سمات التیّار المنافق في المجتمع؛ علاماته ومخاطره وسبل مواجهته
هل تأمّلنا يوماً في السبب الذي يجعل بعض المجتمعات تنحدر نحو التآكل الذاتي بدل النهوض والتقدّم؟ ففي عالمٍ تتكشّف فيه تهدیدات الخارج بوضوح، يکمن خطر أشدّ فتكاً وخفاءً يولد من الداخل، يلبس ثوب الصداقة، ويتسلّل بكلماته المسمومة إلى روح الأمة. إنّه تیّار النفاق؛ ذاك الكيان المتلّون الذي يبدو ظاهره مُطمئِناً، فيما يضمر باطنه مرضاً قاتلاً يفتك بجسد المجتمع ببطء.
فالتاريخ يشهد أنّ الأمم لم تسقط دائماً بضربات أعدائها الظاهرين، بل إنّ الانهيار الأكبر کان وليد خطرٍ مستترٍ أكثر تعقيداً: النفاق. ولهذا، فإنّ إدراك خصائص هذا التیّار ضرورة لكل مجتمعٍ واعٍ ومتيقّظ. فالعدوّ الخارجي، مهما اشتدّت قوّته، تبقى جبهته معروفة، وطريق مواجهته واضحًا لا التباس فيه. أمّا المنافق، فيعيش بين الناس، يتكلّم بألسنتهم، ويردّد شعاراتهم، بل قد يُظهر نفسه أشدّ حرصًا على مصالحهم منهم، بينما يُخفي خلف هذا القناع نيّاتٍ ملوّثة.
یُعرَف تیّار النفاق بتعدّد وجوهه، وميله إلى المساومة، ونفوره من التضحية، وسعيه المستمر لتحریف الحقائق. وتكون لغته غالباً لغةٌ هادئةٌ وعاقلة في ظاهرها؛ فيتحدّث عن العقلانية والمصلحة وتجنّب التوتر، بينما لا تکون حصیلة هذا الخطاب سوى إضعاف إرادة المجتمع، وإخماد روح الاستقامة والصمود، وتمهيد الطريق لهيمنة الخارج وإذلال الداخل.
إنّ المنافق لا يدفع المجتمع نحو الضعف والانحطاط بصخبٍ أو عداوةٍ صريحة، بل بهمْساتٍ تبدو نصحاً وحكمة. ولهذا فإنّ فهم سمات هذا التیّار لیس مسألةً نظریة أو تاریخیة فحسب، بل هو حاجة حیویة لبقاء المجتمع وسلامته. فما دام الناس عاجزين عن تمييز علاماته، سيستمرّ نفوذه وينمو أثره الهدّام، حتى يصل الضرر إلى أعماق البنية الاجتماعية.
سمات ممیّزة لتیار النفاق فی المجتمع
تتميّز کلُّ جماعة بخصائص یتکرّر ظهورها في أکثر أفرادها وتنبع من أعماق النفوس ثم تنعکس على سلوکهم وممارساتهم. وتیار النفاق لیس استثناءً من هذه القاعدة؛ فغالب المنتمين إليه يحملون سمات تكشف مرض قلوبهم وافتقارها إلى قلب سليم. وأبرز ما یُعرَف به هذا التیار فی المجتمع هو مظهره الخادع الذي یبدو في ثوب التدیّن والاتّزان. فهم ضالّون في أنفسهم، ويقودون غيرهم إلى الضلال. تمتلئ صدورهم بالشكوك، ويسعون إلى زرعها في قلوب الناس وبثّ التردّد بينهم. كما تملأ الشکوك صدورهم ویعملون على بثّ الشك والتردید في قلوب الناس. وبما أنّ باطنهم مضطرب، تأتي أقوالهم على غير أفعالهم، فلا يثبتون على حال، بل يتبدّلون بوجوه شتّى تبعًا للمصالح. ومن هنا لا يتردّدون في التفريط بكل شيء إذا كان في ذلك تحقيق لمكاسبهم الخاصة، إذ يرون أنّ الغاية تبرّر الوسائل.
فيما يلي نتناول بشيء من التفصيل ملامح هذا التيار وأتباعه.
المظهر الخادع… بوّابة نفوذ المنافقين
من سمات النفاق التي تثیر القلق في المجتمع أن أصحابه یدخلون الساحة بوجه مزیّن یُوهم الناس بحسن النیّة، حتى لا یلتفت کثیرون إلى مکمن الخطر فیهم. یظهر المنافق في هیئة الصدیق الوفیّ، والناصح المشفق، لیحقّق سراً ما عجز عنه العدو جهراً. فبينما تحاكي کلماته کلام المؤمنین، ويشبه مظهره سمتَ المتقین، وتتماهى أفعاله مع أعمال حمَلة القیم والمدافعین عنها؛ إلا أنّ جوهره وأهدافه تكون في حقیقتها امتداد لخطّ یخالف خطّ الحقّ تماماً.
هذا التشابه المدروس بعنایة هو ما یجعل التمییز بین الصدیق والعدو أمراً ملتبساً على الکثیرین. ومن خلال هذا الغطاء یتسلّل المنافقون إلى مراکز القرار وبُنى الحکم، فیحصلون على معلومات حسّاسة ویتیحون لأنفسهم مجال تنفیذ مخططاتهم وتنظیم مشاریعهم العملیة من داخل البنیة نفسها.
لقد تلقَّى الإسلام أقسى الضربات ليس من أعدائه المعلنين، بل من المنافقين الذين تزيَّوا بثياب الصلاح والتقوى، وضربوا بفأس الخيانة في جذور الدين وهم يحسبون أنفسهم من أهله. فمن أقرب الصحابة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، مرورًا بنواة الحكم في عصر الخلفاء، وصولًا إلى بلاط بني أمية وبني العباس، وقفنا على نماذج من أولئك المنافقين الكذبة الذين رفعوا راية الدين بألسنتهم ودفنوه بأيديهم، فكانوا على مدى أربعة عشر قرنًا سببًا في إزاحته إلى الهامش وقيادته نحو الانحسار.
إنَّ تيار النفاق ونفوذه في جسد الحكم الإسلامي، ليس ظاهرةً طارئة وُلِدت مع الثورة الإسلامية في إيران، بل هو أزمة قديمة جذورها ممتدة من صدر الإسلام، ظلَّت حاضرةً في النقاش الفكري والسياسي على مر العصور. وبعد قيام الثورة الإسلامية، جعل الأعداء هذه الآفة من أخطر أدواتهم، فسعوا إلى تسريب أناس فاقدي الإيمان، غير المؤمنين بأهداف الثورة ومبادئها مواقع حساسة و في صفوف المسؤولين، وقد كان الإمام الخميني والإمام الخامنئي – طاب ثراهما – دائمي التحذير من هذا الخطر، ولم يتردَّدَا في الإعراب عن قلقهما البالغ إزاءه، ذلك لأنهما أدركا تمامًا أن عملاء جبهة النفاق، متى تمكَّنوا من رأس الأمور السياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية، فإنهم يُفسدون في الأرض، يُعطون أوباش غير متخصصين مكان الصالحين، ويُقصون أكفَّاء مخلصين إلى هوامش القرار. ولهذا السبب، أكَّدَا مرارًا على ضرورة معرفة خصائص تيار النفاق في المجتمع، وبلغ بهما الأمر أن صرَّحا: «من لا يؤمن بمبادئ الجمهورية الإسلامية، ويجلس على منصب من مناصبه، فإن شغله لذلك المنصب حرام شرعي عليه».
إن إمامَي الثورة – اللذين كافحا قرابة خمسين عاماً لإبقاء هدف المهدوية حياً باعتباره الركن الركين للثورة الإسلامية – كانا يؤكدان دوماً أن العدو قد هُزم عسكرياً، ولذلك يسعى لتعويض تلك الهزيمة من خلال الاختراق في الساحات الداخلية. وكانا يحذرّان باستمرار من تسلّل أناس إلى الحكم يرتدون لباس الإسلام، لكنهم لا يؤمنون بالمهدوية، ولا بالظهور، ولا بالدولة الكريمة، ولا بجوهر الأصول الإسلامية. ثم يستقرون في الوزارات والمؤسسات، لينشروا سمومهم بصمت.
بذر الشك والترسيم في النفوس
من أبرز سمات تيار النفاق في المجتمع أن قلوبهم مسمومة بالشك والارتياب، وإن تصرفوا في الظاهر كأهل اليقين. فكم من أناس عاشوا في كنف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وفي رحاب أمير المؤمنين وأهل البيت (عليهم السلام)، بل كانوا من قادة جيوشهم، ومع ذلك كانوا يثبّطونهم عن القتال، ويغرزون التردد في قلوب الجنود تجاه قادتهم وأسباب الحرب! إن جبهة النفاق لا تقتل الأمل في صدور الناس فحسب، بل تزرع الشك في المعارف التوحيدية ومبادئ الولاية والولاء، مما يؤدي إلى تفريق الصفوف وإبعاد الناس عن إمامهم وولايتهم وجهادهم.
لقد شغل الشك الذي زرعته جبهة النفاق – وهو أبرز سماتها – قسماً كبيراً من تاريخ الإسلام والتشيع. فذلك الشك الذي أصاب الناس في معركة صفين حول حقانية الإمام علي (عليه السلام) وكونه “القرآن الناطق”، كان سهماً مسموماً أطلقته يد منافق، فأرداهم أرضاً وهزمهم. ومن ذلك: شك إبراهيم بن مالك في المختار، وشك جيش الإمام الحسن (عليه السلام) في صلحه، وشك الناس في نصر الإمام الحسين (عليه السلام)، إلى آلاف السموم الأخرى التي ترعرعت كلها في خيمة المنافقين، لتُدخل الإسلام والشيعة في حالة احتضار. تماماً كما حدث في تلك الخيانة النفاقية التي ردت سيف مالك الأشتر وقد كاد أن يبلغ خيمة معاوية، ليقطع رأس النفاق ويزيل تلك الغدة السرطانية من جسد الإسلام، فإذا بالقضية تنقلب إلى مهزلة الحكم البائسة.
روح الاستسلام والهرب من الجهاد: جوهر النفاق
النفاق ثمرة قلب فاسد حمل سنين من العدوى والمرض، لم يكترث صاحبه بالعلاج ولا فكّر في دواء. وسمات تيار النفاق في المجتمع ما هي إلا حصاد تلك الرذائل والأخلاق التي تبدو صغيرة وتغيب عن أعيننا، لكنها شيئًا فشيئًا تُنبت في داخلنا شجرة نفاق ضخمة قوية لا يسهل قطعها بعد حين. يُعدّ الخوف والكسل عاملين يُطفئان روح الجهاد في الإنسان، ويدفعانه إلى المساومة والفرار من الحرب، وهما علامة المنافق ومن سمات تيار النفاق. إنّ رسالة جبهة النفاق في المجتمع هي خلق ثنائيات زائفة، لتأخير الصدام مع الاستكبار أو صرف الأنظار عنه. ومن خلال بذر الشك في حقانية وليّ المجتمع، وفي الجهاد والأهداف المقدسة، تُرعب القلوب وتُوهن العزائم أمام هذه القمم. كما تعمل على تقليص قيمة العمل المقدس في أذهان الناس، وتصنع لهم بدائل ملوّنة برّاقة تُغني عنه. فهي، مثلًا، تُدخل الشك في تدبير القائد وقدرته، وفي الوقت نفسه ترسم لهم مدينةً فاضلة في الأحلام، لترهيبهم من مواجهة العدو وجعلهم متلهفين إلى الصلح معه
من آخر حيل المنافق وسمات تيار النفاق في المجتمع ترهيب الناس من قوة العدو وجبروته لإجبارهم على التراجع؛ فكل ما عجز العدو عن تحقيقه من الخارج، تتكفّل جبهة النفاق بتنفيذه من الداخل. ولذلك، فإنّ أغلب ما أصاب إمامة الأئمة الأحد عشر (عليهم السلام) من تهميش وهزائم على مدى مئتين وخمسين سنة، وما تلا ذلك من قرون غياب الإمام الثاني عشر، لم يكن إلا ثمرةً لتلك الخديعة الحزبية الشيطانية.
لكن السؤال الأكثر جوهرية هنا هو: لماذا، مع كل هذه الحيل الشيطانية، يبقى بعض جنود الحق ثابتين لا ينقلبون؟ الجواب يعود إلى ما تقدّم في بداية هذا المقال: القلوب كالأرض المهيّأة للزرع؛ فكلّ إنسان، بقدر عنايته بأرض قلبه وما يمدّها به من غذاء سليم أو مسموم، تتحدد قابلية قلبه لتلقّي بذور النفاق، وقدرته على تنمية سمات هذا التيار في نفسه. فالقلب الذي أمضى سنوات يعاني من عدوى الخوف والكسل وسائر الرذائل، ينجذب في طرفة عين إلى وساوس جبهة النفاق، ويذعن لها، ويلتحق بصفوفها.
لماذا ينبغي الوقوف في وجه تيار النفاق؟
إنّ التاريخ يعيد نفسه، ونحن اليوم نخوض الامتحانات عينها التي مرّ بها من قبلنا. فالضرر الكبير الذي لحق بالإسلام والتشيّع لم يكن نتاج فعل المنافقين وحدهم؛ بل إنّ جانباً مهمّاً منه يعود إلى المؤمنين الذين عجزوا عن التعرّف الدقيق على مظاهر النفاق في المجتمع، ولم ينهضوا لمواجهتها واستئصال جذورها. هذا التقصير كان سبباً في حرمان البشريّة قروناً طويلة من قيادة الإمام المعصوم المختص، ومن فيض الهداية والتربية على يديه المباركتين. ومع ذلك، فإنّ وجود تيار النفاق في مسيرة الوصول إلى الحضارة الإسلاميّة الأصيلة أمر لا يمكن تجنّبه؛ إذ يشكّل ـ بحكم السنن الإلهيّة ـ جزءاً من التمهيد الضروري لظهور الموعود، حيث لا بدّ أن تتبلور الاصطفافات النهائيّة قبل قيام الدولة الكريمة المرتقبة.
أما الهدف النهائي فهو أن يرتسم المشهد القتالي بين جبهتين فقط: جبهة التوحيد وجبهة الشرك، من دون أي منطقة رمادية أو جبهة ثالثة. وليس لذلك من سبيل إلا أن يمر تيار النفاق في منخل شديد، فتندفع الأنواع العميقة منه نحو الكفر والكبرياء، وتعود الأنواع القابلة للإصلاح إلى جبهة التوحيد، ويتميز في النهاية الخبيث عن الطيب.
واجب الموحِّدين: تمييز خصائص تيار النفاق في المجتمع والانتصار عليه
في هذا السياق، ما الواجب الذي يحمله أهل التوحيد؟ وهل تقتصر مسؤوليتهم على أنفسهم، أم تمتد لتشمل من سبقهم ومن سيأتي بعدهم؟ في الحقيقة، لا تنحصر سعة نفس الموحّدين ولا امتداد مسؤوليتهم في الفرد وحده؛ بل إنهم معنيّون بتدارك أخطاء الأسلاف في فهم تيار النفاق داخل المجتمع ومواجهته، ليبنوا—بقهرهم للمنافقين وهزيمتهم لجبهة الكفر—مستقبلًا موعودًا للأمة.
كل أمةٍ تبلغ هذا الإنجاز تستحق أن تتولى زمامها الإمام المعصوم في الدولة الكريمة، وذلك لأنها استطاعت بعد قرون من حكم النواب العامين للإمام (ولي الفقيه)، أن تقطع يد النفاق الخفية، يد الشيطان وحزبه، عن حكم الإسلام. هذا الإنجاز لا يتحقق إلا بالصمود أمام خصائص تيار النفاق في المجتمع، وتحويلها إلى صدقٍ يتحلّى به أهل الإيمان.
إن الإمام وولي المجتمع لا يقدم على قرار أو عمل إلا وفقًا لما يستوعبه المجتمع من قدرة، وما يبلغه من فهم، وما يظهره من استعداد وجدّية. فالأمّة التي تنضج وتتبصّر إلى درجة تمكّنها من كشف يد المنافق وسط ادّعاءات الدين والوطنية، ولا تقف مكتوفة الأيدي كما فعل بنو إسرائيل منتظرةً أن يخوض وليّ الله وحده حرب الكفر والنفاق، هي أمّة جديرة بالعيش في ظلّ الدولة الكريمة؛ لأنها تدرك أنّ الإمام ونائبه ليسا سابقين خارقين يمدّانها بمعجزات متكرّرة، بل قائدان يسيران بها ويقودانها.
مثل هذه الأمّة، حين تستوعب هذه الحقائق، تُدرك أنّ الثورة الإسلامية العالمية وإقامة الدولة الكريمة ليستا سوى نهضةٍ إنسانية، لا بدّ أن تبدأ بانتفاض البشرية ونهوضها إلى جانب نائب الإمام، ثم اجتياز اختبار المعية مع الإمام، أي القدرة على حمل أمانته والوفاء له في كنف الإمام المعصوم؛ فهي ليست ثورةً كلامية، ولا حلمًا نردّده بألسنتنا أو نخطّه بأقلامنا في غفلاتنا وهوامش أحلامنا الناعمة.
إنَّ الإمام الذي ينهض بالمجتمع، إذا وجد في صميم الحكم وفي نسيج الجماهير قادةً للجهاد التبيني من أمثال عمَّار، وسلمان، ومالك الأشتر، والمقداد – أولئك الأتقياء المجاهدين – فإنه وبحسب هذه القدرة والظرفية، يُقدِم على تنفيذ أعظم القرارات وأكثرها مصيرية في العالم. قراراتٌ تُغيِّر مسار الحركة ليس لأمَّةٍ واحدة فحسب، بل لأمةٍ بأسرها، وتدفع بها نحو سعادة الفرد والجماعة. وهي حركةٌ لا تكتسب الحياة الحقيقية إلا في ظلِّ الفهم الصحيح لخصائص تيار النفاق في المجتمع، والمواجهة الجادة له.