الإمام الباقر(عليه السلام) ودوره في بناء الحضارة الإلهية العالمیة

لمحة سريعة عن عصر الإمام الباقر(عليه السلام) وجهود الإمام فيه

لمحة سريعة عن عصر الإمام الباقر(عليه السلام) وجهود الإمام فيه

الإمام محمد بن علي ابن الإمام السجاد(عليه السلام) هو الإمام الخامس من أئمة الشيعة الإثني عشرية. وُلد (عليه السلام) في الأول من رجب سنة 57 هـ في المدينة المنورة، وكانت والدته فاطمة بنت الإمام الحسن(عليه السلام). وقد لُقب بـ “باقر العلوم” نسبة إلى حديث اللوح الذي رواه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث بشر بأنّه سيقوم بشق العلوم. استمرت فترة إمامته حوالي 20 عامًا، وقد عاصر خلال هذه الفترة خمسة من خلفاء بني أمية. تشير المصادر التاريخية إلى أنّ الإمام الباقر(عليه السلام) كان طفلاً صغيراً وقت واقعة الطف، و شهد أحداثها.

تولى الإمام الباقر(عليه السلام) الإمامة بعد استشهاد الإمام السجاد(عليه السلام)، والجدير بالذكر أن الإمام السجاد(عليه السلام) قد بذل جهودًا مضنية على مدى سنوات طوال لتهيئة الأجواء المناسبة لإمامة الإمام الباقر(عليه السلام)، ولولا جهود الإمام السجاد(عليه السلام) الصبورة والمخلصة والمدبرة، لما تمكنت الإمامة الشيعية من الاستمرار حتى عهد الإمام الباقر(عليه السلام) ولربما كانت قد اندثرت. كانت فترة إمامة السجاد(عليه السلام) فترة حاسمة في ترميم وإحياء أركان المذهب الشيعي التي اضعفتها حكومة بني أمية. حيث قام الخلفاء الثلاثة الأوائل ومن بعدهم خلفاء بني أمية على مدى سنوات بتهديد عقيدة وإيمان الناس وتحريف حقيقة الإسلام. وفي عصر الإمام السجاد(عليه السلام) بلغ الأمر من الخطورة حيث قل الإيمان بأهل البيت(عليهم السلام) وضعُفت صلة الناس بربهم. استمر الإمام السجاد(عليه السلام) في جهاد دام 34 عامًا لإحياء قلوب الناس وإعادتهم إلى الله وترميم صلتهم بخالقهم. وبعد أن عادت المحبة الإلهية لتجري في عروق المجتمع وبدأت القلوب تستعيد حيويتها، انتقل الإمام(عليه السلام) إلى جوار ربه وتولى الإمام الباقر(عليه السلام) مهمة إكمال مسيرته.

كانت الظروف في عصر الإمام الباقر(عليه السلام) مختلفة عن تلك التي كانت في عصر الإمام السجاد(عليه السلام)، حيث كان الناس في زمن الإمام الباقر(عليه السلام) يميلون بشدة إلى العلم والمعرفة. كانت الدراسة والمباحثة والمناظرة تثير حماسهم، وكانوا على استعداد لتحمل مشقة السفر لفترات طويلة للحصول على جرعة من علم الإمام. لقد كان علم الإمام وعصمته وإخلاصه وبراعته محط اهتمام الناس، وأصبحوا مفتونين به. لقد حظي الإمام بعلمٍ لَدُنيّ من الله، فكان كلامه ذا تأثيرٍ عميقٍ لا يضاهيه كلام البشر العاديين. حتى أن أهل العلم والفقه من مختلف الأديان والمذاهب كانوا يشهدون بعمق فهمه وبيانه وتميزه عن غيره. بلغ الأمر حدًا حيث كانوا يرونه “شبه النبي”، وكأن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) قد بُعث من جديد، وتوافد إليه الناس من كل حدب وصوب.

أثار هذا الإقبال الشعبي والحب الجارف مخاوف بني أمية، فزادوا من تضييق الخناق على الإمام الباقر(عليه السلام)، مما دفعه إلى التحول إلى أساليب أكثر حذرًا وسرية في نشاطاته الدعوية.

وفي نهاية المطاف، استشهد الإمام الباقر(عليه السلام) في 7من ذي الحجة سنة 114هـ.، عن عمر يناهز 57 عامًا، على يد هشام بن عبد الملك، أحد خلفاء بني أمية الظالمين.

 

جهود الإمام الباقر (عليه السلام) خلال فترة إمامته

إذا أردنا تلخيص أبرز جهود الإمام الباقر(عليه السلام) خلال فترة إمامته التي دامت حوالي 20 عامًا، يمكننا القول إن عصره كان عصر الثورة العلمية في الشيعة وبداية ازدهار الثقافة الشيعية. فقد اضطر الإمام، نظرًا للظروف التي كان يعيشها، إلى الجمع بين أهداف متعددة وإدارة شؤون مختلفة في الوقت نفسه. ومن أهم أعماله:

نهضة الإمام الباقر(عليه السلام) العلمية

قبل عصر الإمام الباقر(عليه السلام)، كانت الآراء والمباحث الفقهية الشيعية مقيدة بفعل عوامل عدة، منها الاختناق الذي فرضته الحكومات الحاكمة. مع تضعضع أركان دولة بني أمية في عهده، وبفضل حكمة الإمام وذكائه وتوقيته المناسب، انطلقت شرارة المعرفة والعلم. فقد كرس الإمام جهوده لتعليم وتدوين الثقافة الشيعية، بما فيها الأخلاق والفقه وتفسير القرآن الكريم. وكان يرى أن فهم القرآن وتفسيره يعتمد على أهل البيت(عليهم السلام)، أي أن التمييز والتحليل والتفسير الحقيقي للقرآن هو في أيديهم . وقد أولى الإمام لأحاديث رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أهمية بالغة، مما جعل لعلم الحديث مكانة رفيعة في تلك الفترة.

من الأنشطة العلمية الأخرى للإمام الباقر(عليه السلام) كانت مناظراته مع مختلف الأشخاص، مثل مناظرته مع أسقف المسيحيين أو هشام بن عبدالملك. كانت هذه المناظرات، التي غالبًا ما كانت تنظمها الحكومة بهدف إضعاف مكانة الإمام، تبرز بوضوح الفارق بين علم الإمام اللدني والعلم الدنيوي للعلماء الآخرين.

في عصر الإمام الباقر(عليه السلام)، تغيرت طريقة وجودة تواصل الناس مع الأئمة(عليهم السلام)، حيث كانوا يأتون من مختلف الأماكن للحصول على إجابات لأسئلتهم ويثقون بالإمام، بينما كان الأئمة السابقون محجوبين ومحاصرين من الناحية العلمية ومن حيث إقبال الناس عليهم.

الروايات المروية عن الإمام الباقر(عليه السلام)

نظراً للأعمال الشنيعة التي اقترفها بنو أمية والخلفاء السابقون، انتشرت أحاديث موضوعة انتشارًا واسعًا، مما ألقى بظلال من الشك على صحة الروايات من حیث السند والنص. ولقد وقف الإمام الباقر(عليه السلام) في وجه هذه الأكاذيب والتحريفات، مكافحًا المزورين وفاضحاً أكاذيبهم. وبفضل جهوده وجهود تلاميذه، تمكنت الأحاديث من الخروج من هذا المستنقع، حيث قاموا بتنقيتها وتصفيتها.

ومن أبرز الإنجازات التي حققها الإمام الباقر(عليه السلام) يمكن الإشارة إلى تعليم وتبليغ منهج العبادة الصحيحة وكيفية التعامل والتواصل مع الإمام الحاضر في کل عصر، فضلاً عن ضبط حماس البعض من المتطرفين الذين يسعون إلى التمرد على الحاكم، وتوضيح حقيقة واقعة الغدير كأهم قضية في الإسلام وتبيين الحقوق التي سُلبت من الإمام علي عليه السلام بعدها.

 

جهود الإمام الباقر(عليه السلام) في تمهيد السبيل لظهور المنقذ

استغرقت فترة إمامة الأئمة الإحدى عشر الأوائل قرابة 250 عامًا. ونظرًا لأن آل البيت عليهم السلام کلهم نور واحد وإنسان واحد في الحقيقة، فإن ما اختلف بينهم هو فترة الإمامة وظروفها فقط، لقد كانت أعمالهم جميعًا متسلسلة ومترابطة، وكانوا جميعهم يسعون إلى تهيئة الظروف لظهور الحضارة العالمية الموعودة بقيادة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف. سنتناول في هذا البحث اعمال الإمام الباقر عليه السلام في تهيئة الظروف وإرساء الأسس اللازمة لظهور المنجي الموعود وبناء الحضارة التنظيمية.

شرح مفهوم المهدوية وتعريف المهدي الموعود على لسان الإمام الباقر عليه السلام

من أهم الأعمال التي قام بها أهل البيت عليهم السلام هو تهيئة الظروف لظهور الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف)، وتقديم تعريف واضح وشامل لمفهوم المهدوية وظهور المنقذ وعلاماته وشروطه. ولولا جهودهم المبذولة في هذا الصدد، لما استطاع الناس أن يتعرفوا على هذه القضية بأبعادها المختلفة.

لقد وضع الإمام الباقر(عليه السلام) لبنة الأساس في بناء الفكر المهدوي، حيث تناول هذا الموضوع بدقة وعلمية، مما أدى إلى تكوين وعي ديني عميق لدى الشيعة حول الإمام المهدي وعلامات ظهوره، وشروط ذلك، وما يسبق دولته الكريمة وما يأتي بعدها، مما أدى إلى توعية الشيعة وإشاعة الأمل والاستعداد لظهور الإمام المهدي(عجل الله تعالى فرجه الشريف).

أشار الإمام الباقر(عليه السلام) إلى أن قوم سلمان الفارسي، أي الإيرانيين، هم من يمهّدون لظهور الإمام المهدي(عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وقد صرح بذلك صراحة في رواية مشهورة. وبشر الإمام الباقر (عليه السلام) بثورة في إيران ستمهد الطريق لظهور الإمام المهدي. وقد أكد على أهمية هذه الثورة وأثرها الحاسم في تعجيل ظهور الإمام، لدرجة أنه قال: “لو ادرکت ذلک لاستبقیت نفسی لصاحب هذا الامر”.[1] تدل هذه العبارة على قصر المدة الزمنية الفاصلة بين الثورة الإيرانية وظهور الإمام المهدي(عجل الله تعالى فرجه الشريف)، حيث لا يتجاوز ذلك مدة حياة إنسان عادي. وقد جمعت جميع روايات الإمام الباقر(عليه السلام) حول المنجي في آخر الزمان في الجزء الرابع وجزء صغير من الجزء الخامس من كتاب “معجم أحاديث الإمام المهدي“. وقد تحدث الإمام عن ولادة الإمام المهدي، واسمه، ونسبه، وخصائصه، وغيبته، وخصائص عصر ما قبل ظهوره، والحروب التي تسبق قيام دولته، وعصر ما بعد ظهوره.

وضع الأسس لإقامة التنظيمات

من أهم الأعمال الجهادية والعملية التي قام بها الإمام الباقر (عليه السلام) هو تأسيس التنظيمات.[2] كثيراً ما نقوم بأعمال عظيمة ونشاطات ثقافية قيمة، ولكننا نظراً لعدم إدارتنا لها بالشكل الصحيح، أو لعدم وجود خطة مدروسة وهندسية لتنفيذها، فإننا نضيعها سدى. يشبه ذلك تماماً من يرش حفنة من البذور على الأرض عشوائياً، فبعضها ينبت وبعضها يموت، وبعضها يصبح غذاء للطيور، وبعضها يجف، وبعضها يداس بالأقدام. لذا، فإن هذه الطريقة في العمل الثقافي والجهادي ليست طريقة مثمرة. يعلم البستاني والفلاح الماهر أنه لا يكفي زرع البذور، بل يجب عليه حمايتها حتى تثمر وتؤتي أكلها.

نجح الإمام الباقر(عليه السلام) بجدارة في إدارة هذه المهمة، فقام بتنظيم شبكة سرية قوية، حيث درب ونمى نخبة من أخلص أصحابه وأفضلهم وأكفائهم. وقد خصصهم بتعليم خاص وأرسلهم إلى مختلف أنحاء العالم. وكان هؤلاء الأصحاب يتواصلون فيما بينهم سرًا، وكان كل واحد منهم بمثابة ركن أساسي ونائب ووكيل للإمام. وقد تولى هؤلاء الوكلاء، الذين كانوا يعرفون بـ “أصحاب السر”، متابعة شؤون الإمام، وتنفيذ مهام متنوعة كالدعوة إلى الدين، وتوجيه الناس، وجمع الزكوات، والإجابة عن الأسئلة الشرعية، والبحث عن الأشخاص الموهوبين والمهتمين، وإبطال الدعاية السلبية ضد الإمام.

شهد عصر الإمام الباقر(عليه السلام) ولادة النظام الوكالي، وهو تنظيم متكامل يضم مجموعة من المندوبين يعملون بتنسيق تام تحت قيادة الإمام الباقر(عليه السلام). وقد ظهر هذا النظام في عهد الإمامين الصادقين(عليهما السلام) وتطور في عصور الأئمة اللاحقين.

 

[1] . الغيبة للنعماني، محمد جواد الغفاري، طهران: دار الصدوق للنشر، ١٣٩٧هـ، ص٢٧٣

[2] . الخامنئي، سيد علي، 250 سنة، قم، معهد الإيمان الجهادي صحبة، 1400، قسم الإمام الباقر

المشارکة

مقالات مماثلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *