الإمام الرضا(عليه السلام) ومسيرته السياسية: أربعة مواقف حاسمة خلال فترة ولاية العهد
الإمام علي بن موسى(عليه السلام) هو الإمام الثامن للشيعة الاثني عشرية. يشتهر لدى الشيعة بلقب الإمام الرضا، ويقع مرقده الشريف في مدينة مشهد في إيران. استمرت إمامته حوالي عشرين عاماً وتزامنت حياته وإمامته مع خلافة ثلاثة من خلفاء بني العباس هم: هارون الرشيد، الأمين، والمأمون. بعد استشهاد الإمام الكاظم(عليه السلام) وبداية إمامة الإمام الرضا(عليه السلام)، واجهت الإمامة تحديات جمة كانحراف بعض وكلاء الإمام الكاظم(عليه السلام) فی نظام الوکلاء[1]، مما أدى إلى نشوء فرق ضالة كالواقفية، ورفضهم لإمامة الرضا(عليه السلام). لقد بذل الإمام الرضا(عليه السلام) جهوداً كبيرة لحل هذه التحديات بحكمته وتدبيره، إلا أن الحفاظ على وحدة الشيعة ومواجهة هذه الفرق الضالة كان من أهم اهتماماته.
بعد موت هارون الرشيد، تولى ابنه الأصغر الأمين مقاليد الخلافة.[2] إلا أن الصراع على السلطة لم يدم طويلاً، فسرعان ما استولى المأمون، شقيق الأمين الأكبر، على الحكم بالقوة، مما أدى إلى مقتل الأمين. من أبرز قرارات المأمون بعد توليه الحكم، كان تعيين الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) ولياً للعهد. هذه الخطوة الفريدة أثارت العديد من التساؤلات حول دوافع المأمون، حيث يرى بعض الباحثين أن الهدف الرئيسي من وراء هذا التعيين كان إضعاف مكانة الإمام وتشتيت صفوف الشيعة، الذين كانوا يشكلون تهديداً متنامياً على استقرار الدولة العباسية. على الرغم من الظروف الصعبة التي أحاطت بالإمام نتيجة لهذا التعيين، إلا أنه استطاع استثمار هذه الفرصة لتحقيق مكاسب كبيرة للشيعة، وحول فترة ولايته إلى عصر ذهبي في تاريخ الشيعة. لا شك أن هذا الحدث التاريخي يعد من أهم المحطات في سيرة الإمام الرضا(عليه السلام) وتاريخ الإمامة، وقد حظي باهتمام بالغ من قبل الباحثين والمؤرخين.
استمرّت فترة إمامة أحد عشر من الأئمة قرابة قرنين ونصف، وشهدت جهوداً متواصلة من أهل البيت(عليهم السلام) للحفاظ على المذهب الشيعي ونشره. وقد اتبع كل إمام من الأئمة المعصومين(عليه السلام) أساليب وطرقاً مختلفة في قيادة وتوجيه الشيعة، تبعاً للظروف الزمانية والمكانية التي كان يعيشها. ومن أبرز هذه الأساليب: المعارك التي خاضها الإمام عليعليه السلام ضد الخارجين عن الطاعة، وصلح الإمام الحسنعليه السلام، وثورة الإمام الحسينعليه السلام، وأدعية الإمام السجادعليه السلام، والنشاط العلمي للإمامين الصادقينعليه السلام، وتوسيع شبكة الوكلاء في عهد الإمام الكاظمعليه السلام. وقد ساهمت هذه الأساليب المتنوعة، كلٌّ حسب ظروفه، في حفظ وتعزيز أركان المذهب الشيعي، وإعداد الساحة لظهور الإمام المهدي(عج). وكان الهدف الرئيسي للأئمة المعصومينعليه السلام خلال هذه الفترة هو الحفاظ على الهوية الشيعية ونشر الفكر الشيعي بين المسلمين. بعبارة أخرى، سعى الأئمةعليه السلام من خلال استراتيجيات مختلفة إلى تعزيز مكانة الشيعة وتمهيد الطريق لإقامة دولة العدل العالمية.
تميّزت حياة الإمام الرضاعليه السلام عن حياة بقية الأئمة المعصومين عليه السلام بسمة مميزة، إذ أتيحت له الفرصة، بقبوله ولاية العهد أن يتبوأ موقعًا سياسيًا، ويتحدث بصراحة عن مكانة الإمامة و مقام المعصومين. وقد أتاح ذلك للشيعة تذوق حلاوة الحكم الإسلامي والقيادة العادلة بشكل مباشر وملموس. وبهذا، يمكن اعتبار فترة ولاية عهد الإمام الرضاعليه السلام نقطة تحول في تاريخ الشيعة، حيث تمكن الإمام المعصوم من التعبير علنًا، وفي موقع سياسي، عن المعارف الدينية وتوجيه المجتمع.
ولاية العهد للإمام الرضاعليه السلام
على الرغم من أن المأمون كان من أبناء هارون العباسي، إلا أنه لم يحظَ باحترام وتقدير العرب بسبب كونه ابنًا لجارية إيرانية. كان المأمون شخصًا ذكيًا، عالي الثقافة، وطموحًا للسلطة. وبعد أن قتل أخاه الأمين الذي ورث العرش عن أبيهما، أصبح خليفة للمسلمين. ثم قرر بعد ذلك تعيين الإمام الرضا عليه السلام وليًا للعهد لدوافع متعددة:
- إضفاء الشرعية على الحكم: سعى المأمون إلى ترسيخ أركان حكمه الذي اعتبره الكثيرون، وخاصة العباسيين أنفسهم، حكمًا غير شرعي، وذلك بإثارة الخوف من سيطرة العلويين على السلطة بين العباسيين.
- صرف الأنظار عن الحقيقة: استطاع خبر تعيين الإمام الرضاعليه السلام وليًا للعهد أن يصرف الأنظار عن حادثة مقتل الأمين، وتحويل اهتمام الناس إلى هذا الحدث الجديد.
- إثارة الفتنة والشقاق: سعى المأمون إلى إشعال الفتنة بين الشيعة والعباسيين، وذلك بتحريض الشيعة المتشددين وإطلاق الشائعات حول قبول الإمام الرضاعليه السلام للولاية، مثل زعمهم أن الدنيا قد غرت علي بن موسىعليه السلام وأغرته بطلب السلطة والحكم.
- كسب التأييد: كان هدف المأمون من وراء هذا الإجراء هو كسب تأييد الشيعة والإيرانيين المؤيدين لأهل البيتعليه السلام لمنعهم من الثورة عليه.
- تشويه سمعة الإمام: كان أحد أهداف المأمون الرئيسية هو التقليل من شأن الإمامة، وتقديم الإمام الرضاعليه السلام على أنه شخص طموح يسعى وراء السلطة الدنيوية.
عرض المأمون العباسي الخلافة على الإمام الرضاعليه السلام، إلا أن الإمام رفض العرض رفضًا قاطعًا.[3] بعد ذلك، لجأ المأمون إلى الضغط والتهديد بالقتل[4] ليجبر الإمام على قبول ولاية العهد. كان هذا القرار القسري أمرًا بالغ الصعوبة ومليئًا بالحزن للإمام، كما تشير الروايات المتعددة أنه قال: ” قَدْ عَلِمَ اللَّهُ كَرَاهَتِي لِذَلِكَ فَلَمَّا خُيِّرْتُ بَيْنَ قَبُولِ ذَلِكَ وَ بَيْنَ الْقَتْلِ اخْتَرْتُ الْقَبُولَ عَلَى الْقَتْل”[5]. وقد صرح الإمام الرضا عليه السلام في بعض أقواله بأنه قبل ولاية العهد عن كراهية و من خشية القتل. فقبل الإمام الولاية تحت إكراه شديد، وبوصفها قرارًا مؤقتًا مشروطًا ببعض الشروط. ويذكر أنه بعد قبول الولاية، غلب عليه الحزن الشديد حتى أنه كان يتمنى الموت.[6]
كان عرض ولاية العهد الذي قدمه المأمون للإمام الرضاعليه السلام خطوة مدروسة ومعقدة هدفها تقييد صلاحيات الإمام ونفوذه، وصولاً إلى اغتياله، ولم يكن قبول الإمام لهذا العرض بدافع الطمع في السلطة والثروة، بل كان تحت إكراه شديد وتهديد بالقتل، كما أنه كان مدركًا تمامًا أن قبول هذا المنصب سيؤدي إلى استشهاده في النهاية.
ما قام به الإمام الرضا عليه السلام خلال فترة إمامته
رغم أن قبول ولاية العهد كان يمثل تهديدًا كبيرًا لمكانة الإمام واستمرارية المذهب الشيعي، إلا أن الإمام الرضاعليه السلام استطاع تحويل هذا التهديد إلى فرصة غيرت التاريخ الشيعي، وأدخلته في عصر جديد. وکان من أهم أعماله:
إعادة الاعتبار الاجتماعي للشيعة
اختلفت فترة إمامة الإمام الرضا عليه السلام اختلافا جذريا عن فترات الأئمة السابقين من حيث الظروف السياسية والاجتماعية. فقد عاش الأئمة السابقون في ظل قيود وتحديات سياسية شديدة، وحُرموا من التواصل المباشر مع الشيعة، كما قُيّدت مشاركتهم في الشأن العام. وبالتالي كان الشيعة يعيشون في خفاء ويخشون الإعلان عن عقائدهم. على الرغم من أن ولاية العهد التي عرضها المأمون على الإمام الرضاعليه السلام كانت مكيدة سياسية، إلا أن الإمام استطاع بحكمته وبراعته أن يستغل هذه الفرصة لتعزيز مكانة الشيعة ونشر معارف أهل البيتعليه السلام. في ظل هذه الفترة، تمكن الشيعة لأول مرة من التمتع بقدر من الحرية للتعبير یعلانية عن آرائهم وعقائدهم .
بفضل وجود الإمام الرضا عليه السلام في مركز السلطة، تحول الشيعة من أقلية مظلومة ومطرودة كانت تُسمى بالرافضة، إلى تيار اجتماعي وسياسي مؤثر. وقد تمكن الإمام من خلال طرحه للمعرفة الإسلامية الأصيلة والرد على شبهات المعارضين، من رفع شأن الشيعة ومنحهم هوية مستقلة. نتيجة لهذه الجهود، تحول الشيعة من أقلية مضطهدة إلى تيار فكري وثقافي حيوي مؤثر في أفكار الناس.
لقد اكتسب الشيعة استقلالية كبيرة لدرجة أن عقائدهم كانت تُنشر من المنبر الرسمي على لسان ولي عهد الدولة، فزاد احترام الناس للشيعة ومالوا نحو قيادة متخصصة ومعصومة. لقد تحقق في عصر الإمام الرضا عليه السلام ما سعى إليه الأئمة السبعة السابقون طوال سنوات، وذاق الناس حلاوة العيش تحت ظل إمام معصوم، وازداد ميلهم نحو الفكر الشيعي ونفورهم من الحكام الطغاة. ورغم أن هدف المأمون كان تقييد الإمام من خلال ولاية العهد، إلا أن الإمام الرضاعليه السلام استطاع قلب هذه المكيدة لصالح الشيعة، وفتح بذلك فصلاً جديدًا في تاريخهم.
مناظرات الإمام الرضا عليه السلام العالمية
من خلال حيلة تعيين الإمام ولياً للعهد، أراد المأمون أن يوجه ضربة حاسمة للإمام ويزيله عن طريقه، لكنه سرعان ما أدرك حماقة هذا القرار، مدركاً أن شهرة الإمام ونفوذه المتزايدين يشكلان تهديداً كبيراً لسلطته. لذلك فقد قرر أن يقيم مناظرات في بيت الحكمة [7]، معتققداً أنه يمكن أن يقوض مكانة الإمام ويقلل من هيبته. کان هدفه أن يشغل الإمام بالعلم والمناظرات، وبالتالي تحويله عن المجال السياسي، وفي الوقت نفسه صرف انتباه المسؤولين والعلماء عن فساد الحكومة نفسها. وفي نهاية المطاف، كان المأمون يهدف إلى تسخير بلاغة الإمام لتوحيد المجتمع، كل ذلك في حين أنه کان يخفي دوافع خفية.
أقام المأمون العديد من جلسات المناظرة التي دعا فيها الإمام الرضا (عليه السلام)، وطرح شبهات متنوعة لينال من الإمام[8]، ولكن باءت جميع محاولاته بالفشل وتمكن الإمام من تحقيق أقوى ترويج للإمامة والولاية من خلال أسلوبه في النقاش مع كبار الأديان والمذاهب والجنسيات المختلفة. كان (عليه السلام) يتحدث مع كل ذا دين ومذهب بلغته الخاصة ويقدم براهين تتناسب مع عقائده[9]. لذلك فقد انتشرت شهرة علم الإمام وحكمته في كل مكان، وكان الناس يتوافدون من مختلف الأفكار والمعتقدات والأديان للمشاركة في مناظرات الإمام الرضا عليه السلام و يطرحون عليه أسئلتهم.
الدفاع عن حقوق الأئمة(عليهم السلام) المنسية وإحياء قضية الغدير
كان خلفاء بني أمية وبني العباس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله قد فرضوا جواً يحضر الحديث عن الغدير، خشية أن يستحضر الناس قضية سلب الخلافة وما تعرّض له الإمام علي وأبناؤه عليهم السلام من ظلم. كان آخر احتفال رسمي بالغدير آنذاك يعود إلى عهد الإمام علي عليه السلام. إلا أن الإمام الرضا عليه السلام خلال فترة ولايته للعهد، أعاد إحياء هذه المناسبة وجعلها احتفالاً رسمياً، ليعيد هذا الحدث إلى الساحة كتقليد دائم. [10]
حياة الإمام الرضا عليه السلام في فترة ولاية العهد
كانت فترة ولاية العهد للإمام الرضا عليه السلام تشكّل انطلاقة جديدة لإبراز وإحياء حقائق الغدير، حيث كان يتحدث بصراحة عن مقام الإمام وحقوقه. ومع انتشار خبر وصوله إلى إيران، تدفق عشرات الآلاف من المفسرين والرواة للاستماع مباشرة إلى حديث من ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله). تختلف المصادر في عدد كتّاب الحديث الذين حضروا، إلا أن الرواية الأكثر تداولاً تشير إلى أنهم بلغوا 20 ألفًا.[11]
اختار الإمام الرضا عليه السلام بحكمة بالغة ودقة في اختيار الوقت المناسب، أن ينقل حديثاً يُعرف بحديث “سلسلة الذهب” أمام تلك الحشود المتخصصة في علم الحديث. لقد أطلق الإمام في هذه المناسبة ما يمكن اعتباره غديراً ثانياً، حيث أكد على أن الشرط الوحيد للوصول إلى التوحيد هو إدراك مقام الإمامة، أي أنه من المستحيل أن يصل أحد إلى التوحيد دون الإيمان والتمسك بولاية الإمام علي عليه السلام وذريته عليهم السلام. في ذلك المكان والزمان، بدأ الإمام في نشر قضية الغدير وتوضيح مقام الإمامة أمام العامة.
في ذلك العصر، كان فهم الناس لمفهوم الإمام قد انخفض إلى حد أنهم كانوا يعتبرون الحاكم الحالي هو الإمام، حتى ولو كان الحاكم شخصاً وضيعاً مثل يزيد أو هارون. عندها قام الإمام الرضا عليه السلام بتحديد وشرح صفات الإمام الحق للمجتمع في الأماكن العامة، مما جعل الناس يدركون التناقضات وينفرون من الحكام الجائرين.
دور الإمام الرضا عليه السلام في تعزيز تنظيم الشيعة
إن دراسة الحياة السياسية للإمام الرضا عليه السلام تهدف إلى تسليط الضوء على استراتيجياته في التعامل مع الثقافات المضادة. ومن خلال استخلاص هذه الأساليب من سيرة الإمام، يمكننا بلا شك أن نتبناها كنماذج مثالية في هندسة الحضارة الإسلامية الحديثة. في حين أننا تحدثنا عن دور الإمام الرضا عليه السلام كولي للعهد وجهوده لتحصين حركة الإمامة خلال تلك الفترة، إلا أننا لم نتعمق بعد في منهجيته في التعامل مع أتباعه بعد استشهاد الإمام الكاظم عليه السلام. تعتبر مواجهة الإمام الرضا (عليه السلام) مع الوكلاء الذين انحرفوا عن الطريق من أهم الإجراءات التي قام بها، والتي لم يتم تناولها بشكل كاف.
مفهوم نظام الوكالة
إن إحدى أقوى البرامج الإدارية لأهل البيت عليهم السلام هي شبكة تُعرف باسم “نظام الوكالة”. تم تشكيل هذا النظام لمواجهة تحديين كبيرين: اتساع الرقعة الجغرافية للشيعة وإدارة شؤونهم المختلفة. نظرًا للتهديدات والضغوط التي كانت تمارسها حكومتا بني أمية وبني عباس، لم تسمح الظروف أن يتواصل الناس بسهولة مع معظم الأئمة عليهم السلام، لذلك فقد كانت هناك حاجة ملحة لوجود ممثلين موثوقين وصالحين ليكونوا حلقة وصل بين الناس والإمام. تشكّل هذه الشبكة أو هذا النظام مؤسسة منظمة يرأسها الإمام المعصوم في كل عصر، ويمثّل الوكلاء أو النواب جسم هذه المنظمة، إذ أنهم كانوا يمثلون الإمام في المناطق المختلفة التي يقطنها الشيعة. كانت لهذه المنظمة برامج وتعليمات خاصة بها تحت إشراف دقيق من الإمام.
كان نظام الوكالة یتولى أدوارًا مهمة؛ بالإضافة إلى أنه كان يمثل همزة وصل بين الإمام والناس، كان يتولى إدارة الشؤون المالية واستلام الوجوهات الشرعية، والمكانة العلمية والإجابة على الأسئلة الشرعية، و مواجهة الانحرافات والفتن، والدور السياسي وإعداد المجتمع لفترة الغيبة والابتعاد عن الإمام.
إصلاح نظام الوكالة المختل بعد استشهاد الإمام الكاظم عليه السلام
على الرغم من أن نظام الوكالة كان موجوداً منذ عهد الإمام علي عليه السلام، إلا أنه بلغ ذروته في عصر الإمامين الصادقين عليهما السلام[12]، وفي عهد الامام الکاظم عليه السلام اتخذ طابعاً أكثر جدية نظراً للظروف الصعبة التي مر بها. للأسف، بعد استشهاد الإمام الكاظم عليه السلام انحرف بعض وكلائه الخاصين عن الحق، وأنشأوا فرقاً جديدة، وسرقوا الأموال الشرعية، وأنكروا إمامة الإمام الرضا عليه السلام[13]. شهد عصر الإمام الرضا عليه السلام تنوعًا مذهبيًا كبيرًا، حيث ظهرت العديد من الفرق الشيعية التي اختلفت في آرائها وعقائدها. ومن أبرز هذه الفرق التي أحدثت بلبلة في ذلك العصر: الواقفية، والغلاة، والزيدية، والإسماعيلية. وقد تسببت هذه الفرق في العديد من المشكلات والتحديات للإمام الرضا عليه السلام. ركزت الغلاة في تلك الفترة على نشر تعاليم قادة الغلو السابقين، بينما كانت الزيدية تركز على الشؤون العسكرية ونظمت انتفاضات كبيرة ضد المأمون.
كانت فرقة الواقفية أكثر الفرق إزعاجاً للإمام الرضا عليه السلام، وظهرت بعد استشهاد الإمام الكاظم عليه السلام. تعتبر الواقفية أن الإمامة تنتهي اصطلاحًا عند الإمام الكاظم عليه السلام، وكان هناك من يعتقد أن الإمام الكاظم عليه السلام هو المهدي القائم الذي لم يُستشهد بل دخل في فترة الغيبة. بينما اعتقد آخرون أن الإمام قد توفي ثم عاد للحياة ثم غاب عن الأنظار، وبما أنه عاد للحياة مرة أخرى فهو قائم. كما كانت هناك مجموعة تؤمن بأن الإمام قد توفي ولكنه سيعود للقيام عندما يحين وقت القيام.[14] بما أن زعماء الواقفية كانوا من كبار العلماء والفقهاء الشيعة، انحرف الكثير من الناس بسبب جهلهم.[15] بالإضافة إلى أنهم كانوا يقفون على جزء كبير من التراث الروائي الشيعي، الذي كان من الممكن أن يتعرض للتلاعب أو يُستخدم بشكل مزدوج. بسبب ضعف وسقوط هؤلاء الفرق، وُجّهت ضربة كبيرة لنظام الوكالة في عصر الإمام الرضا (عليه السلام) وبقيت في حالة ضعف لفترة من الزمن. من جهة أخرى، كان هناك عدد من الشيوخ المعتمدين الذين ادعوا المهدوية، وهي مسألة ذات أهمية كبيرة وركنًا مهمًا من أركان الشيعة. تصدى الإمام الرضا عليه السلام بشدة لهذه المجموعة واتخذ إجراءات حاسمة ضدها.
في ظل هذه الظروف، اضطر الإمام الرضا عليه السلام إلى معالجة الضرر الكبير الذي أصاب منظمة الوكالة، إضافة إلى إعادة بناء أسسها وتقويتها. كان عليه أن يضمن أن تصل هذه المنظمة إلى الأئمة بعده بحالة أفضل.
لقد اتخذ الإمام الرضا عليه السلام نهجاً هجومياً ودفاعياً، حيث كتب في البداية رسائل إلى الوكلاء المضللين، معلنًا إمامته وطالبا بإعادة الأموال التي استولوا عليها. ثم ردّ على الشبهات التي أثارها قادة الفتنة وكشف حقيقتهم أمام العامة. أخيرًا، أصدر أمرًا بمقاطعة اقتصادية واجتماعية ضد الواقفية، وحرم أتباعه من أي تواصل معهم، بل ودعا إلى لعنهم. بهذه التدابير، أعاد الإمام الرضا عليه السلام مكانة منظمة الوكالة.[16]
تعزيز التنظيم بواسطة الإمام الرضا عليه السلام
إن الأئمة الاثني عشر عليهم السلام، وإن تعددت شخصياتهم وتباينت عصورهم، إلا أنهم جميعًا يمثلون نورًا واحدًا وإنسانًا واحدًا. فكأنهم أعضاء لجسد واحد، ولكل عضو وظيفته التي يؤديها في الوقت المناسب. تمامًا كما يتطور الإنسان في مراحل عمره المختلفة، ويتأقلم مع متغيرات الزمان والمكان، كذلك الأئمة، فإنهم وإن اختلفت أساليبهم في الدعوة والتوجيه، إلا أن كل منهم قام بدوره في الزمان الذي اختاره الله له، ساعياً لتحقيق هدف واحد وتمهيد الطريق للوصول إلى ذلك الهدف.
وكما ذكرنا فإن الظروف الصعبة والمخاطر في عهد الأئمة السابقين جعلت من الضروري وجود شبكة سرية لتواصل الناس مع الإمام. أما في عصر الإمام الرضا عليه السلام، فكان الناس يتواصلون مع الإمام علانية، يستمعون إلى أقواله ويتعلمون عن مقامه وحقوقه، ويفهمون حقائق الدين والتشيع، لذلك لم تكن هناك حاجة كبيرة للشبكة السرية. كان هدف الأئمة هو تقوية الشيعة وتمكينهم، سواء بشكل سري مع التقية أو علانية في الملأ العام. قام الإمام الرضا عليه السلام بهذه المهمة بشكل علني وفقاً لمقتضيات زمانه.
رغم أن نظام الوكلاء في هذه الفترة كان يختلف إلى حد ما عن نظام الفترات السابقة، إلا أن الإمام كان يعمل جاهدًا على إصلاحه وإعادة بنائه. وكانت هذه مهمة بالغة الصعوبة والأهمية، وحاسمة للمستقبل. وبفضل جهود الإمام الرضا عليه السلام، شهد المجتمع الشيعي نموًا وتوسعًا ملحوظًا، وتم تسليم منظمة وكالة سليمة ونقية إلى الإمام الجواد عليه السلام. وقد عمل الأئمة من بعد الإمام الرضا عليه السلام على تعزيز هذه المنظمة وتقويتها، وهمّوا بتجهيز الناس لفترة غيبة الإمام الثاني عشر عجل الله فرجه الشريف.
[1] . شهرستانی، محمد بن عبدالکریم، الملل و النحل، لبنان، دارالمعرفة، 1415، ج 1، ص 169 و ج 8، ص 389
[2] . زکار، سهیل، تاریخ خلیفة بن خیاط العصفری، بیروت، دارالفکر، 1414 ه ق، ص 384
[3] . ابوجعفر، محمد بن علی، عیون اخبار الرضا، تهران، نشر جهان، بی تا، ج 1، ص 20
[4] . المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، طهران، الإسلامیة، 1386، ج 49، ص129
[5] . ابوجعفر، محمد بن علي، عیون أخبار الرضا، طهران، نشر جهان، ج 2، ص 139 و 146
[6] . نفس المصدر، ج2، ص 139.
[7] المكتبة التي كانت موجودة في عهد هارون الرشيد، والتي تحولت في زمن المأمون إلى مكان لعقد المناظرات.
[8] جعفریان، رسول، حیاة فکریة و سیاسیة لأئمة الشیعه، قم، انصاریان، 1381، ص 451
[9] مصلایي بور، عباس، «اصول المناظرة و حرية الفكر مع التركيز على المناظرات الامام الرضا علیه السلام» ، ص 94 تا 98
[10] حر العاملي، محمد بن حسن، وسائل الشیعه و مستدرکها، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1424ق، ج 10، ص 444
[11] سمهودي، علی بن عبدالله، جواهر العقدین في فضل الشرفین، بغداد، مطبعة العانی، 1405 ق، ص 344
[12] الخامنئي، سید علي، انسان بعمر 250 سنة، قم، مؤسسة صهبا للایمان الجهادي، 1400، قسم الامام الصادق علیه السلام.
[13] الشهرستاني، محمد بن عبدالکریم، الملل و النحل، لبنان، دارالمعرفة، 1415، ج1، ص 168
[14] المدرس، محمدعلي، ریحانة الأدب، طهران، خیام، 1391، ج 5-6، ص 296/ الشهرستاني، محمد بن عبدالکریم، الملل و النحل، لبنان، دارالمعرفة، 1415، ج1، ص 169
[15] تقي الدین حلی، حسن بن علي، کتاب الرجال، طهران، طبع جامعة طهران، ص 286
[16] حسين خاکبور، “تحليل منهج الإمام الرضا(عليه السلام) في التعامل مع قادة فرقة الواقفية: دراسة على ضوء منهج تحليل الخطاب السردي”.