مراجعة لعصر إمامة الإمام الصادق(عليه السلام) وإجراءاته
الإمام جعفر بن محمد الباقر(عليه السلام)، الملقب بجعفر الصادق(عليه السلام)، هو الإمام السادس للشيعة الاثني عشرية، وتولى الإمامة لمدة تقارب 34 عامًا. بسبب طول فترة إمامته، فقد تزامنت هذه الفترة مع حكومة الدولتين الأموية والعباسية. عاش الإمام الصادق(عليه السلام) في ظل عشرة خلفاء من بني أمية وأول خليفتين من بني العباس، وهما السفاح والمنصور الدوانيقي. وقد اختلفت ظروف إمامته تحت هذين الحكمين، حيث أنه تعامل مع كل فترة وفق ظروفها.
على مدى مدة تقارب 250 عاماً، قاد أئمة الشيعة الإحدى عشر الإمامة بثبات، و شاركوا جميعاً في تنفيذ أهداف موحدة عبر اتخاذ خطوات مختلفة وفقًا للظروف التي عاشوها، بهدف التحضير لإقامة الحكومة العالمية الموعودة تحت قيادة الإمام الثاني عشر. لقد ساهم كل فرد من أهل البيت(عليهم السلام) في إعداد هذه المقدمات بما يتناسب مع عصره، متقدماً خطوة بخطوة نحو تحقيق الحضارة الإلهية الموعودة.
بعد سنوات طويلة من الجهود التي بذلها الإمام الباقر(عليه السلام) لإحياء الشغف بالعلم والمعرفة في نفوس الناس الذين كانت قد ماتت فيهم روح البحث والتعلم، جاء دور الإمام الصادق(عليه السلام) الذي قام برعاية وتنمية البذرة التي زرعها الإمام الباقر(عليه السلام) بنجاح، ليحيي عصر الازدهار العلمي في صفوف الشيعة. لقد عاش الإمام الصادق(عليه السلام) في فترةً كان عليه أن يدير فيها عدة قضايا في وقت واحد، مثل الحركة الفكرية والثقافية، وإدارة الفرق المختلفة، والتعامل مع الثورات التي قادها بعض أبناء الأئمة، والتفاعل المحسوب مع الحكومات القائمة.
خلال فترة إمامته، بدأت الحكومة الأموية تفقد شرعيتها وأصبحت على وشك الانهيار، ولذلك فقد واجههم الإمام الصادق(عليه السلام) علنًا وكشف فسادهم. وبعد انهيار الأمويين، استولى العباسيون على الخلافة بوجه مقبول ظاهريًا، واستغرق الأمر بعضاً من الوقت قبل أن يتم الكشف عن نفاقهم. كان زعماء العباسيين مقربين من الإمام لسنوات، يعرفون أسراره وأهدافه، وكانوا على دراية بأصحابه وقوته. ومن شدة خوفهم من الإمام ضيقوا عليه بقسوة شديدة، و أخضعوه لحياة الحصار والنفي والمعاناة الشديدة.
إجراءات الإمام الصادق(عليه السلام) خلال فترة إمامته
كان على الإمام الصادق(عليه السلام) أن يدير عدة أمور في آن واحد، ومن بينها: الحركة الثقافية والفكرية، مواجهة وفضح الفتن والمذاهب الزائفة، توجيه وقيادة ثورات أبناء الأئمة نحو المسار الصحيح، وفضح نفاق بني أمية وبني العباس. سوف نتناول كل من هذه الموضوعات بشكل مفصل.
الحركة الثقافية والفكرية
لقد صادف عصر إمامة الإمام الصادق(عليه السلام) فترةً من النهضة الثقافية والفكرية. وكما ذكرنا، فقد تم بفضل جهود الإمام الباقر(عليه السلام) إحياء شغف غير مسبوق بالعلم والمعرفة في المجتمع الإسلامي. انتشرت في هذه الفترة بين الناس رغبة شديدة للمعرفة وظهرت لديهم الكثير من الأسئلة. لم تقتصر الأسئلة على العلوم الدينية والإلهية مثل علم قراءة القرآن وتفسيره، والفقه، والحديث، وعلم الكلام، بل وشملت أيضًا العلوم الطبيعية مثل الرياضيات والفلسفة والطب والكيمياء والفلك التي بدأت تزدهر في تلك الفترة.
في هذه السنوات، استطاع الإمام الصادق(عليه السلام) أن يربي حوالي أربعة آلاف طالب في مختلف العلوم، وتخرّج العديد من العلماء البارزين أمثال جابر بن حيان، وزرارة بن أعين، ومعاذ بن كثير وغيرهم. ومن اللافت للنظر أنه قد نقل عن الإمام الصادق(عليه السلام) ما يقارب سبعين بالمئة من الروايات الفقهية للشيعة. وقد اتسم منهجه التربوي في توضيح المبادئ الدينية بالالتزام بتوجيه العقل والفكر نحو فهم عميق للقرآن وسنة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، مما مكّن من تجاوز النظرة العاطفية والمفاهيم الخادعة الشائعة والمبالغ فيها.
لقد نُقلت أكثر روايات الشيعة عن الإمام الصادق(عليه السلام)، ولذلك فإن مذهب الشيعة الإمامية كان يُسمّى بـ”المذهب الجعفري”. بذل الإمام جهوده كلها لإحياء مذهب الشيعة وتوضيح مقام الإمامة للناس. كما قام(عليه السلام) بالكشف عن مرقد الإمام علي(عليه السلام) الذي كان مخفيًا لسنوات طويلة، وسعى جاهدًا لإحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين(عليه السلام).
لقد بذل الإمام الصادق(عليه السلام) في المجتمع الفقهي والعلمي آنذاك جهداً كبيراً في إثبات تميز أهل البيت(عليهم السلام). من المهم أن نعلم أيضاً أن الإمام لم يكن يملك حلقة دراسية بالمعنى المتعارف عليه اليوم، إذ أن الظروف الأمنية في ظل الحكمومة السائدة لم تسمح له بذلك، وكان الناس عادةً ما يطرحون أسئلتهم عليه خلال اللقاءات المختلفة مثل موسم الحج.
مواجهة وفضح الفتن والمذاهب الزائفة
في ذلك الحين، كان هناك العديد من المحتالين الذين اتّسموا بلقب الفقيه وشرعوا بالإجابة على أسئلة الناس الفقهية والشرعية. وبالطبع فلم تكن فتاواهم موثوقة، بل كانت تستند إلى أحاديث مزورة وآراء شخصية. كان هناك الكثير من مدعي الفقه والفقاهة في هذه الفترة، و قد سيطر على كل مدينة من ادعي الفقه وأسس مذهبًا جديدًا. ومن بين المذاهب الفقهية التي ظهرت في تلك الفترة: مذهب أبو حنيفة، ومذهب مالك بن أنس، ومذهب ابن إدريس الشافعي، والعديد من المذاهب الأخرى التي لا تزال موجودة حتى اليوم ولها أتباعها.
كانت الساحة العلمية في مجال “علم الكلام“، أي القضايا المتعلقة بالأصول الاعتقادية،[1] أكثر نشاطًا وحماسة من العلوم القرآنية والفقهية في تلك الفترة، مما أدت هذه الظروف إلى ظهور فرق مختلفة مثل الغلاة والمعتزلة والزيدية وغيرها. لقد مثّل عهد الإمام الصادق(عليه السلام) تحوّلاً ملحوظاً للأمة، حيث انتقلت من عقلية متجذّرة في المادية وقتل الأئمة إلى عقلية تتسم بالعلم والمناظرة. ورغم أن هذا التحوّل كان مصدر تفاؤل كبير، إلا أنه كان يحمل معه مخاوف أيضاً. فقد بدا وكأن كل يوم يولد فرقة أو مذهباً جديداً من منطقة معينة، مما سبب للإمام تحديات جديدة تتطلب اهتماماً وإرشاداً عميقين. على سبيل المثال، كان الزنادقة[2] ـ وهم فئة منحرفة وخطيرة ـ يتمتعون بدعم حكومي، وظهروا في كل أركان المجتمع، حيث كانوا يزرعون بذور الشك ويعززون الشكوك بين أفراد المجتمع الإسلامي. وقد انخرطوا في تزييف الأحاديث، وتولوا ترجمة ونشر النصوص المضللة إلى اللغة العربية. وفي ضوء هذا الوضع المقلق، وجد الإمام أنه من الضروري أن يجيب على استفسارات الناس وأن يتصدى للنفوذ الخبيث لهذه الجماعات المنحرفة، وأن يسعى إلى استعادة الوضوح والحقيقة.
توجيه وإدارة ثورات أبناء الأئمة نحو المسار الصحيح
خلال فترة إمامة الإمام الصادق(عليه السلام)، ثار العديد من أبناء الأئمة ضد بني العباس. من بين هؤلاء، كان محمد النفس الزكية، وزيد بن علي، وأبو مسلم، وأبو سلمة من بين المنتقدين والمتمردين[3]. لم يحصل هؤلاء على إذن أو تأييد من الإمام الصادق(عليه السلام) لثورتهم، ولكنهم دعوه للمشاركة فيها. كان الإمام قد رأى أن الظروف لم تكن ملائمة لثورة عسكرية علنية، وعلم أن لديه عددًا قليلًا جدًا من الأتباع المخلصين، حتى أقل من عدد قطيع من الغنم.[4] من جهة أخرى، كان بني العباس ينتظرون مثل هذه الحركة من الإمام الصادق(عليه السلام) ليتمكنوا من القضاء على الإمام وأبناء الشيعة. لذلك فقد رفض الإمام دعوات قادة الثورات، لكنه قدم دعمه الخفي لهم بكرم.
أثرت الثورات المتكررة المليئة بالمشاكل والأضرار التي قادها أبناء الأئمة تأثيرًا بالغًا على الشيعة، و تسببت في تكاليف باهظة لهم وأثرت على وحدتهم، كما أنها أدت إلى إساءات عديدة للإمام. لذاك فإن جزء كبير من جهود الإمام الصادق(عليه السلام) كان موجهًا لإدارة ومواجهة الثوار من أبناء الأئمة الذين كانوا يسعون للثورة بناءً على فهمهم الشخصي. السؤال المهم هنا هو: لماذا تجاوز هؤلاء الأفراد إمام زمانهم ولم يتبعوا توجيه الإمام الصادق(عليه السلام)؟
كشف نفاق بني أمية وبني العباس
تزامنت فترة إمامة الإمام الصادق(عليه السلام) مع فترة ضعف وتدهور حكم بني أمية. كان الإمام يتحدث بوضوح عن حقه وحق آبائه في الحكم، بدءا من الإمام علي(عليه السلام)، ويعمل على إثبات وتوضيح هذا الحق. هذه الحركة أثّرت كثيراً على كشف حقيقة بني أمية وسقوطهم. خلال فترة بني أمية، كان الإمام أكثر حرية مما أدّى إلى أنه قام بتعليم وتدريس الناس بصورة أكثر جدية وسهولة نسبيًا. ولكن في فترة بني العباس، أصبحت مهمة الإمام الصادق(عليه السلام) أصعب بكثير، حيث كان يتعرض للحصار والتبديد المتكرر وكان يتعين عليه التصدي والتدبير ضدهم في ظل ظروف أكثر صعوبة.
دور شبكة الوكلاء للإمام الصادق(عليه السلام) في بناء الحضارة
في فترة إمامة الإمام الصادق(عليه السلام)، كان عدد الشيعة قد ازداد بشكل كبير وكانوا قد تعرضوا للتشتيت الواسع. لذلك فقد كان الإمام مضطراً لإدارتهم وتنظيمهم بطريقة صحيحة. إننا غالباً ما نسمع عن الفقه والعلم الذي تميز به الإمام الصادق(عليه السلام)، و عن شخصيته كعالم ومفكر، بينما كان(عليه السلام) لديه دور مؤثر في إعمال إجراءات قوية لبناء الحضارة وإزالة الظلم أيضا، ولكننا قلّ ما نسمع عن نضاله وتنظيمه.[5]
قام الإمام بأسلوب هادئ وسري، بتأسيس شبكة تنظيمية وأخذ بزمام أمور الشيعة بيده. لقد فضل الإمام(عليه السلام) العمل العميق والتنظيم السري على القتال العسكري، على عكس العديد من أبناء الأئمة الهاشميين في ذلك الوقت. كان قد أرسل ممثليه الأمينين والمخلصين إلى مناطق مختلفة في العالم، ليقيموا بشكل سري في أماكن مختلفة و ينقلوا ما كان موضع تأكيد الإمام إلى الناس. كان هؤلاء يُعتبرون وكلاء الإمام، وكان يقع على عاتقهم جميع ما كان يتعلق بتلك المنطقة من الشؤون التي كانت تحتاج إلى إدارة الإمام. كما قامت شبكة الإمام الصادق(عليه السلام) أيضاً بتوضيح قضية الإمامة بشكل صحيح، ووضعت مسألة إمامة الإمام علي(عليه السلام) وأبنائه(عليهم السلام) في متناول الناس.
ولقد ازدهرت هذه الشبكة بشكل ملحوظ في عهد الأئمة الذين خلفوا الإمام الصادق(عليه السلام)، إلا أن الإمامين الصادقين(عليهما السلام) هما اللذان أرسيا الأساس الحيوي لهذا النوع من الإدارة. ولقد عملت هذه الشبكة السرية التي أنشأها الإمام الصادق(عليه السلام) كشكل من أشكال المقاومة غير المسلحة ضد النظام الظالم في عصره، وكانت تهدف إلى استعادة السلطة بشكل تدريجي وهادئ وذكي إلى أصحابها الأصليين ـ وهم سلالة النبي الأطهار(صلى الله عليه وآله وسلم) النبيلة. وقد أدّت هذه المبادرة إلى رعاية نمو التشيع بطريقة خفية، مع تجنب أي أعمال قد تستفز الحكومة إلى القيام بأعمال انتقامية وحشية أو اضطهاد ضد المجتمع الشيعي.
في ظل المراقبة المشددة على الإمام في تلك الفترة، كان عليه السلام مضطراً لتجنب الحديث عن بعض القضايا في الأماكن العامة، لكي يتمكن من تعزيز البنية الأساسية للحكومة العباسية في سياق أعمق وأكثر جدية. لقد اتّبع الإمام الصادق(عليه السلام) تكتيكات تنظيمية كقائد متمرس، لتوفير الأساس الصحيح لاستمرار الطريق للإمام التالي.
[1] فرع من العلوم الإسلامية يشمل مواضيع مثل صفات الله، والتوحيد، والعدل، والقضاء والقدر، والمعاد، والنبوة، والإمامة.
[2]– الزنديق هو الكافر الذي يتظاهر بالإسلام.
[3]خامنئي، سيد علي، انصار الحسين، طهران: منشورات الثورة الاسلامية، 2016.
[4] مشيراً إلى حدث تاريخي ذكره الإمام أن عدد أصحابه كان أقل من القطيع الذي كان قريباً من المكان المذكور. كليني، محمد بن يعقوب، أصول الكافي، تحقيق علي أكبر غفاري، طهران، دار الكتاب الإسلامي، ط ٤، ١٣٦٥. ج ٢، ق ١٥٢ ، دار الكتاب الإسلامية، الطبعة الرابعة، ١٣٦٥. المجلد الثاني، ق١٥٢
[5] خامنئي، سيد علي، الإنسان بعمر 250 سنة، قم، معهد الإيمان الجهادي الصحابة، 1400، قسم الامام الصادق (عليه السلام)