مقارنة سقيفة بني ساعدة بعالم الإسلام اليوم؛ العِبر التاريخية لواقعنا المعاصر
تُعَدُّ حادثةُ سقيفةِ بني ساعدة من أكثر الأحداث مصيريةً في تاريخ الإسلام؛ فهي ليست مجرد قرارٍ سياسي اتُّخذ في مرحلةٍ تاريخيةٍ معينة، بل تمثل نقطةً مفصليةً وحاسمةً في مسار هداية المجتمع الإسلامي.
ففي الأيام التي كانت الأمة الإسلامية لا تزال تعيش أجواء الحزن على رحيل النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، اجتمعت مجموعةٌ من الناس في سقيفة بني ساعدة، واختارت مسارًا لإدارة المجتمع وهدايته يختلف عمّا أعلنه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في غدير خم.[1] ومن هنا، فإن دراسة هذه الحادثة لا تقتصر على كونها بحثًا تاريخيًا، بل تمثل محاولةً لفهمٍ أعمق للعلاقة بين الهداية الإلهية واختيار الإنسان عبر مسيرة التاريخ.
عند تحليل قضية اختيار الخليفة في السقيفة، تبرز مسألةٌ تتجاوز أهمية الحدث التاريخي نفسه؛ وهي القضية التي تمنح المقارنة بين تلك الواقعة والظروف الراهنة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بل وفي جميع الأزمنة، معناها الحقيقي. فالسقيفة ليست مجرد حادثةٍ تعود إلى القرن الأول الهجري، وإنما هي نموذجٌ لاختبارٍ إنسانيٍّ كبير؛ اختبارٍ يتعلق بالقدرة على تشخيص الأولويات ومدى الثبات على طريق الحق.
وفي مثل هذه المنعطفات المصيرية، يجد الإنسان نفسه أمام خياراتٍ متعددة بين المصالح الشخصية، والاعتبارات الظاهرية، وبين الالتزام بالمسار الإلهي. وهو اختيارٌ لا يقتصر أثره أحيانًا على مصير الفرد وحده، بل قد يمتد ليؤثر في اتجاه حركة المجتمع بأسره، بل وحتى في مستقبل الأجيال القادمة.
من هذا المنطلق، فإن القرارات التي اتُّخذت في صدر الإسلام لم تقتصر آثارها على تلك المرحلة الزمنية فحسب، بل ترتبت عليها نتائج تجاوزت حدود عصرها. فابتعاد قيادة المجتمع عن مسار الإمامة المعصومة والمتخصصة لم يكن مجرد تغييرٍ في بنية السلطة السياسية، بل ترك آثارًا تدريجيةً في أساليب تربية الإنسان، وفي رؤيته للحياة، بل وحتى في الاتجاه الحضاري الذي سلكته المجتمعات الإنسانية.
وعندما يبتعد المجتمع عن المربي الإلهي المعصوم، تزداد احتمالات هيمنة الرؤى البشرية والمادية البحتة على عملية التربية وإدارة شؤون المجتمع، وهو ما ينعكس بصورةٍ مباشرة على مسار تطوره الفكري والأخلاقي والحضاري.
ولهذا، فإن مقارنة سقيفة بني ساعدة بعالم الإسلام اليوم ليست مجرد تشبيهٍ تاريخي، بل هي محاولةٌ لفهم حقيقةٍ متجددةٍ دائمة الحضور. فكل مجتمع، بل وكل إنسان، يواجه اختبارًا مشابهًا في مراحل مختلفة من التاريخ. وإن طبيعة الموقف من الإمام أو من نائب الإمام في كل عصر ترسم مستقبلًا مختلفًا للأمة؛ مستقبلًا لا تقتصر آثاره على الحاضر فحسب، بل تمتد لتؤثر في مصير الأجيال اللاحقة أيضًا.
ومن هنا، فإن إعادة قراءة تجربة السقيفة يمكن أن تمثل فرصةً للتأمل في مسؤولياتنا الراهنة، وفي الدور الذي تؤديه الخيارات الجماعية في رسم معالم مستقبل الأمة والشعوب.
في هذه المقالة، سنسعى من خلال تحليل واقعة السقيفة وتعميم دلالاتها على مختلف العصور، إلى دراسة الأسباب التي أدت إلى انتصار الشيعة – الإيرانيين خاصة – في «سقيفة اليوم».
لمحة عن حادثة سقيفة بني ساعدة
بعد رحيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبينما كان الإمام علي (عليه السلام) منشغلاً بتغسيله وتجهيزه ودفنه، كان عددٌ من المهاجرين والأنصار قد اجتمعوا في مكان يُعرف بسقيفة بني ساعدة، حيث كانوا يؤسسون لأكبر فتنة شهدها العالم الإسلامي. فقد تجاهلوا واقعة غدير خم، وتجاوزوا حقيقة أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قد أعلن أمام ذلك الجمع العظيم خليفته من بعده على مرأى ومسمع من الناس، واختاروا أبا بكر خليفةً لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). وكان ذلك في وقتٍ لم يكن فيه خلال حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أيُّ قرارٍ أو حكمٍ يقضي بالشورى في تعيين الخليفة أو انتخابه؛ لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قد عيَّن الخليفة ونصَّبه بأمرٍ من الله تعالى.
ويروي سلمان الفارسي أنه عندما نقل خبر فتنة السقيفة إلى الإمام علي (عليه السلام)، وكان آنذاك منشغلاً بتغسيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال له الإمام: إن ذلك الشيخ المسن الذي صعد المنبر أولاً وبايع أبا بكر كان الشيطان نفسه. ثم أضاف أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أخبره بأن إبليس وأعوانه شهدوا واقعة غدير خم، ورأوا اختيار الإمام علي (عليه السلام) ومبايعة الناس له، فقالوا عندئذٍ: «لم يعد لنا سبيلٌ إلى هؤلاء؛ فقد عرفوا ملجأهم بعد نبيهم (صلى الله عليه وآله وسلم)». ولذلك أصاب الشيطان الحزن واليأس.
ثم أخبر الإمام علي (عليه السلام) سلمانَ بأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قد حذَّره مسبقاً من أن أول من سيبايع أبا بكر هو الشيطان، الذي سيتجسد في هيئة شيخٍ كبير السن، ويقول عند البيعة: «اليوم يومٌ كيوم آدم». أي إنه يوم نقض أمر الله، والانحراف عن طريق الولاية والإنسانية.
وتابع الإمام (عليه السلام) قائلاً: إن الشيطان، بعد خروجه من ذلك المجلس، يجمع الشياطين من حوله، فيسجدون له ويقولون: يا سيدنا العظيم، أنت الذي أخرجت آدم من الجنة. فيجيبهم: وهل ضلت أمةٌ بعد نبيها إلا وكان لي فيها نصيب؟ أظننتم أنني فقدتُ سبيلي إلى هؤلاء؟ كيف وجدتم خطتي الآن، بعدما تجاهلوا أمر الله وحكم رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) بوجوب طاعة علي (عليه السلام)؟[2]
كيفية مواجهة الناس لفتنة السقيفة
إن المقارنة بين سقيفة بني ساعدة وعالم الإسلام اليوم لا يمكن أن تكون واضحة ما لم نتعرف أولاً إلى الكيفية التي واجه بها الناس القرار الذي صدر في السقيفة بعد رحيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
يروي سلمان الفارسي أنه في إحدى الليالي، أركب الإمام علي (عليه السلام) السيدة فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) على دابة، وأخذ بيدي الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام)، ثم توجه إلى بيوت جميع المشاركين في غزوة بدر من المهاجرين والأنصار. وكان يذكّرهم بحقه، ويطلب منهم النصرة والبيعة. وقد استجاب له في البداية أربعة وأربعون رجلاً.
ثم أمرهم الإمام (عليه السلام) أن يحضروا في صباح اليوم التالي وقد حلقوا رؤوسهم، حاملين أسلحتهم استعداداً للبيعة والنصرة. غير أنه عند الصباح لم يفِ بوعده سوى أربعة أشخاص فقط، وهم: سلمان، وأبو ذر، والمقداد، والزبير.
وفي الليلة التالية عاد الإمام علي (عليه السلام) إلى دعوة الناس ومطالبتهم بالوفاء، وحدد لهم موعداً جديداً في صباح اليوم التالي، إلا أن أحداً لم يحضر سوى أولئك الأربعة. وتكرر المشهد نفسه في الليلة الثالثة أيضاً.
وعندما واجه الإمام (عليه السلام) هذا القدر من الغدر وعدم الوفاء، قرر الانصراف إلى جمع القرآن الكريم وترتيبه. وفي تلك الأثناء أرسل أبو بكر من يدعو الإمام إلى البيعة، إلا أن الإمام لم يستجب لدعوته.
وبعد عدة أيام، وبتحريضٍ من عمر، أرسل أبو بكر رسولاً آخر يدعو الإمام علياً (عليه السلام) للحضور والبيعة. فرفض الإمام مجدداً، وذكّرهم بميثاق غدير خم وبحقه في الولاية.
وفي المرة التالية، وبناءً على طلب عمر الذي كان أشدَّ صرامةً، أُرسل رجلٌ عُرف بالشدة والعنف يُدعى قنفذ لاستدعاء الإمام. وقد أُعطي تعليماتٍ واضحة: إن أُذن لكم بالدخول فادخلوا، وإن لم يُؤذن لكم فادخلوا بغير إذن.
وفي هذه الظروف، وقفت السيدة فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) مدافعةً عن ولي أمرها وإمامها، فمنعتهم من دخول الدار. وعندئذٍ، وبأمرٍ من عمر، جمعوا حطباً حول باب المنزل. ولما أصرَّ الإمام علي (عليه السلام) على عدم مبايعة الخليفة الذي اختارته السقيفة، أضرموا النار في بيت الإمام، ثم اقتحموا الدار بالقوة بعد الضغط على الباب ودخلوا المنزل.[3]
فاطمة في قلب ميدان الولاية
عندما منعت السيدة فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) المهاجمين من دخول المنزل، ضرب عمر بن الخطاب جنبها بغمد سيفه. وكان قد أمر قنفذًا قائلاً: إذا اعترضت فاطمة (سلام الله عليها) تنفيذ الأمر فاضربها. فدفع قنفذ السيدة الزهراء (سلام الله عليها) خلف الباب وضغطه عليها، فكسرت أضلاعها، وسقط جنينها، وأصبحت منذ ذلك الحين طريحة المرض، حتى استشهدت متأثرةً بما جرى لها.
وعندما شاهد الإمام علي (عليه السلام) ما حدث، أمسك بعمر وطرحه أرضًا. عندئذٍ هاجم الناس دار الإمام، ولما كانوا أكثر عددًا تمكنوا من السيطرة على الموقف. فاستل بعضهم السيوف، وأحاطوا بالإمام، ووضعوا حبلًا في عنقه، ثم ساقوه نحو المسجد.
وتقدمت السيدة فاطمة (سلام الله عليها) لتقف حاجزًا بين الإمام وبين المعتدين، إلا أن قنفذًا ضربها بسوطٍ شديد على ذراعها وأبعدها بالقوة.
كيفية أخذ البيعة من أمير المؤمنين وأصحابه
عندما أُخذ الإمام (عليه السلام) إلى المسجد مقيّدًا وتحت تهديد السلاح لإجباره على البيعة، وُجِّهت إليه الإهانات وتعرض للتهديد بالقتل. وفي أثناء ذلك أشار الإمام إلى ما أخبر به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مسبقًا من خيانة هذا القوم في السقيفة، ونقل عنه قوله: «إن وجدتَ أنصارًا فقاتِل معهم، وإن لم تجد ناصرًا فبايع واحفظ دمك». ثم أضاف الإمام: «والله، لو أن الأربعين الذين بايعوني وفوا بعهدهم، لنهضت للجهاد في سبيل الله». فهبَّ المقداد وسلمان وأبو ذر للدفاع عن الإمام، وألقوا كلماتٍ قوية في تأييده ونصرته. عندها نهض عمر غاضبًا وقال لأبي بكر: ألا تأمر بقتله؟ وفي تلك اللحظة قامت أم أيمن، حاضنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكذلك بريرة الأسلمية، فذكّرتا أبا بكر وعمر بما عدّتاه خيانةً للأمانة وتنكرًا للحق. وفي النهاية أُجبر الإمام على بيعةٍ رمزية، كما أُجبر الزبير وسلمان وأبو ذر والمقداد على البيعة بعد الإكراه والمواجهة.[4]
تحليل رد فعل الناس تجاه خيانة السقيفة
لقد واجه الإنسان، في كل عصرٍ وزمان، اختبارًا عظيمًا؛ اختبارًا لا يحدد حقيقته ومصيره فحسب، بل ينعكس بصورة مباشرة على مصير الأجيال القادمة أيضًا. وهذا الاختبار يتمثل في كيفية تعامله مع إمام عصره ووليه، وفي نوع الموقف الذي يتخذه تجاهه. ولم تكن مسألة خلافة الإمام علي (عليه السلام) قضيةً غامضة أو ملتبسة أو خفية على الناس. فالجميع إما شهد واقعة غدير خم بنفسه، أو سمع بما جرى فيها، ولم يكن أصل خلافة الإمام علي (عليه السلام) موضع شك لدى أحد. ولذلك يبرز السؤال: ما السبب الذي دفع الناس إلى خيانة الإمام والإعراض عنه؟ إن الجواب عن هذا السؤال يكمن في أسلوب حياة كل فرد، وفي منظومة أولوياته واختياراته.
أولويات الأفراد
من الأمور الجديرة بالتأمل أن أغلب الذين ردّوا يد البيعة للإمام علي (عليه السلام) بعد رحيل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكونوا من عامة الناس أو من الجهال، بل كانوا في معظمهم من المهاجرين والأنصار الذين أمضى كثير منهم سنوات طويلة في ميادين الجهاد.
وفي الحقيقة، فإن مقدار استجابة الإنسان للولاية لا يتوقف على حجم معلوماته أو كثرة تجاربه، بل يرتبط بدرجة معرفته بنفسه، وبمقدار الانسجام بين ما يحمله قلبه وما يجسده عمله، وبمدى توجهه الحقيقي نحو وليّ زمانه.
فقد يقضي الإنسان سنوات طويلة في العبادة والجهاد، ومع ذلك تبقى أمراض قلبه على حالها دون تغيير. والمأساة الكبرى أن الإنسان قد يُفتن أحيانًا بأعماله الصالحة، فينخدع بها ويغرق في تقديرها، حتى يغفل عن الرذائل والأخلاق الفاسدة التي تملأ نفسه وتدفعه نحو الهلاك.
إن العبادة والجهاد اللذين لا ينعكسان على أسلوب حياتنا، ولا يقوداننا إلى ترتيب الأولويات ترتيبًا صحيحًا، ليسا سوى سراب. عندئذٍ، في اللحظات الحاسمة والاختبارات الكبرى كاختبار طاعة الإمام، تتقدم المصالح الشخصية والاعتبارات الخاصة ـ كالأسرة والعمل والمال والمكانة الاجتماعية والسمعة وغيرها ـ على أمر الإمام وتوجيهه، فيُدفع الالتزام به إلى الهامش.
مستوى سلامة القلوب
كما أشرنا سابقًا، فإن العائق أمام الالتحاق بمسار الولاية ونصرة الإمام لا يتمثل في سوء ترتيب الأولويات فحسب، بل إن أمراض النفس وعلل القلب تتحول في كثير من الأحيان إلى قيودٍ ثقيلة تكبل الإنسان وتحول بينه وبين فهم الإمام وطاعته والدفاع عنه أو عن نائبه.
من هذه القيود النفسية: الخوف، والغرور، وحب الراحة، والنفاق، والحقد، وسائر الآفات التي تصدأ بها النفس.
وفي حادثة تخلي الناس عن الإمام علي (عليه السلام)، ينبغي البحث عن الأسباب في أولويات ومستوى سلامة نفوس الناس؛ إذ من غير المعقول أن يبلغ الإنسان سلامة النفس وصحة ترتيب الأولويات، ثم يفتقر إلى البصيرة والشجاعة اللازمتين لاختيار طريق نصرة إمام زمانه ومرافقته.
تحليل قلة الناصرين للحق
من الضروري لدارسي التاريخ الإسلامي أن يدركوا أن أحداث الإسلام والتشيع ليست مجرد قصص مثيرة أو حوادث ممتعة للقراءة والاستماع، بل إن الدروس الظاهرة والخفية الكامنة في كل موقف من مواقف النهوض أو الصمت أو الحياد أو الاستسلام، تحمل رسائل وعبرًا لنا وللأجيال المقبلة، تساعدنا على اجتياز المنعطفات الحادة والممرات الصعبة؛ تمامًا كما هو الحال في مقارنة سقيفة بني ساعدة بإيران اليوم.
وكثيرٌ منا قد يقع، عند دراسة موقف السيدة فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) في هذه الحادثة، في فخ الفهم السطحي للواقعة. فالسيدة فاطمة (سلام الله عليها) لم تُهتك حرمتها، ولم تُجرح، ولم تمرض، ولم تستشهد دفاعًا عن زوجها بوصفه زوجًا فحسب، بل إنها ضحّت بسمعتها وصحتها وكل ما تملك دعمًا لإمام زمانها وحمايةً له.
في قراءة التاريخ، نجد نساءً انقلبن على أزواجهنّ رغم يقينهنّ بحقّانية مقامهم، فصرن أدواتٍ لتنفيذِ مؤامرات الاغتيال. وتُعدّ حوادث استشهاد النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) والإمامين الحسن والجواد (عليهما السلام) من أبرز الأدلة على هذا الدور المشؤوم.
قدّمت السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) للأجيال درساً حيّاً في معنى الالتزام بالولاية، ولم يكن ذلك بكلماتها فحسب، بل بمواقفها كلّها: في خطابها، وفي فعلها، وحتى في حزنها وبكائها.
لقد كانت تؤدّي دوراً عظيماً في تعليم الناس كيف يكون موقفهم من الإمام، وكيف يلتفّون حوله، ويثبتون على خطّه، ويفنون في نصرة حقّه. فكلّ تحرّكاتها كانت تدور حول إمام زمانها أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام)، وقد بذلت غاية جهدها في الدفاع عنه، وحمايته، والقيام إلى جانبه بكلّ شجاعةٍ وثبات.
وقد بلغ من شدّة حضورها في ساحة النصرة والدفاع، أنّ الإمام كان ـ في ظلّ هذا الموقف العظيم ـ محاطاً بهالةٍ من الإسناد والحماية والجهاد، حتى بدا وكأنّ كثيراً من المواقف لم تكن بحاجةٍ إلى أن يباشرها بنفسه، ما دامت الزهراء (عليها السلام) قد نهضت بهذا الدور بكلّ وضوحٍ واقتدار.
وهكذا يعلّمنا نهجُ الأصحاب الأوفياء مع أئمّتهم: أنّ الإمام لا يتقدّم إلى الواجهة في كلّ صغيرةٍ وكبيرة ما دام في الأمة من يعرف تكليفه، ويقوم بواجبه، ويتحمّل مسؤوليته في نصرة الحق. فالإمام هو محور الهداية، والناس هم الذين ينبغي أن يقصدوه، ويلتفّوا حوله، ويهتدوا بنوره؛ كما أنّ الكعبةَ تُؤتَى ولا تأتي.
نتيجة مرافقة الناس لخيانة السقيفة
لقد بُعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا لإنقاذ عالم الإنسان فحسب، بل لإنقاذ روحه أيضًا، وإعادته إلى أصله الحقيقي، أي الارتباط بالله تعالى. غير أن ثلاثةً وعشرين عامًا من رسالته المباركة لم تكن مدةً كافية لاجتثاث أصنام الأنانية والجاهلية التي صنعها الإنسان عبر قرون طويلة وأَلِفَها حتى أصبحت جزءًا من واقعه وحياته. ففي تلك الفترة، كان بمقدور النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يكشف المبادئ الخاطئة التي سادت من قبل، وأن يبيّن الأسس الصحيحة التي ينبغي أن يقوم عليها المستقبل. وقد بذل طوال سنوات رسالته أقصى جهده في إرساء الدعائم الأولى للحكومة الإسلامية.
ولذلك فقد أُقيمت واقعة غدير خم بأمرٍ إلهي من أجل تحديد مصير هذه المسؤولية العظيمة واستمرارها؛ بحيث تتواصل سلسلة الأئمة (عليهم السلام)، وفي مقدمتهم الإمام علي (عليه السلام)، لتقود عملية إقامة الحكومة الإلهية وبناء الحضارة الربانية الجديدة في العالم. وهي حكومة كان يُراد لها أن تحرر الإنسان من أسر أبعاده المادية والدنيا، وأن تربيه حتى يبلغ مرتبة الإنسان الخليفة لله في الأرض.
في هذا المسار، كان لا بد من توافر إرادةٍ متبادلة بين الطرفين. فمع أن الإرادة الإلهية اقتضت أن تستمر تربية الإنسان تربيةً إلهيةً وإنسانيةً على يد أئمة معصومين ومتخصصين، فإن إرادة الطرف الآخر في هذه المعادلة، أي الإنسان نفسه، كانت عنصرًا حاسمًا ومصيريًا. وهذه هي النقطة الجوهرية التي تقود ـ وفق رؤية النص ـ إلى فهم المقارنة بين سقيفة بني ساعدة وإيران اليوم.
فعندما عمد الناس، بعد رحيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، إلى نقض البيعة التي التزموا بها في غدير خم، غيّروا مجرى التاريخ، ولم يقتصر أثر ذلك على مصيرهم الشخصي، بل امتد ليشمل مصير الأجيال اللاحقة بأسرها. ونتيجةً لمساندة الناس لمشروع السقيفة، انتقلت قيادة الأمة من الإمام المعصوم والمتخصص إلى أشخاصٍ عُدّوا غير مؤهلين لهذا الموقع، الأمر الذي أدى إلى انحراف مسار الحكومة الإلهية ومشروع التربية الإنسانية عن طريقه المستقيم.
إن المشاركة في ما يُوصف بخيانة السقيفة، وسلب حق الإمام علي (عليه السلام) في الخلافة والحكم، لم تكن حادثةً سطحية أو عابرة يمكن حصرها في إطار خيانة مؤقتة، بل ترتب عليها خروج مسار البشرية عن وجهته الإلهية والإنسانية، ودخول البعد الإنساني والإلهي في الإنسان في صراعٍ عميق مع أبعاده المادية والدنيا. ومن ثمّ، بقيت وصمة العار التاريخية ملتصقةً بأولئك الذين ظنوا أن نقض البيعة للإمام علي (عليه السلام)، ومساندة القائمين على مشروع السقيفة، أمرٌ بسيط وعابر لا تترتب عليه نتائج بعيدة المدى.
السقيفة: تكرار لقضيةٍ محورية في جميع العصور
قد يظن بعض الناس، قبل التأمل في المقارنة بين سقيفة بني ساعدة وإيران اليوم، وعند قراءة سريعة لأحداث السقيفة، أن تلك التجربة وما ترتب عليها من نتائج، تخص أهل ذلك العصر وحدهم، وأنها لن تتكرر في الأزمنة الأخرى. غير أن الحقيقة، وفق هذا الطرح، هي أن السقيفة لم تكن مجرد حادثة مؤلمة وقعت في قرون مضت، بل تمثل رمزًا لاختيارٍ إنساني كبير يتجدد في كل عصر ولكل إنسان.
فأهل المدينة في ذلك اليوم التاريخي لم يكونوا أمام قرارٍ سياسي فحسب، بل كانوا في مواجهة اختبارٍ عميق كانت معاييره تتمثل في ترتيب الأولويات الداخلية، وسلامة النفس، ومقدار الصدق والإخلاص. وقد اتخذ كل فرد موقفه وفقًا لما كان يحتل المكانة الأهم في قلبه وعقله. فبعضهم بقي وفيًا لما يراه حقًا، بينما اتجه آخرون نحو حسابات المصلحة أو الخوف أو اعتباراتٍ أخرى.
هذا النمط يتكرر في جميع الأزمنة. فالإنسان قد يجد نفسه، في أي مرحلة من مراحل التاريخ، أمام مواقف تفرض عليه اتخاذ قرارٍ مصيري: هل يقف إلى جانب الحق وإمام زمانه ويتحمل تبعات ذلك وتكاليفه؟ أم يختار الصمت ويسلك الطريق الأسهل؟
في مثل هذه اللحظات، لا يكون العامل الحاسم هو مقدار العلم والمعرفة وحده، بل إن الأقرب إلى الصدق الداخلي والقلب السليم يكون أقدر على تمييز الحقيقة والثبات عليها. أما إذا كان القلب أسير المصالح أو الخوف أو التعلق بالدنيا، فإن مجرد معرفة الحقيقة لا يكفي لضمان الوفاء لها.
من هذا المنظور، فإن قصة سقيفة بني ساعدة ليست مجرد واقعة تاريخية، بل هي مرآة تمتد أمام جميع الأجيال. فكل مجتمع، بل وكل فرد، قد يواجه لحظةً مشابهة، لحظةً يُطلب منه فيها أن يختار بين الراحة المؤقتة وبين الوفاء للحق والثبات عليه.
مقارنة سقيفة بني ساعدة بإيران اليوم
إذا ألقينا نظرةً متأنية على تاريخ التشيع، وراجعنا الروايات والأقوال المتعلقة بدور الإيرانيين في مستقبل العالم، فسوف نواجه صفحةً جديدة من صفحات الارتباط بالولاية، ومن الكيفية التي يسهم بها الإيرانيون في رسم مسار التاريخ.
إن الله تعالى يوجّه إلى الإنسان في القرآن الكريم[5] بشارةً وتحذيرًا في آنٍ واحد. أما البشارة فهي أن الصالحين في آخر الزمان سيبلغون من القوة والتمكين حدًّا يجعلهم وارثي الأرض. غير أن الإرث لا يتحقق إلا بعد زوال المالك السابق؛ ولذلك فإن انتقال الأرض إلى المستضعفين يقتضي زوال المستكبرين وانتهاء هيمنتهم.
وقد وُجِّهت إلى الأئمة (عليهم السلام) أسئلةٌ عديدة حول هوية الصالحين في آخر الزمان؛ من قبيل: إذا كان المنجي الموعود سيظهر في زمن تمتلئ فيه الأرض ظلمًا وجورًا، فأين تربّى أولئك الصالحون الذين سيبلغون من القوة ما يمكّنهم من إزالة قوى الاستكبار؟
وتنقل الروايات التي يستند إليها هذا الطرح أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عرّف هؤلاء الصالحين بأنهم الإيرانيون. فالإيرانيون سيقومون بثورة في المستقبل، ويؤسسون نظامًا وحكومة، ويربّون أعدادًا كبيرة من الصالحين. وهؤلاء الصالحون هم الذين سيتولون، بعد قرونٍ من ابتعاد الأئمة المعصومين والمتخصصين عن موقع الهداية المباشرة والتربية الإلهية للبشر، إعادة زمام الحكم والتربية إلى الإمام.
كما يرى هذا التصور أن معاناة أهل البيت (عليهم السلام)، وما تعرضوا له من تشريدٍ وابتلاءٍ وإقصاء، تبلغ نهايتها مع قيام هذا القوم ونهوضهم.[6]
سقيفة اليوم ومسؤوليتنا في هذا المنعطف التاريخي
إذا نظرنا إلى السقيفة بوصفها حادثةً تنتمي إلى الماضي فقط، فإننا نكون قد غفلنا عن حقيقتها الأعمق. فالسقيفة ليست مجرد واقعة تاريخية، بل نموذجٌ يتكرر عبر التاريخ بأشكالٍ وصورٍ مختلفة، ويضع الأمة في كل مرة أمام السؤال نفسه: أين يقف الناس في زمن الفتنة؟ وأين يكون موقفهم حين يتعرض وليّ الله للغربة أو التهديد؟
ويرى هذا الطرح أن الأمة قد تجد نفسها في بعض المراحل التاريخية أمام ظروفٍ تتعرض فيها قيادتها الدينية أو السياسية للاستهداف، سواء عبر التهديد أو الاغتيال أو الحرب النفسية أو بث الخوف والرعب. وفي مثل هذه اللحظات لا تكون الأمة أمام وضعٍ عادي، بل أمام اختبارٍ يشبه ـ في جوهره ـ الاختبارات التاريخية الكبرى التي مرت بها من قبل.
وفي هذه المنعطفات يظهر الناس على أصنافٍ مختلفة: فبعضهم يتقدم إلى الميدان، وبعضهم يلوذ بالصمت، وبعضهم ينشغل بالحسابات الظاهرية والمصالح الآنية، بينما يتمكن آخرون بفضل بصيرتهم ووفائهم من تمييز طريق الحق وسط أجواء الالتباس والفتنة.
وهنا يكمن الفارق بين الأمة التي تنجح في الاختبار والأمة التي تفشل فيه. فقد كان هناك الكثيرون في السقيفة ممن يعرفون الحق، ويعرفون مكانة الإمام علي (عليه السلام) وفضله، لكن الخوف، والمصالح الدنيوية، والحسابات القصيرة المدى، والاعتبارات الاجتماعية، حالت بينهم وبين نصرته.
ومن ثم، فإن أي مجتمعٍ يلجأ عند تعرض الولاية أو القيادة الشرعية للخطر إلى التردد أو الخوف أو الحياد أو الصمت، قد يواجه ـ وفق هذه الرؤية ـ التحديات نفسها التي واجهتها الأمة في صدر الإسلام.
ولهذا، فإن تجاوز «سقيفة اليوم» لا يتحقق بالمشاعر العابرة وحدها، بل يحتاج إلى وعيٍ عملي يترجم الوفاء إلى موقف، ويحوّل الانتماء إلى التزام. ويُقصد بذلك الاستمرار في النهج الذي يمثله الشهداء، والثبات إلى جانب وليّ الله، وكشف ما يُنظر إليه بوصفه جبهة الباطل، والمحافظة على وحدة الأمة، ورفض أي محاولة لفرض إرادة الخصوم على مستقبلها.
ومن هذا المنطلق، فإن الوفاء الحقيقي لا يقتصر على إظهار الحزن أو إحياء الذكرى، بل يتمثل في تحويل الحزن إلى عهد، والعهد إلى حضورٍ فاعل في الميدان.
وعليه، فإن المسؤولية المطروحة اليوم ـ بحسب هذا التصور ـ هي الحيلولة دون أن تؤدي تهديدات أو اغتيالات أو أساليب الترهيب إلى فصل الأمة عن محور الولاية. فالمشكلة الأساسية لا تكمن في استهداف الأشخاص بحدّ ذاتهم، بقدر ما تكمن في محاولة قطع الصلة بين الناس والولاية.
فإذا بقي هذا الارتباط حيًّا وقويًّا، فلن تتكرر السقيفة بمعناها الحقيقي. أما إذا ضعف هذا الرابط، فإن جوهر السقيفة قد يتكرر في داخل المجتمع حتى لو لم يظهر في صورةٍ أو حدثٍ مماثل لما وقع تاريخيًا.
ومن هنا، يُنظر إلى هذا المنعطف التاريخي بوصفه لحظة اختيارٍ بين الصمت والكلمة، وبين الحياد والنصرة، وبين الراحة الشخصية والوفاء للمبدأ. أما طريق النجاة، وفق هذا الفهم، فهو الطريق الذي سلكه الأوفياء عبر التاريخ؛ أي الوقوف إلى جانب الإمام، وتحمل التكاليف في سبيل الحق، وعدم التراجع أمام الفتن والاختبارات.
وعندئذٍ، إذا وعَت الأمة هذه الحقيقة واستوعبت مسؤوليتها تجاهها، فإنها ستكون قادرةً على تجاوز «سقيفة عصرها»، وسيغدو دم الشهيد ـ بحسب هذه الرؤية ـ عاملًا في انتصار جبهة الحق، لا ذكرى تُطوى مع الزمن.
[1] واقعة غدير من أهم أحداث تاريخ الإسلام، حيث قام النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، أثناء عودته من حجة الوداع في الثامن عشر من ذي الحجة سنة عشر للهجرة، في غدير خم، بتعيين الإمام علي (عليه السلام) خليفةً له.
[2] سليم بن قيس الهلالي، أسرار آل محمد، الطبعة السادسة، ص 28 إلى 30.
[3] المصدر نفسه، ص 28 إلى 44.
[4]المصدر نفسه
[5]القرآن الكريم: سورة المائدة، الآية 54 / سورة محمد، الآية 38 / سورة الشعراء، الآيتان 198 و199 / سورة الجمعة، الآيتان 2 و3 / سورة النساء، الآية 133 / سورة الأنعام، الآية 89.
[6] الطبرسي، فضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، ج 3، ص 358 / فيض الكاشاني، محمد بن شاه مرتضى، تفسير الصافي، ج 5، ص 32 / المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج 16، ص 310.