دور الإمام الكاظم عليه السلام في حفظ الشيعة وبناء الحضارة الإلهية

نظرة شاملة إلى حياة الإمام الكاظم عليه السلام السیاسیة ودوره الحضاري

نظرة شاملة إلى حياة الإمام الكاظم عليه السلام السیاسیة ودوره الحضاري

الإمام موسی بن جعفر الصادق عليهما السلام، الملقب بالكاظم، هو سابع أئمة الشيعة الإثني عشر، ولد في السابع من صفر عام 128 هجري قمري في الأبواء[1]. امتدت فترة إمامته الشريفة قرابة خمسة وثلاثين عاماً، وتزامنت مع عصور ازدهار الدولة العباسية في عهد الخلفاء المنصور، والهادي، والمهدي، وهارون الرشيد. وقد واجه الإمام الكاظم عليه السلام تحديات جمة خلال فترة إمامته، وذلك بسبب الصراع مع السلطة العباسية التي كانت تسعى إلى إخماد نور الإمامة.

تدلنا الأخبار المعينة على تكرار حبس الإمام في سجون بني العباس، منها في عهد المهدي العباسي، وأغلبها في سجون هارون الرشيد. وقد نفاه هارون الرشيد إلى البصرة، حيث سُجن هناك لفترة من الزمن، ثم نُفي بعدها إلى بغداد.[2]

رغم أن بعض المقربين كانوا على علم بهوية الإمام القادم، إلا أن الظروف القاسية التي فرضها بني العباس أجبرت الإمام الصادق عليه السلام على التلميح بدلاً من التصريح.[3] هذا الغموض زرع بذور الشك في قلوب الشيعة، فتشعبت آراؤهم وانقسموا إلى فرق متعددة، كالإسماعيلية والناووسية والفطحية، حيث اعتقد البعض بإمامة محمد الديباج. وهكذا، كانت تلك الفترة بداية عصر الانشقاقات الشيعية.

لم يكتفِ كل إمام من أئمة أهل البيت عليهم السلام بمسؤوليته في الحماية وصيانة المذهب الشيعي باعتباره كنزاً عظيماً، بل سعى إلى تطويره وتنميته بما يتناسب مع متطلبات الزمان والمكان، ليوصله سليماً إلى الإمام من بعده. وهكذا، فقد قضى الأئمة الأحد عشر الأطهار قرابة قرنين ونصف في حفظ ورعاية المذهب الشيعي وأتباعه، تمهيداً لظهور الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف. لقد كان جميع الأئمة الأحد عشر رواداً لظهور الإمام المهدي وإمامته وحكومته العادلة.

 

استراتيجيات الإمام الكاظم عليه السلام في مواجهة السلطة العباسية

قبل أن يبدأ الإمام عليه السلام في تنفيذ مهام إمامته، كان عليه أن يختار الأساليب والطرق التي سيتبعها في نضاله. ولذا فقد اختار سياسة “بناء تنظيم متماسك” و”التقيّة” كأسلوبين أساسيين لزعزعة أركان الدولة العباسية وبناء أسس الحضارة الإلهية.

التقیة

كان الخوف من الإمام الكاظم عليه السلام سائداً في نفوس العباسيين، فحاصروه بضغوطٍ خانقة وبقوتهم الجاشمة، وكانوا يتربصون بأي زلة أو ثورة منه ليقضوا عليه. فما كان من الإمام إلا أن صبر واحتاط، حفاظًا على دماء الشيعة، وممهدًا السبيل لأئمة المستقبل ليكملوا مسيرة بناء الحضارة الإلهية. تبنى الإمام الكاظم عليه السلام استراتيجية “التقية” كأفضل خيار في عصره، وحث أتباعه على اتباعها. التقية لا تعتبر تراجعاً عن الأهداف أو توقفاً عن العمل، ولا هي تخلي عن المبادئ، بل هي حكمة في تنفيذ الأهداف حفاظًا عليها وعلى من ينفذونها، واستمرارًا في العمل لتحقيقها بطريقة سرية وبمهارة تكتيكية. فلم تكن ضعفًا أو تقهقرًا، بل كانت مفتاحًا ودرعًا لبقاء المذهب في تلك الظروف الصعبة. كانت التقية هي السبيل الأمثل للإمام لكي يحافظ على المذهب الشيعي ويطوره. وقد استطاع الإمام بفضل هذه الحكمة أن يدير الأمور ببراعة، متفاديًا المخاطر التي كانت تهدد المذهب. وليس معنى تقية الإمام الكاظم عليه السلام، أنه كان ضعيفًا أو خائفًا، بل إنه قد واجه الحكام بصلابة، وكشف زيف ادعاءاتهم. فقد فضح زيف ادعاء بني عباس بنسبهم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)[4]، وطالب بحقوق آل البيت التي سُلبت منهم. لقد كانت تقية الإمام الكاظم عليه السلام تكتيكًا ذكيًا لمواجهة الظلم.

نظام الوكلاء

يشير “نظام الوكلاء أو الشبكة التنظیمیّة، إلى مجموعة تتكون من الإمام المعصوم وجمع من أخلص وأنقى وأوفى أصحابه وأتباعه. تشكل هذه المجموعة بقيادة الإمام وتنسيق منتظم فيما بينها منظومة متكاملة. وكلٌ من أعضاء هذه المنظمة مكلف بمهام متنوعة في مناطق مختلفة؛ مثل التبليغ وتوضيح مفهوم الإمامة، وإدارة الشؤون المالية، وجمع وإدارة الأموال الشرعية للناس وتسليمها إلى الإمام، وتدريس أصول الدين ومبادئه للناس، والإجابة على الأسئلة الشرعية والأخلاقية، وتوعية الناس بظلم الحكام، وإرشادهم للخلاص من الفتن، وتبادل الرسائل بين الإمام والناس. وبما أنّ التواصل المباشر مع الإمام لم يكن آمناً، كان الناس يتواصلون مع الممثل الخاص في كل منطقة.

في الحقيقة يعود تاريخ تأسيس نظام الوكلاء الذي أرساه أهل البيت عليهم السلام إلى عهد الإمام علي عليه السلام، غير أنّه قد اتّسع نطاقه ثم تطور وتوسع على مر العصور متأثرا بمختلف الظروف وشهد تطوراً ملحوظاً في عهد الإمامين الصادقين عليهما السلام، حيث اكتسب قوة ونفوذًا لم يُعرف من قبل، مقارنة بعهد الإمام السجاد عليه السلام. واصل الإمام الكاظم عليه السلام مسيرة آبائه في بناء وتطوير نظام الوكلاء، مع التركيز على تعزيز أواصر التواصل مع الشيعة وتوسيع نطاق تأثيرها. فقد قام الإمام بتعيين وكلائه في مختلف الأنحاء، ومن أبرز ما كان يميز نظام وكلاء الإمام الكاظم عليه السلام أنه تمكن من التغلغل في بلاط الخلافة العباسية. فقد أصبح علي بن يقطين، وهو من أبرز تلامذة الإمام، وزيرًا لهارون الرشيد بترتيب من الإمام، وذلك لحماية أرواح الشيعة وأموالهم، وتعزيز مكانتهم المادية والاجتماعية، والحصول على الأخبار السرية للحكومة، والوقاية من مكائد بني العباس. وقد عمل علي بن يقطين كجندي مخلص لخدمة الإمام وطاعة أوامره في بلاط هارون، وكان عموداً قوياً للإمام والشيعة. كما تم إرسال وكلاء وممثلو الإمام الآخرون إلى مدن أخرى، وكلفهم الإمام بمختلف المهام في تلك المدن.

كان هؤلاء الوكلاء يتواصلون مع الإمام بشكل مباشر في المواقف الآمنة وغير الخطرة عند الضرورة. وعندما تكون الظروف حساسة، كان الوكلاء يتواصلون مع الإمام عن طريق الرسائل والحاملين للحصول على التوجيهات. وكان من بين وكلاء الإمام، “مفضل بن عمر جعفي، وعبد الرحمن بن حجاج، وعبد الله بن جندب، ويونس بن يعقوب”. ولكن للأسف، انحرف بعضهم عن الطريق الذي كان الإمام قد رسمه لهم  بعد استشهاده وتسببوا في الكثير من المشاكل للإمام الرضا عليه السلام. بفضل هذا النظام الواسع من الوكلاء، تمكن الإمام الكاظم عليه السلام من إنقاذ المذهب الشيعي من الهلاك، وعمل كبستاني حريص على تقليم وتقوية شجرة الشيعة.

 

نضالات الإمام الكاظم (ع) في فترة إمامته

لقد حقق الإمام الكاظم عليه السلام أهدافًا متعددة في آن واحد خلال فترة إمامته. فقد أقام عدة مراكز علمية واقتصادية، ودعم الحركات التحررية، وقاوم الفرق المنحرفة.

تشكيل قاعدة ثقافية وعلمية للمقاومة

استطاع الإمام الكاظم علیه السلام أن يحول المدينة إلى مركز علمي وثقافي متميز، مستفيدًا من الإرث الذي تركه الأئمة السابقون. وعلى الرغم من التحديات التي واجهها، فقد تمكن من تخريج عدد كبير من العلماء في شتى المجالات كالتفسير والفقه والکلام الإسلامي و غيرها، وقد ذكر الطوسي في كتاب “الرجال” أن عدد هؤلاء التلاميذ بلغ 270 تلميذًا،[5] بينما ذهب القرشي إلى أن عددهم 321 تلميذًا.[6] هذه الأعداد لا تشير إلا إلى النخبة من طلابه فحسب. ومن أبرز تلاميذه محمد بن أبي عمير، ويونس بن عبد الرحمن، وصفوان بن يحيى، وعلي بن جعفر.

بناء قاعدة اقتصادية للمقاومة

كان هارون الرشيد من أغنى خلفاء بني العباس، وكانت ثروته غير مسبوقة في التاريخ. والعجيب أنه لم يكن بخيلاً أو شحيحاً، بل كان جواداً كريماً. وبما أن الإمام كان يختار في كل عصر أسلوب مقاومته بما يتناسب مع ظروف ذلك الزمان، فقد قرر الإمام الكاظم عليه السلام خوض معركة اقتصادية. فقد أنشأ الإمام شبكة واسعة من الوكلاء، فجمع أموالًا طائلة وقام بتوزيعها على الناس بطريقة فريدة. وقد لاقى هذا الإجراء، الذي يتناقض مع السياسات المالية للخلفاء بصورة صريحة، شهرة واسعة وأثار دهشة هارون الرشيد. بلغ سَخاء الإمام موسى الكاظم علیه السلام مبلغًا عظيماً حتى صار المثل القائل “كيس موسى بن جعفر” رمزًا للكرم والجود. ولم تقتصر نتائج هذه الأعمال على إرضاء الشيعة فحسب، بل جذبت الكثير من أهل السنة إليه أيضا ً. وهكذا اشتُهر الإمام موسى الكاظم علیه السلام في نظر الناس “بباب الحوائج”.

دعم الحركات التحررية

ثار الكثير من أبناء الأئمة في زمن الإمام الصادق عليه السلام ثورات ضد حكّام زمانهم. فقد وقعت “واقعة فخ” في زمن الإمام الكاظم عليه السلام على يد حسين بن علي بن حسن المثنى، إذ ضاقت الدنيا بأصحاب الشيعة بسبب تشديد بني العباس عليهم، وكان حسين بن علي، على اتصال ومراسلة مع الإمام، وطلب منه البيعة لثورته. ولما لم ير الإمام في ثورته نصراً، رأى التقية أنسب، ولم يبايعه، مع ذلك لم يحرمه من دعائه ودعمه السري. كانت نتائج واقعة فخ مؤلمة ومأساوية جداً، حيث استشهد حسين وأصحابه، بينما نسب هادي العباسي ثورة فخ إلى أوامر الإمام الكاظم عليه السلام.[7] وزعم البعض أن ثورة صاحب فخ كانت صورية، وأنه أراد بعد النصر أن يسلم الخلافة للإمام الكاظم عليه السلام.[8] بشكل عام، لا يوجد دليل قوي قطعي على صحة أي من هذين الزعمين.

مواجهة علمیة مع مختلف الفرق والتيارات المنحرفة

في ذلك العصر، تم انتساب طوائف سياسية متعددة للشيعة مما أساء إلى سمعة الشيعة. وكان الإمام الكاظم عليه السلام يؤيد آراء الجماعات الحقة، أما الجماعات المتطرفة في آرائها، فكان يسعى إلى تصحيحها. فعلى سبيل المثال، كان موضوع إرث البنت من الميت محل جدل وخلاف كبير، فتدخل الإمام حكماً، فنفى الرأي الخاطئ وبيّن حدود الإرث في الأحكام الشرعية.

مناظرات بين الإمام الكاظم عليه السلام وخلفاء بني العباس

لم تشهد فترة خلافة المنصور الدوانيقي مناظرات مباشرة بينه وبين الإمام الكاظم عليه السلام، إلا أنه دارت مناظرات عديدة بين الإمام الكاظم والمهدي العباسي حول مسائل شتى كتحريم الخمر وحق الحكم للشيعة وتوسعة الكعبة المشرفة. أمّا هارون الرشيد فقد كثّف من المناظرات خلال فترة خلافته سعياً لترويج أفكاره وتحقير مكانة الشيعة. ولم يقتصر الإمام على مناظرة هارون الرشيد فحسب، بل خاض مناظرات مع علماء مختلف المذاهب، سائراً على نهج آبائه في إبطال الباطل وإظهار الحق.

تناولنا في هذا البحث ظروف إمامة الإمام الكاظم عليه السلام، وخصائص عصره، واستراتيجياته النضالية، وجهوده في حفظ المذهب الشيعي وبناء الحضارة. وقد سعينا جاهدين أن نقدم للقارئ الکریم لمحةً معرفية عن تضحياته وجهوده الجبارة لنقل المذهب الشيعي إلى الإمام اللاحق، ومن ثم إلى الإمام المهدي المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف).

 

[1] . منزل بين مكة والمدينة

[2] . الإمام موسى بن جعفر، الشيخ محمد حسن آل ياسين، الناشر: المطبعة العربية، تاريخ الإصدار: 1420هـ / 1999م، ص 65.

[3] . الكافي، الكليني، محمد بن یعقوب، قم، مؤسسة المصطفی، ج 1، باب المعارین، حدیث 13، ص 310.

[4] . ابن بابویه، محمد بن علي، عيون أخبار الرضا، قم، کتاب جمکران، 1378ق، ج۱، ص۸۴-۸۵

[5] . كتاب الرجال للطوسي، ص 342 و 366

[6] . القرشی، باقر الشریف، حیاة الإمام موسی بن جعفر، قم، اعتصام، 1386، جلد 2، ص 223 و 374

[7] . سید بن طاووس، مهج الدعوات و منهج العنایات، طهران، آفاق، 1411 ق، ص 218

[8] . مامقاني، عبدالله، تنقيح المقال في علم الرجال، نجف الاشرف ، 1423ق، ج2، ص 285 و 287

المشارکة

مقالات مماثلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *