تحرّكات اليهود في التاريخ الإسلامي وخططهم في صدر الإسلام للتسلّل إليه وإضعافه
منذ اللحظة التي خطّط فيها اليهود لقتل السيّد المسيح عليه السلام، أدركوا أن الخطر الأكبر الذي يتهدّد مشروعهم القادم يتمثّل في النبيّ الموعود في آخر الزمان. فكما عرفوا عيسى بن مريم من أوصافه في التوراة ثم سعوا لإسكاته، كانوا أيضًا على درايةٍ بسمات النبيّ الخاتم محمّد (صلی الله علیه وآله وسلّم)، معرفةً عميقةً ومبكرة، ولكنّهم عمدوا إلى تحريف تلك الصفات معنويًا وتقديمها للناس بصورةٍ مشوَّهة تخدم أهدافهم. كان الوعي اليهوديّ يدرك أنّ هذا النبيّ سيُسقط مشروعهم في إقامة «الحكم العالمي» الذي طالما سعوا إليه، ولذلك وضعوا خططًا معقّدة ومتعددة المراحل لمواجهة الخطر النبويّ القريب:
يمكن تتبّع تحرّكات اليهود في التاريخ الإسلامي ضمن ثلاث دوائر رئيسة:
- محاولة الإبادة والاستباق: وتتجلّى في محاولاتهم المتكرّرة لاغتيال أجداد النبيّ (صلی الله علیه وآله وسلّم)، ثم شخصه الكريم، بهدف منع ظهوره أصلًا أو إيقاف مسيرة الرسالة في مهدها.
- منع بلوغ النبيّ إلى القدس: فالقدس هي مركز الأطماع اليهودية، وكانوا يعتقدون أنّ سيطرة النبيّ عليها ستقضي نهائيًا على حلمهم القديم بتأسيس حكمٍ عالميّ، فعملوا على صدّ طريقه نحوها سياسيًا وعسكريًا.
- التسلّل إلى الدولة النبوية: بعد فشلهم في اغتيال النبيّ، اتجهوا إلى أسلوبٍ جديد تمثّل في الاختراق الداخليّ و زرع عناصر نفاقٍ داخل الصفّ الإسلاميّ.
أظهرت الجماعات اليهودية عدة مواقف مختلفة تجاه انتظار ولادة النبي الموعود؛ فكان بعضهم، على غرار كثير من المسيحيين في ذلك العصر، ينتظر ظهور المخلّص والنبي الخاتم، بينما سعى فريقٌ آخر إلى التوجّه نحو الجزيرة العربية والاستقرار في مناطق متفرقة منها بهدف الحيلولة دون ظهور هذا النبي أو القضاء على الخطر الذي كانوا يتوقعونه.
بما أنهم كانوا ينتظرون منذ سنوات زمن ظهور النبيّ الموعود في آخر الزمان، فقد استعانوا بعلم فراسة الوجوه، وهو من العلوم المهمة والشائعة عند اليهود، لمحاولة التعرّف على ملامح أسلاف النبيّ. وكانوا يخطّطون لاغتيالهم أملاً في منع ولادته، غير أنّ هذه المحاولات كانت غالباً تفشل ولا تحقق هدفها. وبعد إخفاق مشروع الاغتيال، انتقلوا إلى تنفيذ المرحلة التالية من خطتهم. فقد كان هدف هذه التحركات إغلاق الطريق المحتمل الذي قد يسلكه النبيّ نحو الأرض المقدسة، وذلك بإقامة تحصينات ونقاط تمركز متعددة تعيق حركته. كما عملت الجماعات اليهودية على إثارة الفتن الداخلية بين قبائل المدينة، إضافة إلى تحريض المشركين من خارجها، حتى جعلوا الظروف شديدة الصعوبة على النبيّ (صلی الله علیه وآله وسلّم)، وعلى المسلمين.
شهدت المدينة المنوّرة، منذ الأيام الأولى للهجرة، دورًا محوريًا للجماعات اليهودية في تأجيج الصراعات الداخلية، وتحريك المشركين من الخارج لإضعاف المسلمين. فقبل كلِّ معركةٍ وبعدها، كانت تُسجَّل مواقف مثيرة من اليهود تُرهق المسلمين وتستنزف قواهم. بل تجاوز الأمرُ ذلك إلى إنشاء شبكاتٍ من المنافقين داخل الجيش الإسلاميّ نفسه، استطاعوا من خلالها النفاذ إلى قلب البناء النبوي، حتى كادت تلك المؤامرات تنتهي باغتيال النبيّ (صلی الله علیه وآله وسلّم). من هنا تتولّد جملةٌ من الأسئلة المحورية التي تسعى هذه الدراسة إلى تحليلها:
- ما طبيعة الخطط التي وضعها التنظيم اليهوديّ لإقصاء النبيّ الخاتم؟
- كيف بدأت الحروب بين الطرفين، وما نتائجها المباشرة وغير المباشرة؟
- مَن هم أبرز عناصر النفوذ اليهوديّ في الصفّ الإسلاميّ؟
- ما الأهداف البعيدة وراء مواقف اليهود من النبيّ والدعوة الإسلامية؟
- وما النتائج التاريخية لتلك السياسات في الماضي وتأثيراتها المستمرة في واقع العالم اليوم؟
تحرّكات اليهود قبل ميلاد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلّم)
تذكر المصادر التاريخية أن الجدَّ الأعلى للنبيّ محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) هو هاشم بن عبد مناف، وأن قبره في غزة. وقد كان اليهود، منذ زمن بعيد، على علمٍ بقرب ظهور نبيٍّ في آخر الزمان؛ إذ نقلت إليهم كتبهم، كما ورد في تعاليم موسى عليه السلام، أوصاف هذا النبيّ المنتظر وعلاماته العامة. وبسبب اهتمامهم الكبير بعلوم الفراسة وتمييز الأنساب، كانوا يتتبّعون تلك العلامات في البيئات التي يُحتمل أن يظهر فيها النبيّ الموعود. وفي هذا السياق تعرّف بعضهم إلى هاشم بوصفه من السلالة التي يمكن أن يخرج منها ذلك النبيّ، فخطّطوا للتخلّص منه خشية أن يكون جدّ النبيّ المنتظر. غير أن تلك المحاولة لم تحقق هدفها؛ إذ لم يُقتل هاشم إلا بعد أن كان نسلُه قد امتدّ، حيث وُلد منه عبد المطّلب.[1]
وبعد ذلك، عندما عاد المطلب بن عبد مناف بابن أخيه – الذي عُرف لاحقًا بعبد المطّلب – إلى مكة ليتولّى رعايته، تعرّض هو الآخر لمحاولة اعتداء بعد أن لفتت أنظار بعض اليهود تلك السلالة، إلا أن المحاولة فشلت ونجا عبد المطّلب. وقد كان اسمه في الأصل «شيبة»، ثم عُرف في مكة باسم «عبد المطّلب».[2] ومع ولادة عبد الله بن عبد المطّلب، والد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) ، استمرّ القلق لدى بعض الجماعات اليهودية التي كانت تترقّب تحقق البشارة القديمة، فتعرّض عبد الله بدوره لعدة محاولات اعتداء، لكنها لم تفضِ إلى نتيجة. [3]وبعد ميلاد النبيّ محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) لم تتوقف تلك المخاوف؛ إذ تشير بعض الروايات إلى أن أهل الكتاب كانوا يتابعون الأخبار المتعلقة بميلاده، مستندين إلى ما لديهم من معارف وتوقّعات دينية.[4] ولهذا كان بعض المحيطين بأسرة النبيّ على قدرٍ من الحذر، إدراكًا لاحتمال تعرّض هذا المولود الذي تُحيط به البشارات إلى أخطار مختلفة. ومهما تكن تلك المحاولات، فإن مجرى الأحداث التاريخية يظهر أن كل تلك المساعي لم تُفلح في تغيير المسار الذي قدّرته العناية الإلهية؛ فقد ظلّت الحماية الإلهية تحيط بالمسار الذي انتهى بظهور النبيّ الخاتم، ليبدأ فصلٌ جديد في تاريخ الرسالة الإلهية.
جهود اليهود بعد ميلاد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلّم)
بعد ولادة النبيّ الخاتم تولّى جدّه عبدالمطّلب مسؤولية صيانته وحمايته، مدركًا تمامًا أنّ المشروع اليهوديّ الساعي إلى اغتياله لم يتوقف عند مرحلة النَّسَب، بل سيمتدّ إلى شخصه الكريم عند ظهوره. من هنا قرّر عبدالمطّلب أن يُبعد الطفل المبارك عن الأنظار، فسلّمه إلى مرضعةٍ من البادية تُدعى حليمة السعدية، وكان منزلها على مسافةٍ بعيدة من مكّة. وقد ذكر المؤرخون أسبابًا ظاهرية لهذا الإبعاد، كتقليد العرب في إرسال أطفالهم إلى البادية لاكتساب الفصاحة أو رداءة هواء مكّة أو قلّة الحليب عند آمنة بنت وهب، غير أنّ هذه المبرّرات لا تصمد أمام الفحص التاريخي؛ إذ كانت مكّة تعجّ بالمرضعات، ولم يُعرف عن غير النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنه أُرسل بعيدًا لتلك الأسباب. والحقيقة أنّ عبدالمطّلب كان يتحسّب من محاولات اغتيالٍ جديدة تقوم بها الجماعات اليهودية التي كانت قد تسلّلت إلى الحجاز آنذاك.
ولمّا بلغ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) نحو الخامسة من عمره، أمر عبدالمطّلبُ بإعادته من مضارب حليمة إلى مكّة، لأنه علم أنّ بعض أحبار اليهود تتبّعوا أثره، وأنّ أمنه لم يعد مضمونًا في البادية، فأراد أن يتولى حمايته بنفسه. [5] ومن شدّة عنايته به أنه كان لا يفارقه في أكثر أحواله، يجلسه إلى جواره في مجالسه الخاصة، بل أوصى ابنه أبا طالب في وصيته المشهورة أن يكرّس حياته لحراسة «الأمانة الإلهية» المتمثلة في هذا الغلام المبارك. وقد وفّى أبو طالب بالوصية أصدق وفاء، فصار ظلًّا ملازمًا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)، يصحبه في السفر والحضر، ويُخاطر بنفسه لأجله. فقد رافقه في تجارته إلى الشام، والتقى بهم الراهبُ النصرانيّ بحيرى، الذي تعرف إلى النبيّ من العلامات التي كانت في كتبه، فقبّل يده، وأخذ يوصي أبا طالب قائلاً: أعده إلى مكّة فورًا، فاليهود قد علموا بقدومه، وهم أخطر من أن يبلغه خبرهم. وأكّد له أنّ علماء أهل الكتاب جميعًا يعرفون صفاته ويترصدون ظهوره.
امتثل أبو طالب للنصيحة وعاد بالنبيّ إلى مكّة، وامتنع بعد ذلك عن اصطحابه في أيّ رحلة أخرى. [6] لكنّ الأخبار تذكر أن سبعة رجالٍ من اليهود تتبّعوا أثر النبيّ حتى بلغوا ديار بحيرى طلبًا لاغتياله، إلا أنهم وجدوه قد عاد إلى مكّة. ومنذ ذلك الحين أحاطه أبو طالب برعايةٍ غير مسبوقة: كان يذوق الطعام قبله خشية أن يكون مسمومًا، وينام إلى جواره خوفًا من غدرٍ أو تسلّلٍ ليلي، ويدخل الأماكن قبله ليتأكد من خلوّها من خطر. ولم يكن ذلك مجرّد عاطفة عمّ نحو ابن أخيه، بل وعيًا عميقًا بأن العدوّ المتربّص هو اليهود الذين ظلّوا، عبر التاريخ، يسعون لإجهاض الرسالة قبل أن تشرق بنورها على العالم. [7]
تحصينات التنظيم اليهوديّ من المدينة إلى القدس
بعد فشل محاولات الاغتيال الجسديّ والمعنويّ التي استهدف بها اليهودُ النبيَّ الموعود، اتّجه النشاطُ اليهوديّ إلى مرحلةٍ أكثر عمقًا واستراتيجية: إقامة سلسلةٍ من تحصينات وموانع على طريق يمكن أن يسلكه النبيّ محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) نحو القدس. فقد كانت القدس، في الوعي الدينيّ والسياسيّ اليهودي، مركز المشروع التاريخيّ الذي يخشون سقوطه بيد النبيّ الخاتم، ولذلك سعوا إلى خلق «حزامٍ حاجز» يمنع أيّ امتدادٍ للرسالة الجديدة نحوها. من هنا يمكن فهم انتقال الجماعات اليهودية إلى يثرب واستيطانهم المبكر فيها، في وقتٍ كانت ما تزال أرضًا قاحلة قليلة الموارد. [8] وقد تبدو هذه الخطوة للوهلة الأولى غير مفهومة، إذ كان اليهود على يقينٍ من أنّ النبيّ سيُبعث في مكّة، ومع ذلك لم يتّجهوا إليها. غير أنّ السرّ يكمن في محدودية معرفتهم بالموقع الدقيق الذي سيستقرّ فيه النبيّ بعد البعثة؛ فقد كانوا يعلمون أن الرسالة ستخرج من «الحجاز»، لكنّهم يجهلون أن موضع استقرار النبيّ سيكون في المنطقة المحصورة بين جبال أُحد وعسير. لذلك اختاروا يثرب مركزًا لعملياتهم،[9] وجعلوا منها نقطة الانطلاق لمشاريعهم السياسية والاجتماعية والعسكرية. وهكذا تحوّلت يثرب إلى ساحة أساسية مارست فيها الجماعات اليهودية نشاطها الأكثر تأثيرًا في مواجهة الدعوة الإسلامية الناشئة.
استقرّت الجماعات اليهودية في نقاط متفرّقة على امتداد الطريق الممتدّ من يثرب إلى القدس؛ فبعضها اتّخذ من خيبر موطنًا، وبعضها من تبوكَ ويثرب ومؤتة، فيما بقيت مجموعاتٌ أخرى في تخوم القدس نفسها. وعند قراءة هذا التوزّع على الخريطة التاريخية يتّضح أنّه لم يكن عشوائيًا، بل أقرب إلى منظومة دفاعية محكمة؛ شبكةٌ من سبعة «خنادق» بشريّة أرادت من خلالها المؤسسة اليهودية أن تُغلق على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) كلّ مسارٍ محتمل نحو بيت المقدس.
وعلى الرغم من أنّ بعض هذه المجموعات كانت تعلن أنّها جاءت إلى يثرب لتترقّب ظهور النبيّ الموعود والإيمان به، إلا أنّ الوقائع تناقض تلك الادّعاءات. فلو كانت تنتظر حقًا النبيّ الخاتم، لِمَ لم تتوجّه إليه في مكّة طيلة ثلاثة عشر عامًا من البعثة، حيث كان حضوره ظاهرًا ودعوته علنية؟ ولماذا سكنت مناطق قاحلة لا جذبَ فيها ولا مقوّمات طبيعية للحياة؟ إنّ نمط انتشارهم الجغرافيّ يُظهر بوضوح أنّ وجودهم كان مدروسًا ومبنيًا على تخطيطٍ استراتيجيّ دقيق، يهدف إلى تشكيل طوقٍ مانعٍ أمام النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) يمنعه من الوصول إلى بيت المقدس، المركز الذي يشكّل العقدة التاريخية للمشروع اليهوديّ.
كانت في طريق النبيّ محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) سبعةُ حواجز أو خطوط مواجهة تمثّلت في: بني قريظة، وبني المصطلق، وبني النضير، وخيبر، وتبوك، ومؤتة، ثمّ القدس. وقد خاض اليهود في كلٍّ من هذه المحطات مواجهةً مع النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) في مرحلةٍ من المراحل، فشكّلت تلك الأحداث جانبًا من تحرّكاتهم في صدر الإسلام. وكان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) كلما واجه إحدى هذه الجبهات ويتمكّن من تجاوزها يفتح بذلك حاجزًا من الحواجز التي أقيمت في طريقه. وقد تقدّم في هذه المسيرة عبر معارك متعدّدة حتى بلغ مؤتة، غير أنّه لم يصل إلى القدس، إذ حالت دون ذلك مكايد اليهود وتدبيراتهم.
مواجهة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) واليهود في ساحة المدينة
لم يكن التنظيم اليهوديّ قادرًا على التعرّض للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) في مكّة؛ فمع أنّ المشركين كانوا يعادونه، فإنّهم كانوا يعدّونه واحدًا منهم، وكانت بينهم وبينه روابط عشائريّة واجتماعيّة وعاطفيّة، كما أنّه (صلى الله عليه وآله وسلّم) عُرف بينهم بالإحسان والوفاء، ولذلك لم يكن المجال مهيّأً لليهود لإثارة المتاعب له في مكّة. غير أنّ الأوضاع تغيّرت بعد هجرته إلى المدينة واستقراره فيها وتشكُّل المجتمع الإسلاميّ بقيادته؛ إذ بدأت منذ ذلك الحين المرحلة الميدانيّة لتحرّكات اليهود ضدّ الإسلام. فقد أصبحت المدينة في نظرهم معسكرًا للخصم، وتهيّأت الظروف لتنفيذ خططهم فيها.
وقد عُرف اليهود عبر التاريخ بانتهاج أسلوب المكر والالتفاف في إدارة شؤونهم، وكانوا نادرًا ما يظهرون ما يضمرونه حقيقة. وعلى هذا المنوال جرت تحرّكاتهم في صدر الإسلام. فبعد استقرار النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) في المدينة وفد إليه ممثّلون من قبائل اليهود الكبرى: بني النضير وبني قينقاع وبني قريظة، وعقدوا معه اتفاقات صلح مستقلّة. [10]و[11] ونصّت تلك الاتفاقات على ألّا يتعرّض اليهود للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) أو للمسلمين بسوء، وألّا يناصروا أعداءهم، مقابل أن يلتزم المسلمون بعدم الاعتداء عليهم. كما تضمّن العهد أنّ أيّ اعتداء من جانبهم، قولًا أو فعلًا أو سلاحًا أو دعمًا للأعداء، يُعدّ نقضًا للعهد، يجيز للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) معاقبتهم بما يراه مناسبًا، بما في ذلك القتال وأسر الذراري ومصادرة الأموال.
نقض العهد من قِبَل اليهود
لم تمضِ فترة طويلة حتى بدأ اليهود يتجاهلون بنود تلك المعاهدات تدريجيًا، وشرعوا في إثارة المشكلات للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) وإرباك المجتمع الإسلاميّ بوسائل مختلفة. ويُظهر تتبّع هذه الأحداث أنّ الهدف لدى قياداتهم كان يبرّر الوسيلة في كثير من الأحيان. فقد سجد بعضهم لأصنام قريش تقرّبًا للمشركين وإشعالًا للعداوة بينهم وبين المسلمين، كما واصلوا تحريض قريش ضدّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلّم). [12]
ومن جهة أخرى كانوا يدركون أنّ اتّحاد قبيلتي الأوس والخزرج كفيل بتثبيت الإسلام في المدينة، فسعوا إلى إحياء العصبيّات القديمة وإثارة ذكريات الحروب الجاهليّة بينهما لإشعال الأحقاد من جديد. [13] كما لجؤوا إلى تحريف النصوص التي تتضمّن علامات النبيّ الخاتم في كتبهم، خشية أن يتعرّف الناس إليه فيؤمنوا به. [14]
ومن الوسائل التي استخدموها كذلك السخرية والاستهزاء بالدعوة الجديدة، حتى أشار القرآن إلى هذه الظاهرة. [15] كما حاولوا التأثير في النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) نفسه عبر عروضٍ سياسية؛ فاقترحوا عليه أن يحكم لصالحهم في بعض الخصومات مقابل أن يعلن أحبارهم تأييدهم له، طمعًا في تشويه سمعته بين الناس إن قبل بذلك. غير أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) رفض هذه المحاولات، وكشف القرآن مكرهم.[16]
كذلك كان لليهود دورٌ بارز في التحريض على المواجهات العسكريّة؛ فكانوا كثيرًا ما يسبقون حملات المشركين ضدّ المسلمين بالتحريض والدعم، أو يشجّعونهم على الهجوم. وتشير بعض الآيات القرآنية إلى أنّهم كانوا عنصرًا محوريًا في تأجيج تلك الاعتداءات. [17] كما كانوا يختارون توقيت تحرّكاتهم غالبًا بعد انتهاء المعارك الكبرى حين يكون المسلمون مرهقين، فيشعلون أزمات جديدة تستنزف طاقتهم.
سلسلة المواجهات العسكريّة ضدّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)
اتّسمت تحرّكات اليهود بطابعٍ متعدّد الجوانب؛ فلم تقتصر على الحرب النفسيّة وإثارة الاضطرابات، بل امتدّت إلى مواجهات عسكريّة مباشرة. ولذلك يمكن ملاحظة حضورهم، المباشر أو غير المباشر، في كثير من معارك العهد النبويّ؛ أحيانًا بصورة خفيّة كما في بدر، وأحيانًا بوضوحٍ أكبر كما في تحريض المشركين في أُحد والخندق أو تمرّدهم في خيبر.
- أثر الیهود في وقعة بدر
من السمات اللافتة في تلك المرحلة اعتماد اليهود في كثير من الأحيان على عناصر متخفّية داخل المجتمع الإسلاميّ لتحقيق أهدافهم. وقد ظهرت مثل هذه المؤشّرات خصوصًا في السنوات الأولى من قيام الدولة النبویة في المدينة، حين كان اليهود حريصين على إخفاء موقفهم الحقيقي. وعلى الرغم من أنّ معركة بدر تُعدّ من أبرز انتصارات المسلمين، فإنّ بعض التصرّفات المثيرة للجدل وقعت خلالها؛ فمعركة بدر كانت البداية الفعلية للمواجهة العسكرية بين معسكري الشرك والتوحيد، وجرت بقوة هائلة من قبل جيش الإسلام القليل العدد، مما كان يمكن أن يضع حداً نهائياً للمشركين ويزيلهم عن طريق الإسلام إلى الأبد.
انشغل بعض المقاتلين بأسر عددٍ من المشركين من دون أمرٍ مباشر من النبيّ (صلی الله علیه وآله وسلم)، الأمر الذي أتاح لكثير من قادة قريش فرصة الهرب. وتشير بعض الروايات التاريخية إلى أنّ اثنين من الصحابة، اللذين تولّيا لاحقاً مناصب قيادية عليا في الدولة الإسلامية وتصدّرا موقع الخلافة بعد وفاة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، قد بادرا إلى إبداء آرائهما علناً بشأن مصير الأسرى، وذلك قبل أن يطلب النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم رأي أحد في هذا الشأن. ولم يقتصر الأمر على طرح الرأي فحسب، بل أسهما أيضاً في تشجيع الآخرين على الخوض في هذه المسألة وإبداء مواقفهم.[18] وفي نهاية المطاف، أُثير جدل واسع حول مصير الأسرى وانتهى الأمر بإطلاق سراحهم مقابل الفدية. وقد عاد بعض هؤلاء لاحقًا للمشاركة في معارك أخرى ضدّ المسلمين، وفي مقدّمتها معركة أُحد.
ولا تشير المصادر إلى مشاركة اليهود مباشرة في بدر، غير أنّ بعض الروايات تتحدّث عن دورٍ غير مباشر في إثارة التوتّر داخل المدينة قبل وقوعها. [19] ومن الجدير بالذكر أن الرجلين اللذين اضطلعا بدور محوري في قضية الأسرى، كانا على الدوام، عبر مسار التاريخ، منخرطين في خدمة الأجندات اليهودية، وذلك على الرغم من إصرارهما الدائم على الادعاء بحسن النوايا وتقديم النصح. [20]
- دور اليهود في معركة أُحد
يُعدّ الدور الذي أدّته الجماعات اليهودية في التمهيد لغزوة أُحد من أبرز تحركاتها في التاريخ المبكر للإسلام. فقد تشير بعض الروايات إلى أنّ عناصر من هذه الجماعات توجّهوا إلى مكة قبل وقوع المعركة، حيث أجروا اتصالات مع أبي سفيان وحرضوه على استئناف القتال ضد المسلمين،[21] مقدّمين له وعوداً بالدعم والمساندة إذا ما أقدم على مهاجمة المدينة. وبعد نحو عام من هزيمة قريش في بدر، وجد أبو سفيان في هذه الوعود حافزاً لإعادة تنظيم قواه والتوجّه مجدداً لمواجهة المسلمين، الأمر الذي مهّد لاندلاع معركة أُحد. وقد خلّفت هذه المعركة خسائر جسيمة ومعاناة كبيرة في صفوف المسلمين. إلى جانب ذلك، لعبت بعض العناصر المنافقة داخل المجتمع الإسلامي دوراً مؤثراً في إضعاف الجبهة الداخلية خلال المعركة، إذ ارتبطت هذه العناصر بعلاقات خفية وعلنية مع الأطراف المعادية، وساهمت مواقفها في إرباك صفوف المسلمين وإضعاف قدرتهم على الصمود في ساحة القتال.
- تمرّد یهود بني قينقاع
شهدت المدينة بعد معركة بدر أول خرقٍ واضحٍ للعهود من قِبل يهود بني قينقاع، إذ كانوا أول طائفة بادرت إلى نقض الاتفاق والدخول في مواجهة مع المسلمين. وكان أكثر أفراد بني قينقاع يعملون في صياغة الذهب والفضة، وتذكر الروايات أن حادثة وقعت في سوقهم حين تعرّض بعضهم لامرأةٍ مسلمة وأساءوا إليها، فهبّ رجلٌ من المسلمين دفاعًا عنها وقتل أحد اليهود المتورطين في الاعتداء، فما كان من يهود بني قينقاع إلا أن قتلوا ذلك الرجل المسلم. عندها تصاعد التوتر سريعًا وتهيأت أسباب المواجهة، فتحصّن بنو قينقاع في حصونهم استعدادًا للقتال. وردّ النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) على هذا الخرق الصريح للعهد بحزم، ففرض عليهم حصارًا استمر نحو خمسة عشر يومًا، حتى أُنهكوا واضطروا في النهاية إلى الاستسلام. ووفقًا لبنود المعاهدة التي كانت قد أُبرمت معهم عند قيام المجتمع الإسلامي في المدينة، اتجهت النية إلى إنزال عقوبة قاسية بهم،[22] غير أن بعض حلفائهم من أهل المدينة تدخّلوا وضغطوا على النبي بقوة لتخفيف الحكم، حتى انتهى الأمر بقبول إخراج بني قينقاع من المدينة، مع مصادرة أموالهم لصالح المسلمين.
- خيانة بني النضير
بعد عودة المسلمين من معركة أُحد وما خلّفته من آثار نفسية قاسية في نفوسهم، أقدمت قبيلة بني النضير على محاولة اغتيال النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) والتآمر عليه. وعلى إثر ذلك أمر النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) المسلمين بالتوجه إلى حصون بني النضير لمواجهة هذا الغدر. فتحرك المسلمون نحو ديارهم وفرضوا حصاراً على قلاعهم استمر مدة من الزمن. وخلال الحصار كان بنو النضير يعوّلون على دعم حلفائهم من المنافقين في المدينة، الذين كانوا قد وعدوهم بالمساندة والوقوف إلى جانبهم. لذلك أبدوا في البداية قدراً من الصمود، أملاً في وصول هذا الدعم[23] غير أن الأيام مضت دون أن يظهر أي مدد من حلفائهم، فتبدد أملهم واضطروا في النهاية إلى الاستسلام. وقد تم الاتفاق على أن تُحقن دماؤهم مقابل أن يغادروا المدينة، وأن يحملوا معهم ما استطاعوا من أموالهم ومتاعهم، باستثناء السلاح. وعند خروجهم أظهروا سلوكاً لافتاً؛ إذ خرجت نساؤهم يضربن بالدفوف ويرددن الأناشيد، في محاولة لإظهار التماسك والتقليل من وقع الهزيمة التي لحقت بهم. ويروي بعض شهود تلك الأحداث أن المنافقين في المدينة كانوا يشيّعون بني النضير وهم في حالة من الحزن والأسى لخروجهم ويرى عدد من المفسرين أن الآيات الخمس عشرة الأولى من سورة الحشر نزلت في سياق هذه الحادثة، متحدثةً عن وقائعها وما ترتب عليها من نتائج.[24]
- دور اليهود في غزوة الخندق
في سياق تتبّع تحركات اليهود في التاريخ الإسلامي المبكر، تذكر المصادر أنّ وفداً من زعماء بني النضير وبني وائل توجّه إلى مكة مرة أخرى لتحريض أبي سفيان على قتال المسلمين. وقد حاول أعضاء هذا الوفد استثمار ما عدّوه فرصة مواتية، فأثاروا حماسة قريش ووعدوا أبا سفيان بإمكانية القضاء على النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) إذا ما تمّ حشد القوى ضد المدينة. ولم يكتفِ هذا الوفد بالاتصال بقريش، بل جاب عدداً من قبائل الجزيرة العربية ساعياً إلى استقطابها لتشكيل تحالف عسكري واسع للهجوم على المدينة. وعلى الرغم من أن تلك الجهات كانت قد وعدت المشركين بالتعاون في مناسبات سابقة ولم تفِ بوعودها، فإنها استطاعت هذه المرة إقناعهم بالمشاركة. وهكذا تحرك جيش كبير قوامه نحو عشرة آلاف مقاتل باتجاه المدينة، لتقع المواجهة التي عُرفت بغزوة الأحزاب أو الخندق، في حين لم يتجاوز عدد المسلمين نحو ثلاثة آلاف.
ومما زاد الوضع تعقيداً أن المدينة كانت مهددة من الداخل أيضاً؛ إذ تصاعد التوتر بسبب موقف يهود بني قريظة، فأصبح المسلمون بين خطرين: ضغط خارجي تمثله جيوش الأحزاب، واضطراب داخلي مصدره نقض بني قريظة للعهد. وفي تلك الظروف الحرجة وقعت اعتداءات على المسلمين داخل المدينة، في وقت كان فيه معظم الرجال منشغلين بحماية أطرافها. وقد بلغ الأمر أن جُمعت النساء في حصن لحمايتهن، وأُوكلت حراسة المكان إلى عدد محدود من المقاتلين، بينما شاركت النساء في الدفاع عن المدينة عند الحاجة.[25]
وقد جعل تحالف المشركين مع بعض القوى اليهودية الموقف أكثر صعوبة، غير أن النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) واجه ذلك بتدبير محكم. فقد أسهم نعيم بن مسعود، الذي كانت له علاقات وثيقة ببعض القبائل المتحالفة، في تنفيذ خطة ذكية هدفت إلى إحداث الشكوك بين أطراف التحالف. فتوجه إلى كل طرف على حدة وأوهمه بأن الطرف الآخر يفكر في نقض الاتفاق وتركه يواجه مصيره وحده. وأدّت هذه الخطة إلى بث الريبة داخل صفوف الأحزاب وإضعاف تماسكهم. [26]
إلى جانب ذلك، أسهمت الظروف الطبيعية في تغيير مجرى الأحداث؛ فقد اشتدت البرودة وهبّت عواصف رملية، كما عانى جيش الأحزاب نقصاً في المؤن وطالت مدة الحصار، فدبّ الخوف والإرهاق في صفوفهم. وفي النهاية تشاور أبو سفيان مع قادة الأحزاب وقرروا الانسحاب. وبعد تأكد المسلمين من تراجع قوات الأحزاب، توجّهوا بأمر من النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) إلى بني قريظة بسبب نقضهم للعهد وتعاونهم مع القوى المهاجمة.
فحوصرت حصونهم أياماً عدة. وكان بنو قريظة يتوقعون أن يسمح لهم بالخروج من المدينة وترك أموالهم كما حدث مع بني النضير، إلا أن النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) لم يقبل ذلك. [27] ثم طلبوا أن يتولى التحكيم أحد زعماء الأوس، حلفائهم السابقين، فوافق النبي على هذا الطلب.[28]
وتولى سعد بن معاذ، رغم إصابته البالغة في المعركة، مهمة التحكيم. فأصدر حكمه استناداً إلى ما في التوراة[29] وإلى بنود العهد الذي كان قائماً بينهم وبين النبي (صلی الله علیه وآله وسلم). وقضى الحكم بمعاقبة من شارك في التآمر والقتال، وأسر النساء والأطفال، وتقسيم أموال بني قريظة بين المسلمين بوصفها غنائم حرب. وفي الواقع، فإن المسلمين بعد التجارب المريرة التي مرّوا بها نتيجة منح الأمان لبعض الجماعات اليهودية لم يكونوا ميّالين إلى الاكتفاء بإجلاء بني قريظة؛ إذ خشي كثير منهم أن يتكرر ما حدث مع بني النضير وبني قينقاع، وأن يعيد بنو قريظة التحالف مع المشركين خارج المدينة بما يفتح باباً لتهديدات جديدة. ويرى بعض المؤرخين أن العقوبة طالت المتورطين في الخيانة فقط، لا جميع الرجال. ومهما يكن من اختلاف في التفاصيل، فإن أصل الواقعة ثابت في المصادر، وقد نزلت في سياقها آيات من سورتي الأنفال[30] والأحزاب. [31]
- تمرد يهود خيبر
حين تلقّى اليهود هزيمتهم في المدينة، تحرّك الخطّ الرابع من هذا التنظيم، ليضع اللمسة التالية في سلسلة تحرّكاتهم عبر تاريخ الإسلام. فقد اتجهوا إلى شمال المدينة، حيث اتخذوا من خيبر قاعدةً لهم، وبدؤوا هناك بحشد قواهم وتجميع طاقاتهم.
ولم يكتفوا بذلك، بل عملوا على زعزعة أمن المنطقة الشمالية للمدينة، ومعتمدين بثقةٍ كبيرة على ما يملكونه من قوةٍ وإمكانات، شرعوا في رسم خطّةٍ للهجوم على المدينة. [32]
لقد أظهرت التجربة التاريخية مع اليهود أنهم لم يكونوا محلَّ ثقة في حفظ العهود، إذ تحولت الفرص التي مُنحت لهم مراراً إلى منافذ تُعرِّض كيان المجتمع الإسلامي للخطر وتُلحق به الأذى. ولذلك بدا أن مؤامراتهم لم تكن لتتوقف إلا بوضع حدٍّ لمصادر فتنة كانت تُغذّيها. وفي ظل هذه الظروف، تحرك المسلمون نحو خيبر بجيش قوامه نحو ستة آلاف مقاتل، في خطوة رآها المسلمون إجراءً دفاعياً ضرورياً لحماية المدينة ومحيطها. وقد كان أهل خيبر يعتمدون كثيراً على حصونهم المنيعة، وظنوا أنها كفيلة برد أي هجوم، غير أن المسلمين تمكنوا في نهاية المطاف من فتح تلك الحصون تباعاً. وكان لعلي بن أبي طالب علیه السلام دور بارز في مجريات القتال، كما في معارك أخرى خاضها المسلمون.
وبعد انتهاء المواجهة، عُقد اتفاق بين الطرفين وكان الاتجاه الأول يقضي بأن يترك اليهود أموالهم ويغادروا المنطقة مع عائلاتهم، غير أنهم طلبوا البقاء للعمل في الزراعة مقابل أن يكون نصف المحصول لهم والنصف الآخر للمسلمين، مع ضمان الأمن لهم. فوافق النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) على هذا الترتيب، وأُبرم بينهم اتفاق يحدد هذه الشروط.[33]
- فتنة اليهود في غزوة مؤتة
ويتجلّى امتداد تحرّكات اليهود في تاريخ الإسلام أيضًا في سعيهم إلى تغيير ميدان المواجهة ومسار الصراع. فبعد أن أبرم المسلمون والمشركون صلحًا، خسر اليهود عددًا كبيرًا من حلفائهم، وتراجعت قوّتهم بشكلٍ ملحوظ. لذلك سعوا إلى تعويض هذا الضعف بالتحالف مع الروم، ففُتح بذلك فصلٌ جديد من تحرّكاتهم في تاريخ الإسلام.
وللمرّة الثانية، تحالف اليهود مع الروم في مواجهة نبيٍّ من أنبياء الله؛ فكما تحالفوا سابقًا مع بيلاطس الروماني ضدّ عيسى عليه السلام، ها هم اليوم يقفون مع الروم في مواجهة خاتم الأنبياء. وقد قام الروم بنشر جيشهم في مؤتة، على بُعد يقارب ألف كيلومتر من المدينة، غير أنّ مواجهةً كبرى لم تقع، وكانت الخسائر في الأرواح محدودة جدًا.
ويرى عددٌ من المفسّرين أنّ هدف اليهود من هذا التحرّك كان استدراج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعيدًا عن المدينة، ليتسنّى لهم التنسيق مع المنافقين في الداخل وتنفيذ انقلاب يُسقط عاصمة المسلمين. غير أنّ يقظة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتوفيق الله له، أفسدت هذا المخطّط؛ إذ أرسل جيشًا إلى مؤتة، بينما بقي هو في المدينة، فانهار كيد الأعداء وتبدّد مكرهم.
النفوذ إلى البنية السياسية للدولة الإسلامية
لم تقتصر معرفة الجماعات اليهودية بالإسلام على الإلمام بتعاليمه فحسب، بل بل امتدت – بحسب ما تذكره بعض الروايات – إلى معرفة دقيقة بالشخصيات التي يُنتظر أن يكون لها دور محوري في مستقبله. وتشير إشارات متعددة في بعض الأسفار المنسوبة إلى الأنبياء، مثل أسفار إرميا ودانيال وحزقيال وأشعيا، إلى علامات مرتبطة بظهور المخلّص في آخر الزمان. ومن هذا المنطلق كانت تلك الجماعات تدرك حساسية المرحلة التي تلت معركة مؤتة، ولا سيما ما يتصل بإمكان استمرار المشروع العسكري والسياسي الذي ارتبط باسم علي بن أبي طالب عليه السلام، والذي كان يُنظر إليه بوصفه الامتداد الطبيعي لرسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وكان يُخشى – في تقديرهم – أن يؤدي استمرار هذا المسار إلى تحولات كبرى في موازين القوى في المنطقة، من بينها احتمال فتح القدس.
ومن هنا برز توجه نحو تبني أسلوب مختلف في المواجهة، يقوم على العمل غير المباشر بدلاً من الصدام العسكري الصريح. وتشير بعض القراءات التاريخية إلى أن تجربة النفوذ التي ارتبطت بتاريخ المسيحية كانت حاضرة في الأذهان، حيث أدى التغلغل التدريجي في البنية الدينية والسياسية إلى إحداث تحولات عميقة في مسارها. وفي ضوء ذلك، اتجهت الجهود – وفق هذا التصور – إلى محاولة التأثير في البنية الداخلية للدولة الإسلامية الناشئة.
وقد تمثل أحد أبرز أدوات هذا التأثير في توظيف ظاهرة النفاق داخل المجتمع الإسلامي. فالمنافقون كانوا يعلنون الانتماء إلى الإسلام ظاهراً، في حين لم يكونوا منسجمين معه في الباطن، الأمر الذي جعلهم في نظر بعض الباحثين قناة محتملة لنقل التأثيرات الخارجية إلى داخل المجتمع السياسي الإسلامي. ومن خلال هذه الشبكات غير الظاهرة كان يُراد إضعاف تماسك البنية الداخلية للدولة، على نحو يشبه النخر البطيء الذي يؤدي في النهاية إلى إضعاف البناء من داخله.
وتشير بعض المصادر التاريخية إلى أن عدداً من الشخصيات التي عُرفت بالنفاق كانت تربطها علاقات وثيقة باليهود، سواء من خلال خلفيات سابقة أو عبر تحالفات سياسية واجتماعية. وقد تجلت آثار هذه العلاقات في بعض المواقف التي مورست فيها ضغوط على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، مثل ما جرى في قضية بني النضير وبني قينقاع.
ومع مرور الوقت أصبح التداخل بين بعض عناصر النفاق وهذه الشبكات من العلاقات معقّداً إلى درجة يصعب معها التمييز الواضح بين الأطراف. فبعضهم كان يعلن دعمه لليهود صراحة، كما نُقل عن شخصيات مثل عبد الله بن أُبيّ ورفاعة بن زيد، في حين آثر آخرون العمل في الخفاء، متخفين وراء مظاهر الولاء، حتى تمكن بعضهم من الوصول إلى مواقع متقدمة في البنية السياسية والاجتماعية. ولم يكن كشف هذه الشبكات أمراً يسيراً، إذ نجح أصحابها في كسب ثقة شرائح من المجتمع وإخفاء مقاصدهم الحقيقية. وتشير بعض الروايات إلى أن حقيقتهم بدأت تتكشف لاحقاً، غير أن ذلك جاء بعد مرحلة كانت آثار تلك التحركات قد تركت بصمتها بالفعل في مسار الأحداث.
دور اليهود في استشهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
من أشدّ ما اقترفه اليهود مرارةً في تاريخ الإسلام مشاركتهم في استشهاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؛ ذلك أنّ ما أُلقي في أسماعنا وتوارثناه تصديقًا، أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد فارق الدنيا وفاةً طبيعية، والحقيقة أنّ الأمر ليس كذلك. فقد استُشهد صلى الله عليه وآله وسلم وفق تدبيرٍ مُسبق، وعلى يد أفرادٍ بعينهم. وقد اتّفق كثيرٌ من العلماء على أنّ استشهاده كان نتيجة فعل جماعاتٍ وأشخاصٍ كانت حياته تمثّل خطرًا مباشرًا على مشاريعهم وأهدافهم.
وتكمن خطورة الحدث في توقيته بالغ الحساسية؛ إذ وقع في اللحظة التي كان فيها جيش أسامة بن زيد متوجّهًا إلى مؤتة، عازمًا على تعويض الهزيمة السابقة. وفي تلك الأثناء، تبدّلت حال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فجأةً وبغير مقدّمات. وهنا يتجلّى مفتاح القضية: فلو قُدّر لأسامة أن ينتصر، لانكسر ذلك السدّ المنيع الذي أقامه اليهود في طريق القدس سدًّا في وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ومع انكسارهم كانت جبهة النفاق في المدينة ستنهار، ويتبدّد آخر أملٍ لليهود. ومن ثمّ، فإن بقاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيًّا، ولو لشهرٍ واحد، كان كفيلًا بإلحاق الضرر البالغ بهم؛ لذلك دسّوا إليه السمّ عبر منافقي المدينة، حتى استُشهد صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد تعدّدت الروايات في تحديد الجهة التي تولّت استشهاد رسول الله، ومن الذي باشر تسميمه؛ فبعضها يذهب إلى أنّ اليهود هم من قاموا بذلك مباشرة، فيما يرى آخرون أنّ التسميم جرى على يد بعض زوجاته، بينما تذكر روايات أخرى أسماء أشخاصٍ طمعوا في خلافته، وكانوا — على نحوٍ ما — أدواتٍ بيد التنظيم اليهودي ضمن الدائرة المقرّبة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، قبل استشهاده، قد عزم بجدّ على تدارك ما فات في معركة مؤتة، وكان من المرجّح أن يُمنى خصومه هناك بهزيمةٍ قاسية. عندها تسلّل الخوف إلى قلوب كلّ من كان سيتضرّر من هذا الانتصار، فاضطربت مواقفهم، وتخبّطت خطواتهم، واجتمعوا على تنفيذ مخطّطهم، فتركوا الإسلام يتيمًا. لقد أدركوا تمامًا ضرورة التعجيل بإنهاء أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ليتمكّنوا من تهميش عليٍّ عليه السلام وإقصائه، وتمهيد الطريق لتنصيب أتباعهم مكانه. وبهذا يحقق منافقو الدائرة القريبة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم غايتهم في الاستيلاء على الخلافة وإبعاد عليٍّ عليه السلام، حتى لكأنّ اليهود قد جلسوا موضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يحكمون المسلمين من خلال أولئك الوكلاء.
حقيقة الصراع بين اليهود ونبيِّ آخر الزمان
تتمثل الحقيقة التاريخية في أن اليهود طوال عصورهم كانوا يعلمون بخصائص الأنبياء، ومع ذلك، كانوا يتظاهرون بعدم المعرفة، أو يتجاهلون حقيقة الأمر، ليتمكنوا من تنفيذ مخططاتهم الخبيثة بشكل أذكى. فبالرغم من معرفتهم بصفات المسيح وولادته، إلا أنهم اخترعوا قصصًا لتمييع القضية، وتشويه الحقائق، لإبعاد العامة عن الأصل، وإحداث التداخل داخل صفوف المسلمين.
ووفقًا لما كان مُثبَتًا في النسخة الأصلية غير المُحرَّفة من التوراة، فقد كانوا يعلمون بصفات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلّم، وأنساب آبائه، وموطن إقامته، ومجال حكمه، وخلفائه، بل وبالمنقذ الموعود الذي سيولد من نسله؛ لذلك ركّزوا كلّ طاقاتهم، وسخّروا إمكاناتهم، لإزاحته من الطريق، ومن هنا بدأت تحركاتهم في تاريخ الإسلام. إذ كانوا يطمحون إلى سيادةٍ مطلقةٍ على العالم بأسره، لا ينازعهم فيها أحد، ولم يكونوا ليتحمّلوا في سبيل ذلك أيّ عائقٍ أو حاجز.
وفي جوهر الأمر، فإنّ أحداث التاريخ كلّها تعود إلى هذا الصراع الأزلي: صراع الحقّ والباطل، صراع الخير والشر. فجيش الحقّ يسعى ليعلو ويُقيم سلطان الحقّ في الأرض بقيادةٍ إلهية، بينما يجتهد جيش الباطل في قهر الحقّ والانفراد بحكم العالم، ليتزعّم الشيطان جبهة الباطل، في حين يقوم محور جبهة الحقّ على التوحيد الخالص. وقد دلّت سيرة بني إسرائيل على أنّهم كانوا من أمهر جنود الشيطان، إذ مضوا منذ البداية يُدبّرون الأرض وفق مخططاتٍ تُوافق أهواءه. وكان قتل الأنبياء مرارًا، وتحريف تعاليمهم، جزءًا من ذلك المشروع المظلم الذي نُفِّذ على أيدي أتباعه.
غير أنّ أخطر ما واجهوه كان بعثة النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلّم، سيّد المرسلين، ومتمّم الرسالات؛ فقد جاء ليُقيم التوحيد في الأرض، ويحرّر الناس من قيود الشيطان، ويحتضنهم في ظلّ الهداية الإلهية حتى يبلغوا مقام الخلافة عن الله في الأرض. جاء ليطوي صفحة الشيطان، ويؤسّس حضارةً ربّانيةً قوامها كرامة الإنسان، وكان تحقق ذلك يعني نهاية مشروع الشيطان ذاته. ومن هنا كان طبيعيًا أن تُسخَّر سنواتٌ طويلة من المكر والدسائس والنفاق، وأن تُبذل الطاقات وتُستنزف الثروات، لإقصاء هذا القائد الإلهي.
لقد كانت المنظومة اليهودية تدرك أكثر من غيرها أنّ الإنسان، من دون قيادةٍ إلهيةٍ معصومة خبيرةٍ بشؤون البشر، لا يستطيع أن ينمو نموًا سليمًا، ولا أن يتربّى تربيةً قويمة، ولا أن يقف في وجه الشيطان. كانوا يريدون للناس أن يكونوا كائناتٍ مروَّضة، وعبيدًا طائعين، بينما جاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ليُحيي فيهم كرامتهم، ويصلهم بحقيقة وجودهم: بالله عزّ وجل.
ومن جهةٍ أخرى، فإنّ المنقذ الموعود، الذي كُتب له أن يقضي على الشيطان ويؤسّس حضارةً عالميةً جديدة، إنما هو من نسل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم؛ لذلك لم يكن لهم أن يسمحوا لهذه البذرة أن تنمو وتُثمر، فتُهدّد مشروعهم في الهيمنة العالمية. فالعالم أشبه بقطبي مغناطيس، وجيشا الخير والشرّ يجذبان إليهما دائمًا من يُشاكلهما؛ وكان اليهود يتحرّكون بنشاط، يستقطبون أنصار الشيطان حتى من داخل صفوف جيش النبي صلى الله عليه وآله وسلّم، فكان المنافقون جنودًا للشيطان في ثياب المسلمين، يرفعون سيوفهم لخدمته وهم في ظاهرهم من أهل الإسلام. فالصهيونية ليست مجرد كيان، بل نزعةٌ تسكن القلوب، حيثما وُجدت.
وفي نهاية المطاف، فإنّ الغلبة لجيش الحق، والهزيمة لجيش الباطل؛ غير أنّ الأهم هو أن يحدّد كلّ واحدٍ منّا موقعه في هذا الصراع الأخير بين الحضارات: إلى أيّ المعسكرين ينتمي، وتحت أيّ رايةٍ يقف.
[1] . طایب، مهدی، تبار انحراف، تهران، نشر شهید کاظمی، 1403
[2] المجلسی، محمدباقر، بحارالأنوار، ج 15، ص 59 و 60 و 123
[3]. نفس المصدر، ص 90-101 و 123
[4] الطبری، محمد بن جریر، تاریخ الطبری، ج 1، ص 579 و ج 2، ص 8
[5] ابن هشام، عبدالملک، السیرة النبویة، بیروت، دارالمعرفة، ج 1، ص 165 و 108
[6] الطبری، محمد بن جریر، تاریخ طبری، ابوالقاسم پاینده، طهران، الاساطیر، ج 2، ص 33 و 34/ المجلسی، محمدباقر، بحارالأنوار، طهران، الاسلامیه، 1386، ج 15،ص 408 تا 410/ ابن بابویه، محمد بن علی، کمال الدین و تمام النعمة، طهران، دارالکتب الإسلامیة، 1395 ق، ص 182-186
[7] ابن هشام، السیرة النبویة، بیروت، دارالمعرفة، ج 1، ص 165
[8] الکلینی، محمد بن یعقوب، الکافی،طهران، دارالکتب الاسلامیة،1407 ق، ج 8، ص 308
[9] . المصدر نفسه، ص 309
[10] ابن هشام، عبدالملک، السیرة النبویة، بیروت، دارالمعرفة، ج 1، ص 501
[11] الطبرسی، فضل بن حسن، اعلام الوری بأعلام الهدی، قم، مؤسسه آل البیت علیهم السلام لإحیاء التراث، 1417 ق، ج 1، ص 157 و 158
[12] الطبرسی، فضل بن حسن، مجمع البیان فی تفسیر القرآن، بیروت، لبنان، 1408 ق، ج 3، ص 106
[13] ابن هشام، عبدالملک، السیرة النبویة، بیروت، دارالمعرفة، ج 1، ص 555 و 556
[14] القرآن الکریم، البقرة: 75 و 76
[15] القرآن الکریم، المائده: 57 و 58
[16] القرآن الکریم، المائده: 49 و 50
[17] طائب، مهدي، جذور الانحراف، قم: ولاء منتظر، 1392هـ ش، الطبعة الثامنة.
[18] الطبری، محمد بن جریر، تاریخ طبری، ابوالقاسم پاینده، طهران، اساطیر، ج 2، ص 169/ تُشير بعض الروايات إلى أنّ النبي ﷺ كان قد أمر بقتل اثنين من الأسرى، كما أنّ نبرة العتاب الواردة في الآية 67 من سورة الأنفال فُهِمت عند بعض الباحثين على أنّها تدلّ على وجود حكم إلهي يقضي بقتل بعض الأسرى على الأقل. غير أنّ تدخّل الخليفتين وتوسّطهما حال دون تنفيذ هذا الحكم على نطاق أوسع..
[19] هارون، عبدالسلام، تهذیب سیرة ابن هشام، بیروت، مؤسسة الرسالة، 1992 م/ الواقدی، محمد بن عمر، المغازی/ طبری، محمد بن جریر، تاریخ طبری
[20] طائب، مهدي، جذور الانحراف، قم: ولاء منتظر، 1392هـ ش، الطبعة الثامنة. / طائب، مهدي، العدوّ الشديد، قم: شهيد كاظمي، 1394هـ ش، ص 265–267.
[21] العاملی، جعفر مرتضی، الصحیح من سیرة النبی الأعظم، بیروت، دارالسیرة دارالهادی، 1415 ق، ج 6، ص 76
[22] واقدی، محمد بن عمر، المغازی، ج 1، ص 178/ الطبری، محمد بن جریر، تاریخ الطبری، ج 2، ص 22
[23] ابن هشام، عبدالملک، السیرة النبویة، بیروت، دارالمعرفة، ج 2، ص 48 و 49
[24] القرآن الکریم، سورة الحشر، 1 تا 15
[25] الطبری، محمد بن جریر، تاریخ الطبری، ج 2، ص 232 الي 238
[26] القمی، علی بن ابراهیم، تفسیر قمی، جابر رضوانی، قم، بنی الزهراء، 1388، ج 2، ص 182
[27] الواقدی، محمد بن عمر، المغازی، ج 2، ص 501
[28] العاملی، سید جعفر مرتضی، الصحیح من سیرة النبی الأعظم، قم، دارالحدیث، 1385، ج 12، ص 90
[29] توراة، سفر التثنیه، باب 20، البنود 10 الى 15
[30] القرآن الکریم، سوره الانفال، الآیات 56 – 58
[31] القرآن الکریم، سوره الاحزاب، الآیات 26 و 27
[32] الواقدی، محمد بن عمر، المغازی، ج 1، ص 562 و 563
[33] ابن زنجویه، کتاب الأموال، ریاض، شاکر ذیب فیاض، 1986،ج3، ص 99