دور التبصّر وصناعة المستقبل في المصير النهائي للتاريخ

دور التبصّر وصناعة المستقبل في المصير النهائي للتاريخ

 ما سبب تبصّر الإنسان ومن أين تنبع هذه السمة؟

هل أنت صاحب رؤية مستقبلية؟ ما هو التصور الذي تحمله عادة عن المستقبل في ذهنك؟ إذا تم حذف عنصر التبصّر والحزم من وعينا كأفراد البشر، كيف سيتغير نمط حياتنا وسلوكياتنا برأيك؟ هل هذه التغييرات إيجابية أم سلبية؟

أحد المواضيع التي تمتد قدمتها بقدر تاريخ البشرية هو موضوع التبصّر والانتباه للمستقبل. التبصّر هو من الصفات الذاتية والغريزية لدينا نحن البشر. هذه السمة متجذرة فينا إلى درجة يمكن القول بأن أغلبنا يفكر في المستقبل أكثر مما نفكر في اللحظة الحاضرة، فنحن نخطط باستمرار للدقائق القادمة والأعمال التي يجب علينا القيام بها في المستقبل القريب أو البعيد؛ من الأمور البسيطة مثل: ماذا نرتدي عند الخروج من المنزل، وما الاحتياجات التي يجب أن نشتريها من المتجر، إلى التفكير في متى سنتخلص من الإيجار بعد عدة سنوات، وكم يجب أن ندخر لشراء سيارة وما إلى ذلك. هذه الأمور تعتبر تافهة بالطبع في سياق التطلع إلى المستقبل.

إن جوهر التبصّر عند الإنسان يتعلق بالأمور التي ترتبط مباشرة بهدف خلق الإنسان والعالم؛ مثل: كيف سيكون مستقبل الإنسان والعالم؟ إلى أين سيتجه مسار التاريخ في آخر الزمان؟ ما هو مصيرنا بعد الموت؟ هل هناك عالم آخر؟ وإذا كان موجودًا، كيف سيكون شكله؟ وهكذا…

في سلسلة المقالات القادمة حول موضوع المستقبل الموعود للعالم، سنتحدث عن المستقبل المشترك الموعود به في جميع الأديان السماوية وكل الأنبياء لأتباعهم.  ولكن قبل ذلك، من الضروري أن نتطرق قليلاً إلى جوهر موضوع التبصّر وصناعة المستقبل، وأن نجيب على هذه الأسئلة:

  • ما هو سبب تبصّر الإنسان ومن أين تنبع هذه السمة؟
  • ما هي النتائج التي يحققها الاهتمام بالمستقبل والتخطيط له في حياتنا؟
  • ما هي أهمية التبصّر وكيف تؤثر أفعالنا في تشكيل مستقبل التاريخ؟

مصدر التبصّر عند الإنسان

يعود ميلنا نحن البشر نحو المستقبل، إلى طبيعة أرواحنا التي تتخطى حدود الزمان والمكان على عكس أجسادنا. إن روحنا تطمح دوماً إلى التحرر من قيود المادة، وتسعى إلى استكشاف ما وراء الحجاب. نحن نرغب في العودة بالزمن إلى الوراء، لفهم ما مضى، ونتوق إلى معرفة الغيب، إلى ما يخبئه لنا المستقبل ولأحبائنا. لهذا السبب، يجد الكثير من الناس متعة كبيرة في التنبؤات، ويشدون إلى كل من يدعي القدرة على كشف أسرار المستقبل.

إن مصدر هذه السمة في وجودنا يعود إلى بداية الخلق. فحين خلقنا الله ككائنات ذات إمكانات لا نهائية، نفخ فينا من روحه، وأودع بهذه النفخة في كياننا جميع صفاته، بما في ذلك اللانهاية. إن الرغبة في الخلود والتطلّع إلى المستقبل والمساهمة في بناء الغد هي من انعكاسات هذا السعي إلى اللانهاية. هذه الصفة قوية لدرجة أنها تتجلى حتى في نفوس من لا يؤمنون بوجود الله أو الحياة بعد الموت..

 

نتائج التبصّر

غالبًا ما ينصحنا الأطباء النفسيون بالاستمتاع بالحياة الآن وفي اللحظة، وأن ننسى هموم المستقبل. هذه النصيحة مفيدة جدًا في علاج مشاكل نفسية مثل القلق والخوف من الغد، إلا أنه لا ينبغي الإفراط فيها، لأن إهمال المستقبل على المدى الطويل قد يؤثر أيضاً على جودة حياة الأفراد الحالية.

قد يعتقد الناس أن مسألة المستقبل مرتبطة بالمستقبل فقط ولا تؤثر على الحاضر، ولكن هذا ليس صحيحًا. التفكير في المستقبل هو المحرك الذي يدفعنا في الحاضر. عندما نتجاهل المستقبل، نفقد متعة الحياة في الحاضر أيضًا. الأمل في المستقبل هو ما يجعل الحياة حلوة وممتعة ويجعلنا نتحمل الصعوبات.  إذا سلبنا الناس أمل المستقبل ودورهم في بناءه، فإن حياتهم ستصبح فارغة بلا معنى.

كثيرًا ما تنبع حالات الاكتئاب والانتحار من الشعور العميق بعدم القيمة، ومن اعتقاد  المرء بأن الجهود التي يبذلها لا تؤتي ثمارها ولا تحدث أي تغيير إيجابي في حياته وحياة من حوله. هذه النظرة للحياة تتعارض تمامًا مع تعاليم الإسلام. فالإسلام يرى أن الإنسان ليس كائنًا سلبيًا أو عاجزًا، بل هو فاعل مؤثر قادر على إحداث تغييرات جوهرية في حياته. إن قدرة الإنسان على التأثير تمتد إلى حد أنه يستطيع بتغيير بسيط في سلوكه، ولو كان طفيفًا، أن يعيد تشكيل ماضيه وأن يصوغ مستقبله كما يشاء.

 

دور الإنسان في بناء المستقبل

إن قضية الخلود وبناء المستقبل ذات أهمية بالغة لدرجة أن الله تعالى قد ذكرها في القرآن الكريم ثمانين مرة، مؤكداً على خلود الإنسان. ومن منظور الإسلام، يكتسب الإنسان قيمته بقدر إسهامه ودوره في بناء المستقبل، فمكانة كل فرد في الآخرة مرتبطة بجهوده في بناء المستقبل والوصول إلى المستقبل الموعود للعالم.

كلما زادت جهود المرء ودوره في بناء المستقبل، زادت متعته بالحياة الدنيا، وتزايد أمله وقوته واطمئنانه وراحته، وبعبارة أخرى زادت سعادته. وعلى الجانب الآخر، كلما كان الفرد أكثر بناءً للمستقبل، ارتفعت مكانته في النظام الأبدي والآخرة مقارنة بالآخرين. ولذلك، فإن مسألة التطلع إلى المستقبل وبنائه هي مسألة بالغة الأهمية تؤثر على جودة حياتنا الدنيا والآخرة على حد سواء.

الماضي والمستقبل والتعلق القلبي تجاه هذين الزمنين هما ما يشكلان حاضرنا، ويمنحان حياتنا معنى، ويوفران لنا الراحة والقوة. إن مسألة الخلود ومسألة بناء المستقبل لها أهمية بالغة، لدرجة أن الله سبحانه وتعالى ذكر خلود الإنسان ثمانين مرة في القرآن.

يرى الإسلام أن الإنسان كائن يشكل ماضيه حاضره ومستقبله، بل إنه قادر، بتغيير سلوكه في الحاضر، على إعادة تشكيل ماضيه وتغيير ترتيب مستقبله. في الواقع، كل اختيار، وكل علاقة، وكل سلوك، وكل ترتيب فكري نقوم به، ضروري لبناء حاضرنا ومستقبلنا. فبدون رؤية مستقبلية واضحة، تصبح كل الأنشطة التي نقوم بها في جميع جوانب حياتنا بلا معنى، أي أننا سنشعر بالارتباك والضياع في تلك الأنشطة.

كل ما نقوم به الآن يشكل مستقبلنا ومستقبل من حولنا. وكل قرار نتخذه، وكل كلمة ننطق بها، وكل فعل نقوم به، وكل فكرة تدور في أذهاننا تساهم في تشكيل مستقبل البشرية جمعاء. وبما أننا نحن البشر، موجودات خالدة، نسعى للسعادة الأبدية التي لا تتحقق إلا ببناء مستقبل أفضل. لذلك، إذا لم نشارك في بناء هذا المستقبل ولم نترك بصمة فيه، فلن ننعم بالسعادة الحقيقية في الدنيا والآخرة.

 

كيف تغير رؤية المستقبل نمط حياتنا؟

كلما ساهمنا في بناء المستقبل، ازدادت قيمة أعمالنا واستمتعنا بالحاضر أكثر، وكسبنا أجراً أبدياً أكبر. إننا بِاختياراتنا، وتفاعلاتنا، وسلوكنا، وأفكارنا الحالية، نبني حضارة إلهية وإنسانية للمستقبل، وسنكون شركاء فيها. إن حياتنا وحاضرنا ثمينان للغاية، ومليئان بالحماس، ولا يُقدر قيمتهما إلا الله .

السؤال المهم هو: كيف يمكننا نبني المستقبل ونزيد من دورنا فيه؟ كيف نستفيد من الوقت الحالي لنفيد أنفسنا ومجتمعنا والأجيال القادمة؟ كيف نصنع فارقًا حقيقيًا في عالم الغد؟ هذا هدف سامٍ لا يمكن لأي شخص عاقل أن يتجاهله.

السؤال المطروح: “كيف نكون جزءًا فعالًا في بناء المستقبل؟” الإجابة البسيطة هي: أولًا يجب أن نفهم ماهية المستقبل الذي وعدنا الله وأنبياءه به. ما هي الخصائص التي سيحملها هذا المستقبل؟ وما هي الأحداث المنتظرة فيه؟ بهذه المعرفة، يمكننا أن نُعدل حياتنا اليومية بأكملها لتصبح متوافقة مع هذا المستقبل الموعود.

في مختلف الكتب السماوية وغيرها، قد بشّر جميع الأنبياء مستقبلاً مزدهراً للبشر، سوف يحققه النبي الخاتم ورجل من ذريته. ولكن كيف سيتحقق هذا المستقبل؟ وإلى أين تتجه مسيرة التاريخ؟

وما مصير الصراع الدائم بين الحق والباطل؟ وأيّ التيار سينجح في قيادة دفة البشرية؟

هذه أسئلة سنحاول الإجابة عليها في مقالاتنا القادمة.

 

المشارکة

مقالات مماثلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *