتنة (أواخر ديسمبر – يناير) لعام 2025، وبدايات حرب رمضان. ومع ذلك، فقد وافقت بعض القبائل المشاركة في معركة الخندق على الانفصال عن الأحزاب مقابل الحصول على امتيازات، إلا أن المسلمين رفضوا تقديم أي تنازلات أو دفع الجزية للعدو.[8]
وبعد دفع خطر العدو الخارجي، جاء الدور على القضاء على آخر بؤرة للفساد، وهي حي بني قريظة اليهودي. فقد صدر أمر إلهي للنبي بإنهاء أمر الخونة، فسلم الراية إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) وتوجه نحوهم. ولم يكن بوسع النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يترك بني قريظة دون محاسبة بعد ما حدث، إذ لم يكن مستبعدًا أن يعاودوا التحالف مع العدو ويكرروا خيانة بني النضير. كما أنهم أثبتوا عدم التزامهم بعهودهم، واستعدادهم الدائم للغدر. لقد كانوا العدو الداخلي للمسلمين ومفتاح القضاء على الإسلام، ولذلك كان حسم أمرهم مسألة حيوية. وفي النهاية، وبناءً على طلب بني قريظة وقبيلة الأوس، تقرر أن يُفوَّض الحكم إلى زعيم الأوس؛ سعد بن معاذ، الذي حكم – خلافًا لضغوط قومه – بإعدام الرجال المقاتلين من الخونة، وتقسيم أموالهم، وأسر نسائهم وأطفالهم.[9]
وكان سعد على علاقة جيدة باليهود، وعلى دراية بخياناتهم ونواياهم، وربما كان مطلعًا كذلك على أحكامهم الجزائية في مثل هذه القضايا. فقد ورد في نصوص التوراة أنه إذا حوصرت مدينة وخاضت القتال، فإنه بعد السيطرة عليها يُقتل جميع رجالها، وتؤخذ نساؤها وأموالها غنيمة.[10] وهو الفهم ذاته الذي تبنته الثورة الإسلامية الإيرانية في تعاملها مع مختلف الأزمات والفتن، ومنها فتنة دي (أواخر ديسمبر – يناير) لعام 2025، في إدراكها لطبيعة هذا العدو.
تشابه سلوك اليهود في معركة الأحزاب عام 5 هـ وعام 2025میلادية (1404 هـ شمسية في إيران)
بغَضّ النظر عن أحداث معركة الخندق وبدايات حرب رمضان، يظنّ كثير من الناس أن اليهود مجرد قوم يبحثون عن موطنٍ للاستقرار، وأنهم يؤذون الآخرين فقط من أجل الحصول على مكان للعيش، غير أن الواقع يختلف عن ذلك. فالرؤية الاستراتيجية لليهود تقوم على السيطرة على العالم بأسره وإقامة حكومة يهودية عالمية. وهذا الهدف لا يقتصر على الحاضر أو الماضي القريب، بل هو مشروع ممتد عبر قرون طويلة، وُضعت له خطط عديدة، ونُفذت في سبيله عمليات ظاهرة وخفية لا تُحصى.
ومن السمات البارزة لهذا الكيان أنه غالبًا ما يتخفّى – كالفأر – خلف قوى أخرى، بينما يبقى هو المحرّك الحقيقي للأحداث. وتشهد وقائع التاريخ العالمي على هذا الادعاء، إذ يظهر أن خيطًا من كل حادثة كبرى ومأساوية يكاد ينتهي إليه. فمن جرائم أدولف هتلر، إلى التغلغل في الديانة المسيحية وتحريفها، والسيطرة على الكنائس والدول المختلفة عبر المال والنفوذ، وصولًا إلى الحروب الصليبية، ومئات الجراح التاريخية الأخرى؛ كل ذلك يُعاد ربطه بهذا الفكر، وينبع – بحسب هذا الطرح – من الأيديولوجيا الصهيونية. وعند الرجوع إلى تاريخ الإسلام، تتجلى معاناة واسعة ومتواصلة، خاصة في تاريخ التشيع، يُعزى جزء كبير منها إلى مشاريع اختراق استهدفت البنية الأساسية للحكم الإسلامي، مما أضعف الأمة وأوصلها إلى حالة حرجة، نتيجة غياب القيادة المعصومة المتخصصة.
وقد جرت العادة في المسار التاريخي لهذا الكيان على بذل جهود مكثفة في البداية لتنفيذ مخططاته، لكنه – لافتقاره إلى مقومات القوة الحقيقية واعتماده على المال والنفوذ – كثيرًا ما ينتهي إلى الفشل، فيلجأ إلى القوى الكبرى ليستمد منها الدعم. فقد حاول اليهود مرارًا قبل معركة الأحزاب القضاء على النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنهاء الإسلام، لكنهم لما أدركوا عجزهم، استعانوا بالقوى الكبرى في عصرهم.
وإن المواجهة المعاصرة بين اليهود والثورة الإسلامية الإيرانية تسير – وفق هذا المنظور – على النهج ذاته. فبعد أن تلاشت القوة الظاهرية التي اعتمدوا عليها خلال حرب الـ12 يومًا مع إيران، أدركوا ضرورة الاحتماء بالقوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة وحلفاؤها، مما مهّد لاندلاع فتنة دي (أواخر ديسمبر – يناير) لعام 2025 وحرب رمضان.
وعندما أدركت جبهة الخصوم – الحاملة للفكر الصهيوني – عجزها عن مواجهة القوة العسكرية والإيمانية للقوات الإيرانية، لجأت إلى إشعال الاضطرابات الداخلية، فكانت فتنة “شهر دي(أواخر ديسمبر – يناير)” محاولة لإضعاف الثورة الإسلامية الإيرانية من الداخل. غير أن هذه المحاولة، كسابقاتها خلال أكثر من أربعة عقود، انتهت بالفشل، وخرجت منها الثورة والشعب أكثر صمودًا وثباتًا.
سبب وجود مراحل حرجة وضغوط شديدة في المعارك
إن الصراع بين الفكر التوحيدي المناهض للطغيان – الذي تمثله الثورة الإسلامية – وبين الفكر الصهيوني العالمي، ليس وليد اليوم أو الأمس، بل هو امتداد لصراع الخير والشر منذ بداية خلق الإنسان، بين جبهة التوحيد وجبهة الشيطان، وسيستمر حتى قيام النظام الإلهي العالمي على يد المخلّص المنتظر.
وكل إنسان – شاء أم أبى، علم أم لم يعلم – هو منتمٍ إلى إحدى هاتين الجبهتين، ويتحدد هذا الانتماء من خلال اختياراته، وعلاقاته، ونواياه، وأسلوب حياته.
سنة التمحيص الحتمية (الغربلة)
إن الانتماء إلى جبهة الحق ليس أمرًا يسيرًا، وكلما اقتربنا من ظهور المخلّص، ازداد الثبات في هذه الجبهة صعوبة. فهذه سنة إلهية ثابتة تقضي بضرورة تنقية حزب الله من الشوائب، وتمييز الصادقين من غيرهم. وتعمل سنة “الغربلة” أو التمحيص بوتيرة متسارعة، حيث يتم تطهير الصفوف عبر الابتلاءات والاختبارات.
فكلما اقترب الإنسان من القمة، واقترب النصر، اشتدت الهزّات، وتعاظمت الاختبارات، وازداد الغموض، وتفاقم الإحساس بقرب الهزيمة، وكثرت الشكوك، واشتدت المحن. وهذه جميعها ليست عشوائية، بل هي جزء من تدبير إلهي محكم يهدف إلى كشف حقيقة ما في القلوب.
ومن سنن الله أن يقرّب جبهة الحق – في بعض المواقف – من حافة الهزيمة، ليميز أهل اليقين من أهل الشك. كما حدث حين اجتمعت قوى العداء من الأمام والخلف ضد المسلمين في معركة الأحزاب، أو كما في موقف بني إسرائيل حين لاحقهم جيش فرعون من الخلف، وكان البحر أمامهم. ففي تلك اللحظات، تجري سنة التمحيص الإلهي لتمييز المؤمن الصادق من الشاك والمنافق والمشرك.
إن سنة الغربلة الثابتة هي سنة التساقط والنمو، حيث يتساقط غير الثابتين، ويثبت الصادقون، وذلك تبعًا لأسلوب حياة الأفراد ومعتقداتهم القلبية، وتظهر نتائجها بوضوح في خضم الفتن المتتابعة، صغرت أم كبرت.
اختبار التوحيد لدى الأفراد
عندما تضيق السبل بالإنسان من كل جانب، وينقطع أمله من جميع الجهات، تنكشف حقائق ذاته وتطفو أمراض قلبه إلى السطح، فتظهر على حقيقتها. وفي هذه اللحظة يتجلى ميزان الشرك والتوحيد لدى الإنسان. فالموحِّد، في خضم هذا الضغط، يبلغ حالة من السكينة، ويؤمن يقينًا بأن نصر الله قادم وأن لحظة الخلاص قد اقتربت؛ لأنه قد قطع أمله من نفسه ومن كل ما يرتبط بالعالم المادي من وسائل وأسباب. تمامًا كما حدث عندما رأى المؤمنون في معركة الخندق جيوش العدو الجرارة، فقالوا بإيمان راسخ إن الله ورسوله محمد قد صدقا حين أخبراهم بأن الأعداء سيأتون، فلم يزدهم ذلك إلا إيمانًا.[11]
إن هذه الحالة تشبه سيفًا ذا حدّين؛ يخرج منها المخلصون مرفوعي الرأس، بينما يسقط غير الصادقين من مسار الثبات وينهارون. فمسألة النصر والهزيمة هي قضية توحيدية داخلية بالدرجة الأولى، وليست مجرد مسألة عسكرية أو ميدانية. فكل إنسان، بحسب مدى عنايته بقلبه خلال حياته، وبقدر ما بذله من جهد في إصلاح نفسه ومعالجة أمراضها، ينجح أو يفشل في اختبارات “التمحيص” التي تفرضها الظروف القاسية.
إن الرذائل والأمراض النفسية غير المعالجة تتحول إلى أشبه بأعشاب ضارة تظهر تباعًا في لحظات الشدة، فتلتف حول المجاهد وتعيقه وتُسقطه. كما أن مخاوف غير معالجة، وتعلقات صغيرة وكبيرة لم يُتحرر منها القلب، وانشغالات دنيوية غير مضبوطة، تتحول إلى مظاهر لفقدان التوحيد؛ إذ تهتز معها نفس الإنسان عند رؤية قوة العدو أو إغراء رفاهيته، فينقطع ارتباطه بوليّ الله وينجذب – شيئًا فشيئًا – إلى جبهة الباطل. وهو ما أصاب كثيرين في بدايات حرب رمضان، حيث حُرموا – عند اقترابهم من القمة – من لذة النصر.
أسرار النصر والمفاتيح الشخصية الأساسية لمجاهدي جبهة الحق
إن معركة الأحزاب، وفتنة دي (أواخر ديسمبر – يناير) لعام 2025، وحرب رمضان، ليست الأولى ولا الأخيرة في مسار الصراع الإنساني. فجميع من يتطلعون إلى مقام المعیة مع الإمام، والراغبين في نيل شرف العمل في تمهيد الظهور وإقامة الدولة الإلهية، والساعين إلى السعادة الأبدية، لا بد لهم من معرفة أسرار النجاح في ابتلاءات آخر الزمان، والتعرف على السمات الجوهرية لصنّاع المستقبل. وفيما يلي نتناول أبرز المفاتيح الشخصية لهؤلاء، ومسار الوصول إلى هذه المرتبة، مع التركيز على بدايات حرب رمضان.
العلاقة بين الاستقامة والتقوى في الإنسان
لقد أشرنا إلى أن معيار النصر والهزيمة في الصراع بين جبهة الشرك وجبهة التوحيد لا يقوم على العدد، بل على قوة الإيمان وصلابة النفس. وقد كشف القرآن الكريم هذا السر، حيث بيّن الله في سورة الأنفال[12] أن عشرين من المؤمنين يغلبون مئتين، وأن مئة منهم يغلبون ألفًا من أعدائهم، غير أن هذا النصر مشروط؛ إذ قال تعالى إن ذلك يتحقق إذا صبروا وثبتوا. أي إن شرط هذا التأييد الإلهي يتمثل في صبر المؤمنين واستقامتهم في مواجهة ضغوط الجهاد ومشاقه. كما أوضح الله طريق الوصول إلى هذا النصر في سورة آل عمران، مكمّلًا المعنى، حيث بيّن أن الصبر والتقوى يجلبان مددًا إلهيًا من الملائكة لنصرة المؤمنين[13]ومن هنا، فإن الحلقة المفقودة في تحقيق الاستقامة هي التقوى. فكيف يمكن لإنسان لم يتربَّ على التقوى، ولم يعانِ في مجاهدة نفسه عبر مراحلها، أن يثبت في وجه الشدائد ولا ينحني تحت وطأة البلاء؟ صحيح أن الله وعد باختبار الاستقامة، وأنه يمدّ عباده بالنصر إن نجحوا في الاختبار، إلا أن بلوغ هذه المرتبة يحتاج إلى مقدمات طويلة. فهي ثمرة سنوات من التدريب العملي في ميادين التقوى اليومية، حيث يقف الإنسان عند حدود الله، ويتمرّس على الطاعة والانقياد، حتى تتغلغل صفة الاستقامة في كيانه وتصبح جزءًا من بنائه الداخلي.
وفي مختلف الآيات التي تناولت معارك صدر الإسلام، أشار الله – بأساليب متعددة – إلى أن التقوى هي سر النجاح، بينما تُعدّ الأنانية وغياب التقوى سببًا للسقوط. فإذا انتصر المسلمون في معركة الأحزاب رغم كل المؤشرات التي كانت توحي بانتصار العدو، فإن السبب الحقيقي يكمن في استقامتهم الطويلة القائمة على التقوى.
وليس هذا مقتصرًا على حرب رمضان فحسب، بل إن قادة الثورة الإسلامية الإيرانية، وعلى مدى عقود من المواجهات والتحديات، أكدوا مرارًا أن التقوى هي الأساس، لأن الأمة التي تفتقد التقوى لا يمكن أن تمتلك الاستقامة.
دور الفرد “الكثير” في نصرة الحق وهزيمة الطاغوت
يُطرح هنا تساؤل: كيف يمكن لفردٍ واحدٍ تقيّ أن يعادل ألف شخص؟ وللإجابة عن هذا السؤال، نتأمل في المسار المفهومي لإحدى الآيات القرآنية. فقد وصف الله تعالى في هذه الآية[14] جماعةً من أتباع الأنبياء بعبارة «رِبِّيّون كثيرون»؛ أي أفراد ربانيون كثيرون، مع أننا نعلم أن معظم الأنبياء عاشوا في مسيرتهم الرسالية حالة من الغربة والوحدة. فالمقصود بـ«الكثرة» هنا ليس العدد، بل السعة المعنوية وقوة النفس العالية المؤثرة التي يمتلكها هؤلاء الأفراد.
إن هذه القوة تنشأ في القلب السليم نتيجة معالجة أمراضه، واكتساب الفضائل بدلًا من الرذائل والآفات؛ إذ يتحرر هذا القلب من أسر التعلقات المادية، ويرتبط بمعشوقه الحقيقي، وهو الله تعالى، فيتصل بذلك بمصدر القوة اللامتناهية. ومن هنا، فإن هذا الفرد يصبح «ربانيًا كثيرًا» في جبهة الحق، قادرًا على معادلة جيش كامل من الأعداء، لأن طبيعة قوته ليست مادية، ولا تخضع للحسابات الدنيوية.
وفي معركة الأحزاب، خاض علي بن أبي طالب (عليه السلام) مواجهةً حاسمة مع قائد من قادة العدو يُدعى «عمرو بن عبد ود»، وهو مقاتل شديد البأس، وكانت نتيجة هذا النزال الفردي حاسمة في مصير معركة الخندق؛ إذ كانت معنويات الجيشين مرتبطة بهذين القائدين. وقد دار قتال عنيف، أُصيب فيه الإمام بجراح، لكنه في النهاية تمكّن من القضاء على عمرو. وكان لهذا الانتصار الفردي أثر بالغ في تغيير مسار معركة ضمّت آلاف المقاتلين، تمامًا كما أدهشت بطولة الإمام في معركة أُحد ملائكة السماء.
وقد أثنى النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) على هذه التضحية، فقال: «ضربة علي يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين»، أي إن قيمة هذه الضربة تفوق أعمال الأمة جمعاء، لأنها أسهمت في إذلال جبهة الكفر وعزة أمة الإسلام.
لقد عانى تاريخ الإسلام، ولا سيما تاريخ التشيع، من قلة هذا النوع من «الربانيين الكثيرین»، ولذلك حُرم العالم قرونًا من الارتباط المباشر بالإمام المعصوم. ومع ذلك، لم يخلُ کل عصر من وجود نماذج قليلة من هؤلاء، مثل مالك الأشتر، والمقداد بن عمرو، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، وشهداء كربلاء، وسائر أنصار الأئمة عبر مراحل الإمامة، والعلماء الربانيين، والعارفين الصادقين في عصر الغيبة (عصر الـ 250 سنة لإمامتهم).
أما الثورة الإسلامية الإيرانية، التي تُعدّ تمهيدًا لقيام الدولة العالمية للإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، فقد نهضت بفضل اتساع نفوس هؤلاء الربانيين، وخاضت مواجهة كبرى مع الطاغوت، وأسهمت في إعداد الصالحين لمرحلة آخر الزمان. وكان روح الله الخميني (رحمة الله عليه) نموذجًا بارزًا لهذا «الرباني الكثير»، إذ لم يحتمل حالة الجمود والتقصير، فنهض منفردًا، ومن فيض روحه انطلقت موجة عارمة من الثوريين.
وكذلك الحال اليوم، حيث تُحمل راية القيادة بيد علي خامنئي، الذي يمثل – وفق هذا الطرح – نموذجًا معاصرًا لهذا النمط من الشخصيات، وبفضل سعة روحه وتقوى أتباعه، يتم تجاوز مختلف الفتن، ومنها بدايات حرب رمضان. وكما نزل في أثناء معركة الأحزاب توجيه قرآني يدعو المؤمنين إلى اتخاذ النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) قدوةً لهم،[15] فإن المغزى هو ضرورة الثبات حول وليّ الله وعدم التفرق عنه، لأن في ذلك سبيل النصر والتمكين.
وفي هذا السياق، يجري إعداد جيل واسع من «الربانيين الكثيرین» في ظل هذه القيادة، من مختلف الفئات العمرية: الشيوخ، والشباب، والناشئة، وحتى الأطفال، بهدف كسر شوكة الطغيان، وتمهيد الأرض لظهور المخلّص المنتظر، والعيش في ظل الدولة الإلهية، وتسليم راية الحكم إليه في نهاية المطاف.
[1] . المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، إيران، طهران، نشر وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، 1378 هـ ش، ج 19، ص 110 و111
[2]. الواقدي، محمد بن عمر، المغازي، تحقيق محمود مهدوي دامغاني، إيران، طهران، مركز النشر الجامعي، 1369 هـ ش، ج 2، ص 441
[3]. السبحاني التبريزي، جعفر، فروغ الأبدية، إيران، طهران، مشعر، ص618
[4]. نفسه، ص 619
[5] . الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري، سوريا، دمشق، دار ابن كثير، ج 2، ص 234
[6]. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، إيران، طهران، نشر وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، 1378 هـ ش، ج 2، ص223
[7] . الحلبي، علي بن إبراهيم، السيرة الحلبية، لبنان، بيروت، دار الكتب العلمية، ج 2، ص315
[8] . ابن هشام، عبد الملك، السيرة النبوية، لبنان، بيروت، دار المعرفة، ج 2، ص 223
[9]. نفسه، ص24
[10] . التوراة، سفر التثنية، الفصل20
[11] . القرآن الكريم، سورة الأحزاب، الآية 22
[12]. القرآن الكريم، سورة الأنفال، الآيتان 65 و66
[13] . القرآن الكريم، سورة آل عمران، الآية 125
[14] . القرآن الكريم، سورة آل عمران، الآية146
[15]. القرآن الكريم، سورة الأحزاب، الآية 21