[rank_math_breadcrumb]

دراسة عن الخضر عليه السلام ودوره في بناء الحضارة الإلهية

دراسة عن الخضر عليه السلام ودوره في بناء الحضارة الإلهية

الخضر عليه السلام؛ رمز الصبر و الحكمة في الإرادة الإلهية

الخضر عليه السلام هو من الشخصيات الفريدة في التاريخ الإسلامي، حيث يُعرف بالعمر الطويل والحكمة البالغة والقدرة على الهداية بأمر الله. ورد ذكره في القرآن الكريم في سياق تعليمي مع النبي موسى(عليه السلام)، حيث أظهر دورًا مميزًا في تجسيد العلم الإلهي الذي يتجاوز الإدراك البشري. يهدف هذا المقال إلى استعراض حياة الخضر وسيرته في الروايات والكتب التاريخية، واستنباط الدروس الحضارية مع التركيز على الأبعاد الحضارية الضرورية في بناء المجتمع الإسلامي الحديث.

لمحة عن حياة الخضر عليه السلام بين الروايات والأخبار الواردة

الخضر عليه السلام هو أحد الشخصيات التي تحمل غموضًا كبيرًا في التاريخ. لقد وردت روايات مختلفة حول زمن وجوده، فقيل إنه كان في زمن الملك أفريدون بن الضحاك حسب رأي عامة علماء أهل الكتاب، وقيل إنه كان قائدًا على مقدمة جيش ذي القرنين الأكبر الذي عاش في عهد النبي إبراهيم الخليل عليه السلام.[1] وأما القول الشهير فهو يشير أنه كان معاصرًا للنبي موسى بن عمران عليه السلام.

وردت أسماء كثيرة للخضر ولكن الاسم الذي اختصته الروايات أكثر من غيره هو تاليا، وقد ذكر الإمام الصادق عليه السلام سلسلة آبائه أيضاً و لم يكتف بالاسم مفردا فقال: “وكان اسمه تاليا بن ملكان بن عابر بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام” [2]. أما  الاسم الذي يعرف به فهو لقبه الذي اشتهر به حتى غلب على اسمه. و لهذا اللقب مبارك اسباب تذكر، منها:

  • أنه إذا صلى في مكان اخضرّ ما حوله. [3]
  • أنه قعد على فروة[4] بيضاء، فاهتزت تحته خضراء.
  • سُمّى خضراً لحسنه وإشراق وجهه.[5]
  • أنه لا يجلس على خشبة أو أرض يابسة، إلا و اخضرّت وأزهرت. [6]

وورد عن أبي عبد الله عليه السلام أن الخضر كان من أبناء الملوك، ولكنه كان متعلقا بالله عز و جل و تخلى عن الدنيا في بيت يعبد فيه الله.[7]  كما روى أنه كان على مقدمة ذي القرنين الذي كان يبحث عن عين الحياة، التي لم يشرب منها أحد إلا بقي حياً إلى يوم يُبعثون، فظفر الخضر بها بينما حُرم منها ذي القرنين. [8]  يروى أن  مناخ الخضر و مسكنه هو مسجد السهلة[9]، وهناك مقامات و مساجد عديدة تُنسب إليه.

 الخضر؛ نبيٌ من أنبياء الله أم ولي من أوليائه؟

لقد اختلف آراء العلماء في حقيقة العبد الصالح المذكور في الآية الكريمة: “فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا”[10]. رغم أن القرآن لم يصرّح اسم هذا العبد الذي كان علمه يفوق علم موسى، إلا أنه ورد في الروايات أنه كان الخضر عليه السلام.[11]

ولكن هناك من يقول أنه كان ولياً من أولياء الله أوتي علماً دون نبوة[12]، بينما هناك من يعتقد بنبوّته[13]، وأحد مستنداتهم هي الآية نفسها، إذ أن هذا العبد الصالح قد أُعطي رحمةً خاصةً وعلمًا مباشرًا من الله. كما يظهر في قصة لقاء النبي موسى  بالخضر عليهما السلام، هناك معان عميقة حول رحمة الله وعلمه، هذه الرحمة ليست مجرد نعم مادية تُكتسب بالجهد، بل هي منحة باطنية ذاتية من الله، و تشير إلى منزلة روحية عالية يمنحها الله لمن اصطفاهم. أما العلم فهو علم لدني يأتي مباشرة من عند الله دون أن يكون مكتسبًا عن طريق الفكر أو الحواس، ويمكن أن يشمل تأويل الأحداث وفهم حكمتها الباطنة.[14] لذلك فإن تصرفاته تدل على نبوة فريدة، استلهم منها كليم الله عبرة و خبرة.

مواهب و قدرات الخضر عليه السلام

لقد وهب الله عز وجل للخضر عليه السلام قدرات استثنائية جعلته يتحرك بحرية تامة في الكون لأداء مهامه دون عوائق. من هذه القدرات هي قدرته على الاحتجاب عن الأنظار، حيث يمكنه رؤية الناس وسماعهم دون أن يُرَى، وقد ورد في روايات عديدة مثل تعزيته لأهل البيت عليهم السلام وصحبته لهم أنه كان حاضرًا بصوته دون ظهور شخصه. فقد روي عن الإمام الرضا عليه السلام أنَّه قال: «إِنَّ اَلْخَضِرَ عليه السلام شَرِبَ مِنْ مَاءِ اَلْحَيَاةِ، فَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ حَتَّى يُنْفَخَ فِي اَلصُّورِ، وَإِنَّهُ لَيَأْتِينَا فَيُسَلِّمُ فَنَسْمَعُ صَوْتَهُ وَلَا نَرَى شَخْصَهُ، وَإِنَّهُ لَيَحْضُرُ حَيْثُ مَا ذُكِرَ، فَمَنْ ذَكَرَهُ مِنْكُمْ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ…»[15]

كما أنه أُعطي قدرة على طي الأرض وقطع المسافات الطويلة في وقت قصير، وهذا ما يظهر من الروايات التي تتحدث عن مساعدته للناس في الأماكن النائية.

وأُعطي كذلك قدرة المشي على الماء وكأنه يمشي على اليابسة، وهو ما ورد ذكره في حرز النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المعروف بحرز أبي دجانة الأنصاري في عبارته: «وَبِالْاِسْمِ اَلَّذِي يَمْشِي بِهِ اَلْخَضِرُ عليه السلام عَلَى اَلمَاءِ فَلَمْ تَبْتَلَّ قَدَمَاهُ»[16].

محطات مؤثرة في قصة الخضر وموسى عليهما السلام

طالما سمعنا و تلونا قصة موسى عليه السلام الذي قصد العبد الصالح في القرآن الكريم. إنها رحلة نادرة قام بها نبي مرسل من أولي العزم مع فتاه. فيا ترى لم هذا العناء، وهو المنادى بشاطئ الوادي المقدس، والمناجي لربه عز وجل، ومن وقف و البحر من أمامه و فرعون من وراءه قائلا: ” إن معي ربي سيهدين”. فیا تری من ذلك الذي يستحق كل هذا العناء؟

تبدأ القصة عندما أوحى الله إلى موسى أن هناك عبدًا صالحًا لديه علم خاص لم يعطه الله لأحد غيره ولا حتى لموسی. أراد موسى لقاء هذا العبد، وطلب من الله الإذن بذلك. سافر مع فتاه (يوشع بن نون) في رحلة شاقة بحثًا عن الخضر. أخبره الله أن علامته ستكون عند مجمع البحرين، حيث سيختفي الحوت الذي كان يحمله للطعام. عند وصولهما إلى الموقع، نسيا الحوت الذي تسلل إلى البحر بطريقة إعجازية. قال موسى لفتاه بعد أن شعرا بالتعب:(آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا)[17] فتذكر الفتى الحوت وقال:(فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ… فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا)[18]. عاد موسى إلى مكان فقدان الحوت وهناك التقى بالخضر عليه السلام.

عندما طلب موسى من الخضر أن يتبعه ليتعلم منه، وافق الخضر  شرط ألا يسأله عن شيء حتى يشرح له بنفسه. وبدأت الأحداث الثلاثة التي أظهرت الحكمة الإلهية وراء أفعال الخضر.

  1. خرق السفينة:

يروي المفسرون أن الخضر وموسى عليهما السلام كانا يسعيان لعبور البحر إلى وجهة أخرى، فاستقلا سفينة تعرف صاحبها على الخضر عليه السلام وسمح لهما بالركوب. أثناء الرحلة، قام الخضر بخرق السفينة عن عمد، حيث نزع لوحين من ألواحها، مما تسبب بتسرب الماء إليها. أما موسى عليه السلام، الذي كان يراقب هذا الفعل، أدرك أن استمرار التسرب قد يؤدي إلى غرق السفينة ومن عليها، فسارع بحشو موضع الخرق بثوبه[19]. من المرجح أن ركاب السفينة لاحظوا الأمر وسعوا إلى إصلاح الضرر بشكل مؤقت.[20]

بعد هذا الفعل، أصبحت السفينة معيبة وبارزة العيوب، مما جعلها أقل عرضة للطمع أو المصادرة. موسى، بصفته نبيًّا يشعر بمسؤولية الحفاظ على الأرواح والممتلكات، لم يستطع السكوت عما رآه من الخضر، فاعترض مستنكرًا: (أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْرا). فأجابه الخضر مذكّرًا بما سبق أن نبّهه إليه: (أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً).[21]

كان ظاهر التصرف الذي قام به الخضر (عليه السلام) سيئاً مشينا، ولكن كان يحمل في باطنه غاية نبيلة يتمثل في حماية مصالح أصحاب السفينة المساكين. (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً) (الكهف: ٧٩) و خرق السفينة جعلها أقل جاذبية له مما يضمن عدم استيلائه على السفينة، والنتيجة هي أن المساكين لم يفقدوا سفينتهم.

  1. قتل الغلام

بعد أن خرج موسى والخضر عليهما السلام من البحر، واصلا سيرهما في البر، حيث لقيا غلاماً يلعب بين الصبيان. كان هذا الغلام من أحسنهم وأصبحهم، عليه قميص أخضر من الحرير، وفي أذنيه درّتان. أقبل الخضر عليه السلام نحو الغلام وقام بقتله. اختلفت الروايات في كيفية تنفيذ ذلك، فمنها من ذكرت أن الخضر ذبحه أو صرعه أو وكزه أو استخدم طرقاً أخرى[22]، المهم  أن الغلام قُتل بيد الخضر.

كان هذا الفعل صادماً لموسى عليه السلام، فغضب واستنكر قائلاً: (أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً)[23]. ردّ الخضر مذكّراً موسى بأن عقل الإنسان لا يمكن أن يحكم على أفعال الله وأوامره، قائلاً: اصبر لما ترى مني، فقد علمت أنك لن تستطيع معي صبراً. عندها، أدرك موسى عليه السلام خطأه في الاعتراض، وقال: (إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً).[24]

يقول المفسرون إن الغلام كان له والدان مؤمنان، بينما كان غلامهما خلاف ذلك، وأنه سيرهق والديه بالطغيان والكفر و يجيبانه من فرط حبهما لها[25]. (وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا)[26] أما ما عوض به الله الوالدين عن هذا الغلام كان عظيماً; فقد رزقا من بعده بجارية ولدت نبياً.[27] بل وحسب بعض الروايات أنها ولدت سبعين نبياً. [28]

  1. إقامة الجدار:

وصل موسى والخضر (عليهما السلام) إلى قرية، فاستطعما أهلها ولكن أهل القرية رفضوا أن يضيفوهما. روي أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) وصف أهل هذه القرية، فقال: «كَانُوا أَهْلَ قَرْيَةٍ لِئَامٌ».[29]

وقد يكون سبب هذا الاستطعام هو إما أن زادهم قد نفد في تلك الرحلة، أو أن الخضر (عليه السلام) تعمد في طرح هذا الاقتراح لكي يعطي موسى (عليه السلام) الدرس الأخير[30] .

وجد الخضر جدارًا مائلًا كاد أن يسقط، فأقامه. ويُذكر أنَّه وضع يده عليه وقال: قُمْ بِإِذْنِ اَلله، فَقَامَ، وقد ورد أنَّه توسَّل بآل محمّد (عليهم السلام) فأنجح الله طلبته.[31] هنا انتهى صبر موسى، إلَّا أنَّ اعتراضه هذه المرَّة بدا خفيفاً، فقال: (لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً)[32] عندها قال له الخضر: (هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ)[33]. وكان سر ذلك الجدار أنه قد أودع كنز تحته ليتيمين من قبل رجل صالح، وكان صلاحه سبباً في أنْ تهبط الرحمة على هذين اليتيمين، فأقام الخضر (عليه السلام) الجدار لكي يبقى الكنز محفوظاً، حتَّى يبلغ اليتيمان، ويستخرجاه.

(وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ).[34] كما روى أن ذلك الكنز لم يكن كنزا ماديا، بل كان لوحا من ذهب خُطّت عليه مجموعة من العبارات الحكيمة.[35]

وقبل الفراق شرح الخضر حكمته الإلهية وراء هذه الأفعال، وأنه: (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا)[36]

إن الغرض الأساسي من هذه الآيات هو توضيح قصة واحدة و ثلاث اعتراضات و ليس تقديم ثلاث قصص منفصلة. و عبرت كل من هذه الأفعال الثلاثة عن حكمة إلهية.

أظهر الخضر خلال رحلته مع موسى أن ظاهر الأحداث قد يختلف في كثير من الحالات عن حقيقتها الباطنية. فقد يبدو الحدث قبيحا أو غير منطقي في الظاهر، بينما يكون مقدساً و مدروسا بحكمة في باطنه. [37] وفي الوقت ذاته يصرّح الخضر أن هذه المعرفة هي “مما عُلِّمتُ” و لم يقل “مما عَلِمْتُ” [38]. هذا يدل على الأدب الجميل الذي كان يتمتع به الخضر إذ أنه لم ينتسب  العلم بباطن الأعمال إلى نفسه، بل وأضاف عيب السفينة إلى نفسه بقوله: (فأردت أن أعيبها)[39] بينما أضاف الخير إلى الله قائلاً: (فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ)[40]

ولكن، قد يقوم الله سبحانه وتعالى في بعض الأحيان بسلب النعمة من الإنسان بسبب عدم شكره، ولكن السؤال هو: هل يستطيع إنسان ما من الناحية الفقهية والتشريعية أن يسلب النعمة من الغير، أو يلحق الضرر والأذى بهم بسبب عدم شكرهم؟

والجواب هو أننا نجد في هذا العالم نظامين تكويني وتشريعي كلاهما خاضع لله تعالى، ولهذا فليس هناك مانع من أن يأمر الله مجموعة من البشر بتطبيق النظام التشريعي، بينما يأمر مجموعة أخرى بتطبيق النظام التكويني. بعبارة أخرى، إن الله يكلف بعض عباده وأولياءه بالبواطن، بينما يكلف البعض الآخر بالظواهر، و لكليهما ضوابطهما وأصولهما الخاصة. فموسى عليه السلام كان الأعلم في نظام التشريع الإلهي، لكنه لم يكن مأمورًا بمعرفة الأسرار الباطنية التي كان الخضر مطلعًا عليها.[41] إذن فالظاهر والباطن كما هو التشريع والتكوين خطان متناسقان، يؤدي كلاهما إلى الكمال ولكنهما يختلفان في التفاصيل. و هنا يختلف الخضر و موسى عليهما السلام لأن وظيفة كل منهما الإلهية تختلف عن الآخر.

لقاء الخضر المستمر مع الأنبياء والأصفياء

الخضر عليه السلام، ذلك العبد الصالح، عاش عصور الأنبياء متعاقبة، و ينبض قلبه بأمل جديد لإصلاح البشرية. ولكن حين أشرقت شمس خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم شهد عندها موكب نور الإمامة، فظل يقتفي أثر هذا النور، متشبثا بقبسات هدايتهم. وقد رويت أحاديث عديدة عن لقاء الخضر بالأئمة عليهم السلام و تبادلهم الحديث معا، نذكر بعضاً منها هنا:

  • لما قُبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، جاء معزياً أهل بيته، فَقَالَ أَمِيرُ اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): هَذَا أَخِي اَلْخَضِرُ عليه السلام، جَاءَ يُعَزِّيكُمْ بِنَبِيِّكُمْ صلّى الله عليه وآله وسلم»[42]
  • يروي التاريخ أن الزمان قد جمع مراراً بين الخضر و أمير المؤمنين عليه السلام فيتبادلان الحكم و جواهر العلم المكنون الذي حوته حناياهما.[43] وقد وردت أدعية عديدة عن أمير المؤمنين عليه السلام عن الخضر عليه السلام، بما فيها دعاء كميل بن زياد.
  • يحدّث المؤرخون أنه بعد شهادة أمير المؤمنين عليه السلام، جاء رجل باكياً ووقف أمام باب بيت أمير المؤمنين عليه السلام نادباً إياه، تالياً الدعاء المعروف: “رحمك الله يا أبا الحسن…”
  • لقد ظهر الخضر عليه السلام في زمن العديد من الأئمة بما فيهم الإمام السجاد والباقر و الصادق و الرضا عليهم جميعاً آلاف التحية والسلام، وكان يظهر في كل لقاء نوع العلاقة التي تربطه معهم، وهي علاقة المأموم بالإمام فيأتمر بأمره وينتهي بنهيه.[44]
  • وأخيراً و ليس آخراً، فإن الخضر عليه السلام أنيس الإمام الحجة عجل الله فرجه الشريف في غربته، كما قال الرضا عليه السلام: «وَسَيُؤْنِسُ اَللهُ بِهِ وَحْشَةَ قَائِمِنَا فِي غَيْبَتِهِ، وَيَصِلُ بِهِ وَحْدَتَهُ»[45]، وسنتناول ذلك في الموضوع التالي.

الخضر عليه السلام أنيس الإمام المهدي عجل الله فرجه في غيبته

شاءت إرادة الله أن يصبح الخضر عليه السلام أحد الشخصيات التي ترافق الإمام المهدي عجّل الله فرجه في غيبته، ليكون أنيسًا له ومؤتمِرًا بأوامره. کما يُظهر الله في شخصية الخضر عليه السلام برهانًا على قدرته في إطالة عمر عباده المخلصين، مما يعزز الإيمان بإمكانية بقاء الإمام المهدي عجّل الله فرجه حيًا طوال فترة الغيبة. كما أن هناك قواسم مشتركة بينهما، من أبرزها:

  • طول العمر الذي اختص بهما الله.
  • الغيبة عن أعين الناس وعدم الظهور إلا عند الحاجة.
  • الظهور المؤقت لبعض الأشخاص بحسب المصلحة الإلهية.
  • السرّيّة في التحركات والمهام.
  • التشابه في أداء بعض الوظائف الإلهية مثل إرشاد الضالين.

 

كيف تلهم قصة الخضر وموسى نهجًا حضاريًا قائمًا على القيم الإلهية؟

هناك مؤلفات ومبادىء في شخصية الخضر عليه السلام التي أظهرها عند لقائه مع موسى عليه السلام يمكن اعتبارها حجر الأساس لبناء حضارة إلهية إسلامية حديثة قائمة على العدالة والحكمة والتوازن، وفيما يلى تفصيل لهذه المؤلفات:

الحكمة الإلهية؛ أساس الحضارة الإلهية

يمثل الخضر عليه السلام العلم الإلهي الذي يتجاوز حدود العقل البشري. لقد حملت جميع تصرفاته التي قد بدت غير منطقية و خاطئة تماما دلالات حضارية مهمة. إن خرق السفينة كان إجراء وقائيا لحماية الفقراء و تجنب الظلم، مما يعكس أهمية هذا الإصلاح الوقائي في تجنب الكوارث المجتمعية. وأما قتل الغلام، فقد كان تخطيطاً لستقبل يهدف إلى حماية عائلة مؤمنة من الفتن، مما يعكس أهمية النظر بعيد المدى في القرارات الاصلاحية.

العمل الإجتماعي و الاهتمام بالضعفاء

لقد تجلى البعد الاجتماعي في أفعال الخضر عليه السلام في الاهتمام بحماية الفئات الضعيفة والمهمشة. في قصة بناء الجدار، كان الهدف حماية حق الأيتام في الكنز الذي تركه والدهم، مما يبرز دور المسؤولين والقادة في حماية حقوق الأفراد الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم، وهو جانب محوري لأي حضارة مزدهرة.

العدالة الإلهية كأساس للتمدن

إن العدالة ليست فقط في المظاهر، بل في تحقيق الغايات. هذا ما بينه الخضر عليه السلام من خلال قتل الغلام، مما يُظهر أن العدالة أحيانًا قد تستلزم التضحية بفرد من أجل حماية أسرة كاملة أو مجتمع..

الصبر والتعلم؛ شرط النهضة الحضارية

الحضارة لا تُبنى بالعجلة، ولا تستمر دون التعلم المستمر. فالصبر والتعلم عنصران أساسيان لتحقيق النهضة الحضارية. الالتزام بالصبر ضروري لفهم حكمة الله في الأحداث، والسعي الدائم وراء المعرفة أساسي لتوسيع الأفق والعمل بحكمة. هذا التوازن بين الصبر والتعلم هو الأساس الذي يمكن أن تبنى عليه حضارة إنسانية مستدامة قائمة على القيم الإلهية.

لقد أظهر الخضر عليه السلام صبرا لا مثيل له منذ اللحظة الأولى التي التقى فيها بموسى عليه السلام و خلال جميع خطواته.

 

الثقة في تدبير الله والبعد الغيبي

إن جميع أفعال الخضر و تصرفاته و قراراته التي أظهرها خلال رحلته مع موسى عليه السلام كانت بأمر إلهي، مما يكشف عن أهمية الثقة في تدبير الله والبعد الروحي في بناء المجتمعات. هذا الأساس الروحي المتين يخلق إيمانا يجعل الإنسان قادرًا على اتخاذ قرارات جريئة لتحقيق الخير، حتى وإن لم تكن هذه القرارات مفهومة للجميع.

ضرورة الولایة والطاعة للقائد

إنَّ الولایة والطاعة للقائد الإلهي هي أساس بناء المجتمع الإسلامي وتكامله. فتوحید الربوبیة، الذي هو تجلٍّ مباشر للسیادة الإلهیة في الأرض، لا یتحقق إلا عبر الولایة. لأنها ترجمة عملیة الطاعة لله، و الواسطة بین العبد وربّه.

يختار الله سبحانه وتعالى أولیاءه ليكونوا مظاهر حكمه ونافذي إرادته، فولی الله لا ینطق إلا بما یأمره الله، ولا یحكم إلا بأمر الله. لذا، فإنَّ الطاعة لوليّ الله لیست مجرد التزام إنساني، بل هي تعبُّدٌ عقلي وروحي یُظهر عمق الإیمان بالله وتوحیده. ومن هنا یقول الإمام الخميني (قدس سره): “في الإسلام، الحاكمیة هي لله فقط، ولیس للبشر أي حق في التشریع أو إصدار الأحكام.

تجسّد قصة الخضر مع النبي موسى (عليهما السلام) أهمية الطاعة لوليّ الله بشكل جليّ. فموسى النبي، كان یعلم أن الخضر ولیّ من أولیاء الله، مع ذلك كان يسعى لفهم الحكمة وراء أفعال الخضر، وبدأ بالتساؤل والتردد رغم أنه كان قد طُلِب منه أن يتبع الخضر. هذا يُبرز أنَّ الطاعة لوليّ الله لا ينبغي أن تكون مبنية على فهمنا الشخصي للحكمة، بل على التسليم بأنَّ وليّ الله إنما ينفذ أوامر الله، كما قال الخضر: “وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي”[46] . كما أن ذلك لا یقتصر على الظاهر، بل یجب أن یمتدّ إلى القلب والنیة، فلا یجد المؤمن في نفسه أيّ اعتراض أو تضايق.

الغربلة والاختبار الإلهي

من السنن الإلهية التي تُرافق حیاة الإنسان في هذا العالم هي سنة الاختبار والغربلة. الله عز وجل یُظهر جوهر الناس عبر الابتلاءات والأحداث، لیكشف حقیقة مواقفهم وصدق شعاراتهم. أراد الله سبحانه أن يُعلّم موسى عبر الخضر في رحلتهما معا، أنَّ الحكمة الإلهية قد تكون خافية حتی على أذهان الانبیاء، وباتت أفعال الخضر التي كانت تبدو غير منطقية وخاطئة، ابتلاءً عمليًا لموسى، ليظهر مدى استعداده للطاعة حتى عندما لا يفهم الحكمة.

إن من أصعب وأثقل الاختبارات في التاریخ هي تلك التي ترتبط بمسألة الولایة والطاعة. هذه الفتنة قد تُزلزل النفوس، بل وتسقط البعض ممن كانوا یُعتبرون من “الخواص”.

الفتن التي تتعلق بالولایة تكشف مَن یثبت علی الطاعة الحقیقیة ومن یتراجع عند أول اختبار. الطاعة للولی تتطلب تعبدًا مطلقًا، كما كان الحال مع أمير المؤمنين علي (عليه السلام) الذي كان مثالًا للتعبّد الكامل لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، أو في موقف أبي الفضل العباس (علیه السلام) مع أخیه الإمام الحسین (علیه السلام). لم یتعامل العباس مع الإمام بعقل تحلیلي أو مصلحي كما فعل محمد بن الحنفیة، بل أطاعه تعبُّداً كاملاً، لأنه ولیّ الله.

“أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ یُتْرَكُوا أَنْ یَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا یُفْتَنُونَ”[47]، فالفتنة لیست إلا مرآة تُظهر الحقیقة وتُبرز المؤمنین الصادقین الذین یُضحّون بكل شیء من أجل الله وطاعة ولیّه. لقد بيّنت اعمال الخضر أن الاختبارات الإلهية ليست عبثية، بل هي أدوات لتربية النفوس وتكميلها، وأنَّ النجاح فيها يتطلب تسليمًا مطلقًا وتعبّدًا خالصًا لله ووليّه.

 

البنية الأخلاقية والمبادئ الإنسانية

إن البنية الأخلاقية والمبادئ الإنسانية التي تجلت في شخصية الخضر عليه السلام تعكس أهمية القيم الأخلاقية في بناء الحضارة الإلهية. حماية حقوق الأيتام وبناء الجدار دون مقابل يعكسان الإيثار والعمل المجتمعي. الحضارة التي تُبنى على القيم الأخلاقية تكون أكثر استدامة لأنها تعطي الأولوية للعدالة وحماية الضعفاء، مما يؤدي إلى مجتمع إلهي مزدهر ومستقر.

جميع هذه المؤلفات تمثل نموذجًا ربانيًا لبناء مجتمع متوازن يحقق الإصلاح ويحمي الحقوق، مع ارتباط وثيق بالقيم الإلهية والأخلاقية.

إن حياة الخضر عليه السلام تشكل منبعًا لا ينضب للحكمة والإلهام، حيث  أننا تعلّمنا قصصه دروسًا عميقة في الصبر، والإصلاح، والتوكل على الله. تجوب شخصيته أزمنة متباينة، ترى الأجيال تتهاوى والحضارات تنهار، منتظرة اليوم الذي يظهر فيها المولى على الملأ، صابرة على مدى الدهور. يكفي أنه القائل لكليم الله: “إنك لن تستطيع معي صبراً”، و لم تكن هذه الكلمات إلا بوابة لعالم من الحكمة المغلفة بالغموض. إن استلهام هذه المبادئ يمكن أن يكون حجر الأساس لبناء حضارة إسلامية متجددة تُعلي قيم العدالة والرحمة.

الخضر عليه السلام ليس مجرَّد وليّ من أولياء الله بل هو باب مفتوح نحو الغيب وسرٍّ من أسرار العوالم المخفيَّة.  ليس هذا فحسب، بل إنَّ له علاقة فريدة بالإمام المنتظَر عجّل الله فرجه، فهو رفيق الإمام ومؤنسه في زمن الغيبة والارتباط به يعني فتح أبواب التواصل وإشعال شرارة التفاعل الروحي مع الحجة الذي تنتظره القلوب.

استعرضنا في هذا المقال سيرة الخضر عليه السلام بين الروايات و الأحاديث والآيات التي اختصته، كما قمنا بمراجعة بعض المؤلفات التي نستلهمها منه في بناء مجتمع إلهي.

 

 

[1] المیزان ج ١٣ ص ٣٨٦

[2] نفس المصدر

[3] مجمع البيان ج٦ – ص ٢٨٨

[4] الفروة هي الهشيم اليابس أو الأرض التي لا نبات فيها.

[5] ابن كثير – ص٥٢١

[6] علل الشرائع (ج ١/ ص ٦٠/ باب ٥٤/ ح ١)

[7] بحار الأنوار – ج ١٣ – ص ٢٩٧ بحار الأنوارط مؤسسةالوفاءالعلامة المجلسيمکتبة مدرسة الفقاهة

[8] قال الإمام الصادق (عليه السلام): “إن الخضر شرب من ماء الحياة فهو حيّ لا يموت حتى يُنفخ في الصور”. الكافي، ج١ ص ٣٨٤

[9] عن أبي عبدالله علیه السلام قال : مسجد السهلة مناخ الراكب ، قيل : ومن الراكب؟ قال : الخضرعلیه السلام / فروع الكافى ١ : ١٣٩

[10] الكهف: ٦٥

[11] الميزان ج ١٣ ص ٣٣٩

[12] الغيبة للطوسي (ص ١٧٢)

[13] ابن کثیر، اسماعیل، قصص الانبیاء، ص ٥٢٢ ، تفسير  الميزان ج ١٣ – ص ٣٥٢

[14] المیزان ج ١٣ ص ٤٧٥

[15] كمال الدِّين (ص ٣٩٠/ باب ٣٨/ ح ٤)

[16] بحار الأنوار (ج ٩١/ ص ٢٢١/ ح ١٩)

[17] . (سورة الكهف، الآية 62).

[18] . (سورة الكهف، الآية 63)

[19] مجمع البيان (ج ٦/ ص ٣٦٩)

[20] تفسير الأمثل (ج ٩/ ص ٣٢٢)

[21] . (الكهف: 71-72).

[22] مجمع البيان (ج ٦/ ص ٣٦٩)، وبحار الأنوار (ج ١٣/ ص ٢٨٤)

[23] . (الكهف: 74)

[24] . (الكهف: 76)

[25] عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: «وَعَلِمَ اَللهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِنْ بَقِيَ كَفَرَ أَبَوَاهُ، وَاِفْتَتَنَا بِهِ، وَضَلَّا بِإِضْلَالِهِ إِيَّاهُمَا، فَأَمَرَنِيَ اَللهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَتْلِهِ، وَأَرَادَ بِذَلِكَ نَقْلَهُمْ إِلَى مَحَلِّ كَرَامَتِهِ فِي اَلْعَاقِبَةِ» علل الشرائع (ج ١/ ص ٦١/ باب ٥٤/ ح ١)

[26] . (سورة الكهف:81-80).

[27] في تفسير العيَّاشي (ج ٢/ ص ٣٣٦/ ح ٥٩) رواية تقول: «وَلَدَتْ لَهُمَا جَارِيَةٌ، فَوَلَدَتْ غُلَاماً؛ فَكَانَ نَبِيًّا».

[28] تفسير العيَّاشي (ج ٢/ ص ٣٣٦ و٣٣٧/ ح ٦٠)

[29] مجمع البيان (ج ٦/ ص ٣٧٤)

[30] تفسير الأمثل (ج ٩/ ص ٣٢٤).

[31] (ص ١٩٣ و١٩٤/ ح ٩٠)

[32] . (الكهف: ٧٧)

[33]. سورة الكهف:78:  روي أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) وصف أهل هذه القرية، فقال: «كَانُوا أَهْلَ قَرْيَةٍ لِئَامٌ» مجمع البيان (ج ٦/ ص ٣٧٤)

[34] . (سورة الكهف:82).

[35] تفسير الميزان (ج ١٣/ ص ٣٥٨).

[36] . (سورة الكهف، الآية 82)

[37] القرآن الكريم، ترجمة و تفسير آيات منتخبة، مكارم الشيرازي، ص ٣٠١

[38] الميزان، ٠ ١٣، ص ٣٤٣

[39] الكهف ٧٩

[40] . (الكهف 82) / أحكام وآداب وفوائد من قصة موسى والخضر (خطبة)

[41] القرآن الكريم، ترجمة و تفسير آيات منتخبة، مكارم الشيرازي، ص ٣٠١

[42] كمال الدِّين (ص ٣٩١/ باب ٣٨/ ح ٥)

[43] مناقب آل أبي طالب (ج ٢/ ص ٨٥)

[44] رجل الغيبدراسة تعنى بالخضر (عليه السلام) (ص ١٣٥ – ص ١٥٥)

[45] بحار الأنوار – ج٥٢- ص ١٥٢

[46] الكهف: ٨٢

[47] العنكبوت: ٢

المشارکة

مقالات مماثلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *