دور الإمام السجاد عليه السلام في إعادة بناء المجتمع الإسلامي بعد عاشوراء
تبدأ المرحلة الأخيرة من مسار الأئمة مع تولي الإمام السجاد عليه السلام الإمامة وتحمله المسؤولية بعد واقعة عاشوراء. الإمام علي بن الحسين عليه السلام، المعروف بالسجاد أو زين العابدين، هو الإمام الرابع عند الشيعة، وقد ولد حسب المشهور في الخامس من شعبان سنة 38 هجرية في المدينة المنورة.
هو ابن الإمام الثالث للشيعة أي الإمام الحسين عليه السلام، وتشير معظم المصادر التاريخية والروائية إلى أن والدته هي شهربانو ابنة يزدجرد الثالث، ملك إيران.[1] كان الإمام السجاد في الثالثة والعشرين من عمره في واقعة كربلاء وكان حاضراً فيها، لكنه لم يستطع القتال بسبب مرضه الشديد. لقد تقلد الإمامة في العام الحادي والستين للهجرة، وقد عاش في عصر إمامة الإمام الحسن والإمام الحسين وجزءًا من حياة الإمام علي عليه السلام[2].
قد يقتصر تصور الكثيرين لدور الإمام السجاد عليه السلام على الأحداث التي وقعت في الشهور القليلة التي تلت واقعة عاشوراء، دون أن يكونوا على دراية ببقية فترة إمامته. ولكننا في هذا المقال نسعى إلى شرح ما يميز فترة إمامته التي استمرت 34 عاماً عن غيرها من الفترات.
ما هي الظروف الخاصة التي واجهها الإمام السجاد عليه السلام خلال فترة إمامته؟ وما هو الدور الذي لعبه في سلسلة أئمة أهل البيت؟
رغم شهرة الإمام بألقاب كالسجاد وزين العابدين بسبب تقواه الشديدة وعبادته واضطراره للتقيّة في كثير من الأحيان بسبب الأجواء القمعية التي كانت سائدة في المجتمع، إلا أن ذلك لم يمنعه من اتخاذه مواقف سياسية صحيحة وسليمة.
بدأت إمامة الإمام السجاد عليه السلام بالتزامن مع واقعة عاشوراء وأسر آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد واجه في فترة إمامته أحداثًا مهمة أخرى مثل واقعة الحرة[3] وثورة المختار وثورة التوابين، وتصرف في كل من هذه الظروف بطريقة كانت تهدف في النهاية إلى سعادة البشر وتحقيق أهداف الإسلام الحقيقية.
عاش الإمام السجاد عليه السلام خلال فترة إمامته التي امتدت 34 عامًا، تحت حكم عدد من الحكام الأمويين المتعاقبين، بدءًا من يزيد بن معاوية (٦٤ – ٦١ هـ)، ومعاوية بن يزيد (أشهر قليلة من ٦٤ هـ)، ومروان بن الحكم (تسعة أشهر من سنة ٦٥ هـ)، وعبد الملك بن مروان (٦٥ – ٨٦ هـ) و وليد بن عبد الملك (٨٦ – ٩٦ هـ).[4] استشهد في النهاية مسمومًا في سنة ٩٤ أو ٩٥ هـ، بأمر من وليد بن عبد الملك، ودفن في مقبرة البقيع بالمدينة المنورة.[5]
مسار المجتمع الإسلامي من عهد الرسول(ص) إلى عصر الإمام السجاد(ع)
لفهم دور الإمام السجاد عليه السلام بشكل أعمق، يجب علينا أن نستعرض بدايات المجتمع الإسلامي الذي تأسس في عهد النبوة. هذا المجتمع الذي بني على قيم سامية كالعدل والمساواة والأخوة، سعى جاهداً لتطبيق هذه المبادئ في الحياة العملية، حتى في ظل الظروف الصعبة التي شهدتها المدينة المنورة في بداية الإسلام. بالرغم من قصر المدة، إلا أن الدعم الإلهي وقيادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد مكن هذا المجتمع الوليد من الاستمرار والتطور.
أعلن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غدير خم عن إمامة علي عليه السلام من بعده كمتخصص معصوم، وطلب من الناس البيعة له. ولكن للأسف، وبعد وفاة الرسول، تمسك قلة قليلة من الناس ببيعة علي عليه السلام، بينما اختار البقية طريقاً آخر متبعين عاداتهم القبلية متجاهلين أمر الله ورسوله.
وبالتالي، بتلبية رغبة الناس وإرادتهم، بدأت فترةٌ حكمَ فيها غير المعصوم على المجتمع الإسلامي، وهي الفترة التي صبر فيها الإمام علي عليه السلام لمدة خمسة وعشرين عامًا على خلافة الخلفاء. ونطلق على هذه الفترة اسم “العصر الأول للإمامة” في سيرة الأئمة المعصومين. انتهت هذه الفترة بقتل الخليفة الثالث، عثمان، في العام الخامس والثلاثين للهجرة، وبدء مرحلة جديدة بتولى الإمام علي عليه السلام الخلافة، حيث دخلت الدولة الإسلامية عصرًا جديدًا بقيادة إمام معصوم. إن العصر الثاني للإمامة، رغم عدم رضا أمير المؤمنين عليه السلام عن استجابة الناس لأوامره وتنفيذها، كان عصرًا مشرقًا في مجال تطبيق العدالة الاجتماعية وإحياء سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. لسوء الحظ، لم يدم هذا العصر طويلاً وانتهى باستشهاد الإمام علي عليه السلام وحكم الإمام الحسن عليه السلام الذي استمر بضعة أشهر فقط.
وهكذا دخل نهج الأئمة مرحلة جديدة. بدأت هذه المرحلة بمكائد معاوية وقبول الإمام الحسن عليه السلام الصلح في العام الحادي والأربعين للهجرة، وانتهت بقيام الإمام الحسين عليه السلام في العام الحادي والستين للهجرة، وهي قضية نتطرق إليها بالتفصيل في مقال آخر.
اضطر بعد ذلك الإمام الحسن عليه السلام، بسبب تفوق الأعداء، إلى تحويل الصراع من شكل علني إلى سري، فأسس تنظيمًا سريًا بين الشيعة لتدريب الصالحين والنهوض ووضع الأساس لتشكيل حكومة إسلامية في المستقبل القريب. وبذلك فقد انتهى العصر الثالث من الإمامة مع واقعة عاشوراء، ودخلت الإمامة في أشدّ فتراتها وأطولها في عمرها البالغ 250 عاماَ. يستحيل فهم دور الإمام السجاد ومهمة إمامته بدون فهم الظروف الاجتماعية التي عاش فيها والأسباب التي أدت إلى واقعة عاشوراء.
المجتمع الاسلامي في بداية امامة الامام السجاد عليه السلام
بعد واقعة الطف، دخل المجتمع الإسلامي في فوضى و شتات. تزامنت إمامة الإمام السجاد عليه السلام مع وقتٍ فقد فيه المجتمع أخصّ أعضائه وأعلمهم، الإمام الحسين عليه السلام باعتباره متخصص معصوم، بطريقةٍ مأساويةٍ مروعة، ولم يكن ذلك على يد شخص واحد فقط، بل على يد مجموعة من الناس. كما واجه الإمام السجاد عليه السلام مجتمعاً متشظياً، كان قد ابتعد تدريجياً عن قيم الإسلام، وبدلاً من إدراك الحاجة إلى الإمام المعصوم وأهميته، تحولوا إلى مرحلة قتلوا فيها الإمام و صمتوا على ما أصابه من أذى.
في عهد يزيد بن معاوية، كان المجتمع الإسلامي في الشام ينظر إلى الحاكم الذي أسر آل البيت عليهم السلام، باعتباره حاكماً عادلاً، و اتهموا آل البيت بالخروج عن الدين ومرتدين بسبب معارضتهم له.
كان الإمام يواجه مجتمعًا غارقًا في الجهل والخوف والطمع بالسلطة، باستثناء قلة قليلة. حتى نخبة الناس، إما أنهم كانوا مشغولين بالدنيا والسلطة، أو أنهم كانوا قد فقدوا القدرة على تمييز الحق من الباطل بسبب الضعف والجهل. وبالطبع، عندما تفشل النخبة في أداء دورها، فإن عامة الناس الذين يعتمدون عليها في الرأي، يضلون الطريق بدورهم.
في ظل هذه الظروف الصعبة، كان للإمام السجاد عليه السلام دور محوري في إعادة تنظيم المجتمع الإسلامي وتجديده. لقد واجه الإمام عليه السلام بعد واقعة عاشورا، وحين تولى الإمامة، ثلاث فئات مختلفة من الناس:
- اهل المدينة: الذين عاشوا تحت ظل حُكم النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، على دراية عميقة بأهل بيته الكرام. لذا، كانوا أكثر صراحة في إعلان ولايتهم للأئمة المعصومين ومواجهة السلطة الأموية الظالمة. ورغم ذلك، لم يقدموا الدعم الكافي للإمام الحسين عليه السلام في حركته الإصلاحية نحو الكوفة.
- أهل الكوفة: قوم شهدوا عهد أمير المؤمنين عليه السلام ولكنهم كانوا رغم ذلك ملومين في مراحل مختلفة لتقصيرهم وتهاونهم في نصرة إمامهم. وعلى الرغم من دعوة الإمام الحسين عليه السلام لهم، تخلفوا عن نصرته واتبع الأغلبية جيش يزيد.
- أهل الشام: قوم تربوا في ظل حكم الأمويين، فشكلوا تصورهم الخاص عن الإسلام. فهم يرون معاوية ويزيد حاكمين عادلين، ولا يدركون حقيقة الإسلام النبوي والعلوي، وليس لديهم معرفة كافية بأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
بعد واقعة كربلاء، عاش البعض في المجتمع الإسلامي في حالة من الحزن العميق على استشهاد سليل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفي نفس الوقت، كان هناك من يشعر بالذهول مما حدث، أو من يحتفل بانتصار يزيد بن معاوية. لذا فقد كان دور الإمام السجاد عليه السلام وعمته زينب سلام الله عليها حاسماً في توعية مختلف شرائح المجتمع، إذ قام الإمام عليه السلام بتوضيح الحقائق في كل مكان، سواءً في الكوفة أو الشام أو المدينة، بما يتناسب مع ظروف كل مجتمع ومستوى فهم الناس.
أبرز أدوار الإمام السجاد(ع) بعد عاشوراء
عند دخول قافلة الأسرى إلى الكوفة، ألقى الإمام السجاد عليه السلام خطبةً مؤثرة بيّن فيها مظلومية الإمام الحسين عليه السلام وخيانة أهل الكوفة، لائماً إياهم على خيانتهم ونقض عهدهم. وقد تأثر الكوفيون بكلام الإمام، فبكوا ندمًا على ما اقترفوا، وطلبوا من الإمام الانتقام. ولكن الإمام عليه السلام، تذكيرًا بخيانتهم المتكررة، قال لهم: “مسألتى أن لا تكونوا لنا و لا علينا“.[6]
كان دور الإمام السجاد عليه السلام في الشام دوراَ حاسما مختلفا في مواجهة الذين كانوا غافلين عن حقيقة الإسلام وآل البيت علیهم السلام. فقد وقف شامخاً أمام يزيد بن معاوية في المسجد الأموي، فأسكت أصوات الباطل بخطبةٍ مؤثرة، كشف فيها عن حقيقة ما جرى في كربلاء، وفضح زيف ادعاءات بني أمية وتحدث عن نسبه النبوي، وعن فضائل أمير المؤمنين وفاطمة الزهراء (عليهم السلام)[7]، وبذلك فإنه لم يقتصر على كسر عزيمة العدو وتوجيه ضربة نفسية له فحسب، بل رفع معنويات أنصاره وأسرى الحرب، وزرع في قلوبهم الأمل والقوة.
أما أوضاع المدينة المنورة فكانت تختلف عن الكوفة والشام. فكان أهل المدينة يشاطرون أهل البيت عليهم السلام في حزنهم على فقد عزيزهم وبضع النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فأعلن الإمام عليه السلام بعد الدخول إلى المدينة بعزاء علنيّ وهادف دون أي توتر، وذكر مصائب أهل البيت واسارتهم، ساعياً إلى إحياء ذكرى ثورة الإمام الحسين عليه السلام وشهداء كربلاء وأهدافهم السامية.[8] وبالتالي فقد خاض الإمام عليه السلام نوعًا من المقاومة السلبية ضد يزيد، حيث حافظ على واقعة كربلاء من أي تحريف أو تشويه من خلال إحياء ذكرى سيد الشهداء عليه السلام والبكاء عليه باستمرار.
كان قد ساد جو من الرعب والهلع والاختناق في أرجاء العالم الإسلامي بعد واقعة الطف، باستثناء الكوفة التي شهدت انتفاضات مختار الثقفي وثورة التوابين مما عززت معنويات أهلها. فقبل واقعة عاشوراء، على الرغم من أن أئمة أهل البيت عليهم السلام كانوا يعانون من القتل والتهديد والتعذيب والملاحقة، إلا أنّ قتل حفيد النبي ورفع رأسه على الرماح وأسر أهل بيته لم يسبق له مثيل![9]
لقد اتسمت هذه الفترة من إمامة الإمام السجاد (عليه السلام) بتحديات عميقة، تذكرنا بالعصر الذي دعا فيه النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) الناس سراً إلى الإسلام في مكة[10]. حيث إنّ الخناق الشديد الذي فرضه الحكام الظالمون، لم يتسن للإمام أن يبوح بكلماته بحرية من جهة، ووجد الناس أنفسهم محاصرين في شبكة من الصدمة والخوف، أو أنهم ظلوا غير مبالين به.
بعد قیام الإمام الحسین عليه السلام والوقائع التي تلتها، ضعفت التنظيمات الشيعية التي أسسها أمير المؤمنين عليه السلام وطورها الإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام. بالإضافة إلى ذلك، تورط الكثير من الشخصيات البارزة في الفساد السياسي، وصاروا عبيداً للمصالح الدنيوية، يسعون لتحقيقها من خلال التعاون مع حكام الجور.
في مثل هذه الظروف، رأى الإمام أن الثورة المفتوحة ضد الحاكم ستؤدي إلى ضياع آخر ما تبقى من الإسلام، وتدمير فرص نمو مذهب أهل البيت والإمامة.[11] لذلك، فقد تجنب المواجهة المباشرة مع الحاكم، حفاظاً على الإسلام والشيعة و إحياء المذهب.
بالإضافة إلى ذلك فقد اضطر الإمام أحياناً إلى التقيّة لتشتيت انتباه الحكام عن الثورات التي أقيمت للثأر للإمام الحسين. وقد اختار لأحاديثه صيغة الدعاء والمناجاة، صابراَ محتسباَ، ليوجه المجتمع تدريجياً نحو الهدف المنشود. وهكذا يتضح دور الإمام السجاد عليه السلام في صبره الذي أثمر مع مرور الزمن، وجذب الناس إليه شيئاً فشيئاً.
استراتيجيات بعيدة المدى للإمام السجاد في فترة الإمامة
كان هدف الإمام الأسمى، كسائر الأئمة عليهم السلام، هو إعداد البنية التحتية لحكومة إسلامية عادلة. ولكنّ الظروف القاسية التي فرضتها بني أمية، والتي هدفت إلى استئصال الإسلام من جذوره، استدعت منه صبرًا وتخطيطًا بعيد المدى. فقد كان يزيد قد عمل على تخويف الناس في واقعة الحرة وتخديرهم بالملذات الدنيوية، محاولًا بذلك القضاء على روح الإسلام والتشيع. في ظل هذه الظروف الصعبة، برز دور الإمام السجاد عليه السلام كصمام أمان لحماية الإسلام.
في مثل هذه الظروف القاسية السائدة، والتي حالت دون إقامة دولة إسلامية في ذلك الوقت، وضع الإمام عليه السلام استراتيجية طويلة الأمد لتحقيق هذا الهدف[12]، وركز على ثلاثة محاور أساسية:
- إعداد البنية الفكرية السليمة التي تقوم عليها الدولة الإسلامية، وذلك بإحياء الفكر الإسلامي الأصيل الذي طمر تحت أنقاض الزمان والتحريف من خلال تدريسه ونشره بين الناس. ومن هذا المنطلق، استخدم الإمام عليه السلام، الأدعية والمناجات الواردة في الصحيفة السجادية لتوضيح مفاهيم أساسية كالتوحيد والنبوة وقيمة الإنسان ووسائل التقرب إلى الله، مما حفظ الفكر الإسلامي الأصيل في نفوس الناس، وأيقظ فيهم روح الإيمان وحب العمل الصالح. وفي رسالة الحقوق، رسم الإمام السجاد عليه السلام، أسسًا متينة لنظام اجتماعي عادل قائم على حقوق الإنسان، حيث بين حقوق الله تعالى وحقوق الأقربين والجيران والأموال و…، مما جعل الصحيفة بمثابة دستور أخلاقي وقانوني لنظام الحكومة الإسلامية المستقبلية.
- توعية الناس بفكرة أن الإمامة حقٌ خالص للمعصومين عليهم السلام، وأن إقامة الحكم العادل بيدهم واجب شرعي، وهو ما شكّل حركة سياسية معارضة للنظام الحاكم، تتجاوز الأبعاد الإيديولوجية البحتة. لذلك فقد قام الإمام السجاد عليه السلام بأداء مسئوليته هذه، في بيئة سممتها حملات التشويه التي شنتها الدولة الأموية ضد آل البيت، حيث نشرت أحاديث موضوعة لتضليل الناس عن حقيقة مكانتهم عليهم السلام ودورهم كخبراء معصومين في إرشاد الناس إلى طريق الحق وإيصالهم إلى السعادة في الدنيا والآخرة.
- تأسيس بنية تحتية لمنظمة قادرة على قيادة الحركات السياسية المستقبلية. ورغم أن جذور هذه البنية تمتد إلى عهد علي بن أبي طالب عليه السلام وتطورت وتعززت في عهد الإمامين الحسنين عليهما السلام، إلا أن الأحداث الدامية التي تلت ذلك، مثل واقعة كربلاء والحرة وثورة المختار الثقفي، قامت بإضعافها. لذلك فقد رأى الإمام السجاد عليه السلام ضرورة إعادة بنائها وتحديثها لخدمة الأهداف السامية، وعمل عليه السلام خلال فترة إمامته الطويلة على مدار 34 عامًا على تهيئة الأذهان والعقول لبناء مجتمع إسلامي متين. لقد استخدم الرسائل والمواعظ ليخاطب الناس الذين انشغلوا بالظواهر الدنيوية، مذكراً إياهم بالقرآن الكريم و أصول الدين وقيمه السمحة، وكان يحثّ المؤمنين ومحبيه على الزهد في الدنيا، ويوضح لهم ظلم الحكام، مشدداً على ضرورة الصمود في وجه الطغيان. و أسس بذلك بنية تنظيمية شيعية متماسكة، ودعا أتباعه إلى إنشاء منظمة إسلاميّة متميزة.[13] إضافة إلى ذلك، كان حازمًا في مواجهة العلماء المتعاونين مع الظالمين، وحكيماً في التعامل مع حكام زمانه متّبعًا أساليب مختلفة تعبّر عن معارضته بحسب الظروف.
ولكن هذه المسيرة المباركة في نشر العلم والمعرفة ونشر دعوة أهل البيت عليهم السلام، كلفته الكثير. فقد تعرض للإهانات والتعذيب، حُمل منها مرة مقيداً على ظهر بعير في رحلة شاقة من المدينة إلى الشام؛ مركز الحكم الأموي. وفي النهاية، استشهد عليه السلام مسموماً، بأمر من الطاغية الوليد بن عبد الملك في شهر محرم الحرام سنة 95 للهجرة.
تناولنا في هذا البحث، دور الإمام السجاد عليه السلام المحوري في إعادة بناء المجتمع الإسلامي بعد مصيبة كربلاء. وقد بيّنا كيف أرسى الإمام بصبر وحكمة، الأسس الفكرية والسياسية للدولة الإسلامية المنشودة خلال فترة إمامته الطويلة. كما ناقشنا استراتيجياته في مواجهة مؤامرات بني أمية، ومساهمته في تحقيق الأهداف الكبرى لأهل البيت عليهم السلام.
[1] . المفید، الارشاد، ۱۴۱۳ق، ج۲، ص۱۳۷
[2] . ابن شهر آشوب، مناقب آل ابي طالب، ۱۳۷۹ق، ج۴، ص۱۷۵
[3] . المعركة التي وقعت سنة 63 هـ بين الثائرين من أهل المدينة وجيش الشام المبعوث من قبل يزيد بن معاوية.
[4] . بحار الانوار، ۱۴۱۳ق، ج۴۶، ص۱۳
[5] . الشبراوي، الاتحاف بحب الاشراف، ۱۴۲۳ق، ص۲۷۶و۲۷۷
[6] . الاحتجاج، الشيخ الطبرسي، ج ٢، ص ٣٢
[7] . ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل ابي طالب، ج۳، ص۲۶۱
[8] . المجلسي، محمدباقر، بحارالانوار، ج۴۵، ص۱۴۸
[9] . انسان بعمر 250 سنة، الحلقة الثانية، ص 225
[10] . نفس المصدر، ص 251
[11] . نفس المصدر، ص 227
[12] . نفس المصدر، صص 231-229
[13] . نفس المصدر، صص 247-239