دراسة في حیاة الإمام العسكري(عليه السلام) السياسية وأهدافه خلال فترة إمامته
الإمام الحسن بن علي الهادي(عليهما السلام)، هو الإمام الحادي عشر عند الإمامية الاثنا عشرية. وكانت أمّه تسمى حَدِيث[1] أو سوسن[2]. وفي صباه، نُفي مع أبيه الإمام الهادي(عليه السلام) بأمر من المتوكل العباسي من المدينة إلى سامراء، واستقرّا في حي العسكر. قضى الإمام العسكري(عليه السلام) معظم عمره الشريف في سامراء في حيّ العسكر حيث كان يُنقل إليه معارضو بني العباس، وكانت تراقب فيه زياراتهم وحركاتهم واتصالاتهم.
تولى الإمام العسكري(عليه السلام) الإمامة، في الثانية والعشرين من عمره الشريف، فاستمر فيها قرابة ست سنوات.[3] وبعد استشهاد الإمام الهادي(عليه السلام)، اشتعلت فتيل الفتنة حول الإمامة، إذ ادعى جعفر بن علي الهادي، شقيق الإمام العسكري، زورًا وبهتانًا، أنه الإمام الحق. وقد حذر الإمام الهادي(عليه السلام) شيعته من هذا المدعي الكذاب، ولم يمنحه الإمام العسكري(عليه السلام) أي فرصة للتمرد، إلا أنه بعد استشهاد الإمام، تجرأ على إنكار ولادة الإمام المهدي(عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وادعى الإمامة مرة أخرى، فضلّل بذلك جمعًا من الناس.
تشير العديد من المصادر إلى معاصرة الإمام العسکري لبعض الخلفاء العباسيين[4] منهم المعتز والمهتدي والمعتمد، إلا أن الشيخ الطوسي يشير في كتابه الغيبة إلى معاصرة الإمام للمستعين العباسي أيضاً. وکانت الدولة العباسية قد فرضت حصاراً خانقاً على الإمام في حي العسكر، وأجبرته على إبلاغهم بوجوده باستمرار، حيث كان خادمه يتردد على دار الخلافة كل إثنين وثلاثاء لإبلاغهم بذلك.[5] وقد تعرض الإمام للاعتقال عدة مرات في سجون الخلفاء العباسيين في عهد المستعين[6] والمعتز[7] والمهتدي[8] والمعتمد[9].
كان الأئمة الأوائل(عليهم السلام) يكتفون بالإشارة إلى مقامهم الإلهي تقيّةً وحفاظاً على المذهب، أما الأئمة المتأخرون فقد جهروا بإمامتهم، معلنين بأنهم أئمة المسلمين. كان العباسيون يمارسون شتى أنواع الأذى على الأئمة (عليهم السلام)، إلا أنهم لم يجرؤوا على قتلهم علانية.
نظراً إلى هذه الظروف، تخلى الإمام العسكري(عليه السلام) عن التقية وأعلن إمامته علانية. وتزايدت الهداية الباطنية منه وكشف عن كرامات غيبية، الأمر الذي كان أقل وضوحاً في الأئمة السابقين، لا سيما الأئمة الأوائل. وقد أدى ذلك إلى جذب انتباه الناس وانتشار قصصه في المحافل العامة.
لقد اتّبع الإمام العسكري(عليه السلام) في هذه الفترة منهجًا متميزًا، حيث قام بتحويل المفاهيم الشيعية المعقدة إلى معارف سهلة التطبيق في الحياة اليومية، وتحويل نمط حياة الشيعة الفردي الساكن إلى نمط حياة جماعي فعال، وجمع وتنظيم الموارد والمعارف التي تلقّاها الشيعة من الأئمة السابقين على مر العصور.
لقد وضع الإمام العسكري(عليه السلام) اللمسات الأخيرة على بناء نظام الوكالة الذي كانت قد أرسى قواعدها الأئمة السابقون على مدى عقود، وسلمه إلى الإمام الثاني عشر(عجل الله تعالى فرجه الشريف). ويمكن اعتبار فترة الإمامة التي امتدت لـ 250 عامًا للإئمة الأحد عشر، مقدمة ضرورية لإعداد الساحة لظهور الإمام المهدي(عجل الله تعالى فرجه الشريف) وإقامة دولته العالمية والحضارة الإسلامیة الحديثة.
کان الأئمة(عليهم السلام) متكاتفون ومتعاونون، كجنود متحدين في جبهة واحدة، و عملوا جاهدين لهداية البشرية إلى طريق السعادة والفلاح وإيصال الناس إلى الدولة الكريمة العالمية. هؤلاء هم المهندسون الإلهيون المتخصصون في تصميم وبناء وتنفيذ حضارة اسلامیة حديثة، وكان لكلٌ منهم دور خاص في هذا البناء المتين.
أهم إنجازات الإمام العسكري علیه السلام خلال فترة إمامته
بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، مرت الشيعة بمراحل متعددة شبيهة بنمو الإنسان، حيث لعب كل إمام دورًا حيويًا في هذه المراحل. بدءًا بصمت الإمام علي عليه السلام، ومرورًا بالمرونة البطولية للإمام الحسن عليه السلام في الصلح مع معاوية، وعقود من الاضطهاد والتربية الروحية عبر الدعاء بواسطة الإمام السجاد(عليه السلام)، والحركة الثقافية والعلمية للإمامين الصادقين(عليهما السلام)، وإحياء نظام الوكالة السري للشيعة في فترة الإمام الكاظم(عليه السلام)، والإعلان العلني عن المذهب من منبر السلطة الحكومية بواسطة الإمام الرضا(عليه السلام)، ومواجهة الفرق الضالة والاجتهاد العلمي في سن مبكرة من قبل الإمام الجواد(عليه السلام)، وإحياء معارف الشيعة على لسان الإمام المعصوم وإعداد عقول وقلوب الناس لتلقي حقيقة هذه المعارف من قبل الإمام الهادي(عليه السلام)، كانت كل هذه المراحل ضرورية لنمو الشيعة وتطورها. لقد لعب كل إمام دورًا خاصًا يتناسب مع الظروف التي يمر بها المسلمون.
في عصرٍ شهد استقرار أركان المذهب الشيعي بفضل جهود الأئمة السابقين، تولى الإمام الحسن العسكري عليه السلام مهمة إكمال المسيرة. وقد قام بحكمة وعناية فائقتين بتجهيز الساحة لظهور الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف، حريصاً على سلامة تسليم أمانة الإمامة وقد سعى الإمام لتحقيق الأهداف التالية في هذا السياق:
- تسهيل المعارف الشيعية المعقدة:
كانت المعارف الشيعية العميقة التي کانت میراث الأئمة السابقين، بحاجة ماسة إلى تبسيط، لكي يتسنى للعامة فهمها وتطبيقها في حياتهم. وقد قام الإمام الحسن العسكري عليه السلام بدورٍ بالغ الأهمية في هذا المجال، حيث حوّل المعارف المعقدة إلى لغة سهلة ميسورة، وجعلها جزءًا من حياة الناس اليومية. وبفضل جهوده نفسه و أصحابه المجاهدين، أصبحت هذه المعارف متاحة للجميع ونحن ننعم بها اليوم.
- ضرورة الانتقال بالشيعة من الطرح النظري إلى الميداني:
نظرا للظروف الصعبة التي عانى منها الشيعة قرونا، اضطروا لإخفاء عقائدهم وشعائرهم، خاصة في الأماكن العامة. لكن مع تولي الإمام الرضا(عليه السلام) الإمامة وولاية العهد، تحسنت هذه الظروف بشكل كبير، فخرج الشيعة من عزلتتهم ونشروا أفكارهم في المجتمع. ومع ذلك، عادت الشيعة إلى التكتم في عصور الأئمة المتأخرين. إلا أن الإمام العسكري(عليه السلام) غيّر من استراتيجيته مع تغير الظروف.
دعا الإمام العسكري(عليه السلام) الشيعة إلى الوحدة والتكاتف في أداء العبادات والشعائر الدينية، وأمرهم بالالتزام بأحكام المذهب الشيعي بالاجتماع. ومن الأمثلة على ذلك: الإعلان عن أداء الصلوات النافلة، وإقامة الصلاة جماعة على المذهب الشيعي، والتهليل بصوت مسموع عند بدء الصلاة، واستعمال التراب للسجود. كل ذلك بهدف المحافظة على هوية الشيعة ظاهريًا.[10]
من بين القوانين الهامة التي وضعها الإمام العسكري(عليه السلام) لشيعة أهل البيت، كان التركيز على الوحدة الجماعية والعمل الجماعي. وتعتبر زيارة الأربعين من التراث الذي أرساه الإمام حسن العسكري (عليه السلام) للشيعة، رغم أن رواية زيارة الأربعين تعود إلى الإمام الصادق (عليه السلام)،[11] وأن الزيارات كانت تتم بشكل سري في بعض الأحيان قبل عهد الإمام العسكري (عليه السلام)، إلا أن إقامة الزيارة بشكل جماعي علني يعود إلى توصيات الإمام العسكري (عليه السلام) وقوانينه التنظيمية.[12]
نظراً لقرب عصرالإمام العسكري عليه السلام من عصر غيبة الإمام الثاني عشر (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، فقد عمل جاهدا على بناء تنظيم قوي ووحدة بين الشيعة. وكانوا مقتنعين بأن ظهور المهدي وبناء حضارة عالمية جديدة يعتمد على وحدة الشيعة وتنظيمهم.
- ضرورة جمع وتنظيم المصادر الشيعية المتشتتة
قبل عصر الإمام الحسن العسكري(عليه السلام)، كانت الأحكام الفقهية العملية والمعارف الشيعية تتناثر في أوراق متفرقة، سجلها تلاميذ الأئمة(عليهم السلام) دون نظام محدد. فكان الباحث عن المعرفة يضطر إلى الغوص في بحر تلك المخطوطات المتناثرة، أو أن يستشير الإمام مباشرة، وإلا فإنه كان يعتمد على أقوال رواة لا يدري مدى صحتها.
رغم الظروف الصعبة التي عاش فيها الإمام العسكري(عليه السلام) من حصار واضطهاد، إلا أنه تمكن من تجميع الكثير من مصادر رئيسية للكتب المهمة الشيعية مثل “من لا يحضره الفقيه” و”أصول الكافي” و”بصائر الدرجات” و”التهذيب”. وبذلك، حافظ الإمام العسكري وأصحابه على تراثنا الديني والثقافي.
نظام الوكالة السري للإمام العسكري(عليه السلام)
لنتعرف على نظام الوكالة السري للإمام العسكري(عليه السلام) بشكل أفضل، من الضروري إلقاء نظرة على خلفية هذا النظام و دوره وبنيته:
تاريخ نظام الوكالة لأهل البيت(عليهم السلام)
بدأت فكرة وجود نظام الوكالة لأهل البيت(عليهم السلام) قبل زمن الإمام العسكري(عليه السلام)، لكنها لم تكن منظمة بشكل جيد حتى عصر الإمامين الصادقين(عليهما السلام) رغم وجود وكلاء الائمة في مختلف المناطق. بعد نشوء هذا النظام في عهد الصادقين(عليهما السلام)، تطور وأصبح أقوى في عهد الإمام الكاظم(عليه السلام)، لكنه واجه بعض المشاكل. ثم قام الإمام الرضا(عليه السلام) بتنقيحه وإصلاحه، وأعاد الإمام الجواد(عليه السلام) إحيائه. وفي النهاية، وصلت هذه المنظمة إلى أقوى مراحل تطورها في عهد الإمامين العسكريين(عليهما السلام).
دور نظام الوكالة لأهل البيت(عليهم السلام)
كان عدد الشيعة يتزايد بسرعة، ولم يكن بإمكان الناس في المناطق الشيعية الوصول إلى الإمام بسهولة. ولأن معظم الأئمة الشيعة كانوا يعيشون تحت مراقبة الحكومات وفي ظروف أمنية خاصة، اضطروا إلى إيجاد طريقة تُمكنهم من التواصل الآمن مع الشيعة وإدارة شؤونهم. ولذا، فقد وجدوا حلاً لذلك يتمثل في إنشاء نظام وكالة سري، لتأمين التواصل بين الإمام وأتباعه، وإدارة شؤونهم بشكل أفضل.
تضمنت مهام نظام الوكالة التواصل بين الإمام والناس، وجمع الفرائض المالية وتسليمها للإمام، وتبادل الرسائل بين الإمام والناس، ونشر المعتقدات الشيعية وتعريف الناس بمكانة الإمام، وتوضيح الحقائق وإرشاد الناس من قبل الإمام في الفتن والأزمات.
كان الإمام يسعى جاهداً لتأهيل الشيعة بطرق شتى لعصر غيبة الإمام. و قد قدر الله أن يعيش الشيعة قروناً طويلة بعيداً عن إمامهم، فكان لزاماً عليهم أن يتعلموا آداب العيش في ظل الغيبة. وكان نظام الوكالة وسيلة ناجحة لتعلم أصول الحياة التنظيمية في عصر الغيبة.
بنية نظام الوكالة
كان بنية نظام الوكالة تتألف من قائد المنظمة ومجموعة من الوكلاء الموثوقين الذين يختارهم الإمام:
- قائد المنظمة:
يعتبر الإمام في كل عصر قائد المنظمة الذي يقوم بمهام خاصة به، مثل اختيار الوكلاء، وعزلهم وتعيينهم، وإدارة الأمور المالية، وتربية الوكلاء، وتوجيه وإدارة المنظمة، والإشراف على سيرها في مسار صحيح.
- نواب الإمام ووكلاءه:
لقد حافظ نظام الوكالة في زمن الإمام العسكري(عليه السلام) على بنيته التخصصية بل زاد تخصصاً. فقد كان للوكلاء تصنيف تنظيمي خاص بهم. وبعد الإمام، كان المنصب الأعلى في التنظيم يؤول إلى “باب أو وكيل الوكلاء” الذي كان المدير التنفيذي للمنظمة. وكان عثمان بن سعيد العمري باب الإمام العسكري(عليه السلام) والذي كان قبل ذلك باب الإمام الهادي(عليه السلام) ، ويشرف على عمل بقية الوكلاء التابعين له في المناطق الأخرى.
كان الإمام يختار وكيلاً متميزاً لكل منطقة ذات غالبية شيعية. ولم يكن لأي من هؤلاء الوكلاء، سواء كانوا ثابتين أو متجولين أو دعاة، أن يتجاوزوا الحدود ويتصلوا بالإمام مباشرة. بل كان العمل يسير وفق نظام دقيق، حيث كان كل وكيل مرتبطاً بمسؤول أعلى منه، وكان هذا المسؤول هو حلقة الوصل بينه وبين الإمام. وكانت المعلومات والفرائض المالية الشرعية والرسائل تسلك طريقاً آمناً من الوكيل إلى المسؤول ثم إلى الإمام، وذلك إما عبر الرسائل السرية أو عن طريق اللقاءات المحدودة.
في زمن كان فيه الخلفاء العباسيون يضيقون على الإمام، ظهرت مشاكل جديدة بسبب الفتن. الكثير من الناس كانوا يحسدون منصب البابية بسبب نفوذه ومزاياه، وكان بعضهم عميلاً للحكومة وكان يريد إيذاء الإمام والشيعة وكشف أسرارهم. لقد قام هؤلاء الأشخاص بالكذب و نشر الشائعات ليثيروا الفتنة بين الشيعة، وحتى ادعوا أن الإمام إله.
في هذا المقال، تحدثنا عن الدور المهم للإمام العسكري(عليه السلام) في تاريخ الإمامة الشيعية التي استمرت ل ٢٥٠ سنة، وحاولنا أن نفهم كيف تمكن الإمام الحادي عشر من الحفاظ على الإمامة في ظل الظروف الصعبة، وكيف استعد الشيعة لفترة غيبة الإمام المهدي(عجل الله فرجه الشريف) وبناء حضارة عالمية جديدة.
[1] . الكليني، محمد بن يعقوب بن إسحاق، الكافي، طهران: دار الكتاب الإسلامية، ١٤٠٧هـ، ج ١، ص ٥٠٣
[2] . ابن جوزي، يوسف بن الغزولي، تذكرة الخواص، قم، الشريف الرضي، ١٣٨٣هـ، ص٣٦٢
[3] . Tabatabai, Sayyad Mohammad Husain (1979). Shi’ite Islam (بالانجليزية). Translated by Sayed Hossein Nasr. Sunny press.
[4] . الطبري الآملی، محمد بن جریر، دلائل الإمامة، قم، مؤسسة البعثة قسم الدراسات الإسلامية، 1413 ق، ج1، ص 223
[5] . الطوسي، محمد بن الحسن، الغیبة للطوسي (الغیبة للحجة)، قم: دارالمعارف الإسلامیة، 1411 ه.ق، ص129
[6] . المجلسي، محمدباقر، بحارلأنوار الجامعة لدرر الأخبار الأئمة الأطهار، بیروت: دار إحیاء التراث العربي، 1403 ه.ق، ج 50، ص 312 و 313
[7] . المفید، محمد بن محمد، الإرشاد في معرفة حجج الله العباد، قم: مؤتمر الشيخ المفيد، 1413 ه.ق، ج2، ص 334
[8] . الطوسي، محمد بن الحسن، الغیبة للطوسي (الغیبة للحجة)، قم: دارالمعارف الإسلامیة، 1411 ه.ق، ص 123/ المجلسي، محمدباقر، بحارلأنوار الجامعة لدرر الأخبار الأئمة الأطهار، بیروت: دار إحیاء التراث العربي، 1403 ه.ق، ج 50، ص 313
[9] . المجلسي، محمدباقر، بحارلأنوار الجامعة لدرر الأخبار الأئمة الأطهار، بیروت: دار إحیاء التراث العربي، 1403 ه.ق، ج 50، ص 413
[10] . الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشیعة و مستدرکها، قم، جماعة المدرسين في الحوزة العلمیة بقم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1424ق، ج 14، ص 478
[11] . نفس المصدر
[12] . مفيد، محمد بن محمد، المزار، قم : المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد ، ۱۴۱۳ق، ص 53/ الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشیعة و مستدرکها، قم، جماعة المدرسين في الحوزة العلمیة بقم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1424ق، ج 14، ص 478، ح 19643