[rank_math_breadcrumb]

ولاية الفقيه في عصر الغيبة وأثرها في استمرارية المجتمع الشيعي

ولاية الفقيه في عصر الغيبة وأثرها في استمرارية المجتمع الشيعي

أسس القيادة الدينية في عصر الغيبة: دراسة في موقع ولاية الفقيه في الفكر الشيعي

من أبرز الأسئلة وأشدّها جوهريةً في الفكر السياسي والكلامي الشيعي خلال زمن غيبة الإمام المعصوم (عليه السلام) هو أنّه: “كيف ينبغي أن يُدار المجتمع الشيعي في ظلّ الغياب الظاهري للإمام؟ وما هي الجهة التي تتحمّل مسؤولية هدايته الدينية والاجتماعية؟ بل ما حقيقة معنى «ولاية الفقيه» في عصر الغيبة؟”

منذ بداياته الأولى، تأسّس المذهب الشيعي على مبدأٍ ثابت مفاده أنّ هداية المجتمع الإنساني ليست أمرًا عشوائيًا يُترك للفوضى، بل هي مسارٌ منظَّم أرساه الله سبحانه، فجعل لاستمرار هذه الهداية نظامًا واضحًا من القيادة الإلهية يتمثّل في مقام الإمامة. ووفق هذا التصوّر، فإنّ الإمام ليس مجرّد شخصية روحية، بل هو قائد المجتمع، ومحور صيانة الدين، وضامن العدل، وحافظ النظام الاجتماعي.

ومن حيث إنّ الدين في الرؤية الشيعية لا يُختزل في مجموعةٍ من تعاليم نظرية، بل هو منظومة متكاملة من قواعد تهدف إلى عبور الإنسان من هذه الدنيا إلى الحياة الخالدة بسلام، وتحقيق الغاية من الخلق؛ فهو ذو وظيفة يومية، متعددة الأبعاد، تمتدّ إلى جميع شؤون حياة الإنسان. من هنا، فإنّ الحاجة إلى مرجعٍ يبيّن هذا الدين بيانًا صحيحًا، حاجةٌ ملحّة لا غنى عنها.

ومع بداية عصر الغيبة، وإن تعذّر الوصول المباشر إلى الإمام المعصوم (عليه السلام)، فإنّ حاجة المجتمع إلى الهداية، والفصل في النزاعات، وصيانة الأحكام الإلهية، وتدبير الشؤون الاجتماعية، تبقى قائمةً لم تنقطع. فالمجتمع الذي تأسّس على الشريعة لا يمكنه أن يستمرّ دون مرجعية دينية وقيادةٍ واعيةٍ بأحكام الله؛ إذ إنّ غياب ذلك لا يؤدّي فقط إلى تعطّل تنفيذ الأحكام الاجتماعية للإسلام، بل يفتح كذلك أبواب الاختلاف، والاضطراب، وتعدّد القراءات المتناقضة للدين.

ولذلك فقد غدت مسألة تعيين مرجعٍ يتولّى إدارة شؤون المجتمع في عصر الغيبة من أهمّ القضايا الفقهية والكلامية في الفكر الشيعي. وعلى امتداد تاريخ الفقه الشيعي، توصّل جمعٌ كبير من كبار الفقهاء، استنادًا إلى القرآن الكريم، وروايات أهل البيت (عليهم السلام)، والأدلّة العقلية، إلى أنّ الفقهاء الجامعين للشرائط في عصر الغيبة يتولّون، بوصفهم نوّابًا عامّين عن الإمام المعصوم (عليهم السلام)، مسؤولية هداية المجتمع الإسلامي ورعايته. هذه الرؤية، التي تُعرف في الأدبيات الفقهية بعنوان «ولاية الفقيه»، ليست مجرّد نظرية سياسية أو حلٍّ مؤقّت لإدارة المجتمع، بل تمتدّ جذورها في منطق الإمامة نفسه، ذلك المنطق الذي يجعل هداية المجتمع مرتبطةً دائمًا بقيادةٍ عالمة بالدين، منصوبة في إطار الإرادة الإلهية.

من هذا المنطلق، ينبغي النظر إلى ولاية الفقيه بوصفها الامتداد الطبيعي لنظام الإمامة في ظرف الغيبة؛ فهي الآلية التي تحول دون انقطاع سَير الهداية الدينية في المجتمع، وتوفّر إمكانية تطبيق الأحكام الاجتماعية للإسلام. وفي الحقيقة، إذا كان المجتمع الشيعي يرى في وجود الإمام المعصوم ضرورةً لحفظ الدين وتنظيم شؤون الحكم الإسلامي، فإنّه في عصر الغيبة لا يمكنه الاستغناء عن كيانٍ يقوم بهذا الدور ضمن إطار النيابة عن الإمام.

تنطلق هذه المقالة من هذا التساؤل: لماذا لا يستطيع المجتمع الشيعي أن يواصل حياته دون ولاية الفقيه في عصر الغيبة؟ وللإجابة عن هذا السؤال، سنبدأ ببحث مفهوم الولاية في القرآن والفكر الإسلامي، ثم نبيّن المنشأ الإلهي للولاية وضرورة وجود الإمام في هداية المجتمع. وبعد ذلك، نتناول مسألة إدارة المجتمع في عصر الغيبة، ونستعرض التجربة التاريخية لنيابة الأئمّة، والروايات الواردة في نيابة الفقهاء، لنخلص في النهاية إلى أنّ ولاية الفقيه ليست مجرّد نظرية سياسية، بل هي الامتداد المنطقي لنظام الإمامة في زمن الغيبة.

مفهوم الولاية في الفكر الإسلامي

تشتقّ كلمة «الولاية» من الجذر «ولي» في اللغة العربية، وهي في أصلها تدلّ على القُرب والاتصال، وعلى اجتماع شيئين بحيث لا يفصل بينهما فاصل. وقد استخدمها اللغويون العرب للتعبير عن نوعٍ من العلاقة الوثيقة التي يترتّب فيها لأحد الطرفين نوعٌ من الرعاية، أو النصرة، أو حقّ التصرّف بالنسبة إلى الطرف الآخر. ومن هنا، وردت لهذه الكلمة في المعاجم معانٍ متعدّدة، كالمحبّة، والنصرة، والولاية، والتدبير، والأولوية في التصرّف. وفي حقيقتها، فإنّ المعنى الجوهري للولاية هو علاقةٌ قريبةٌ متّصلة، ينبثق منها مفهوم الرعاية وحقّ التدبير.[1]

وفي الاستعمالات المتنوّعة للغة العربية، تُستخدم مشتقّات هذا الجذر للدلالة على علاقةٍ يكون فيها شخصٌ أو جهةٌ ما، بحكم كفاءته أو موقعه، متحمّلًا مسؤولية هداية غيره وتدبير شؤونه. ويوضّح هذا المعنى بجلاء أنّ الولاية ليست مجرّد صداقة أو علاقة عاطفية، بل هي مفهوم يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالهداية، والإدارة، وتحمل المسؤولية تجاه الآخرين.

وبناءً على هذا المعنى، فإنّ المراد بالولاية حين تُطرح في الفقه والكلام الإسلامي هو نوعٌ من حقّ الرعاية والهداية، يتيح للوليّ، ضمن إطارٍ محدّد، أن يتولّى تدبير شؤون المجتمع أو الأفراد. وهذا الفهم يفتح الباب أمام إدراك العديد من القضايا المحورية في الفكر الشيعي، كالإمامة وولاية الفقيه في عصر الغيبة؛ إذ يدور الكلام في كلتا الحالتين حول نوعٍ من الرعاية الدينية والاجتماعية الممتدّة في سياق الهداية الإلهية.

استعمالات الولاية في القرآن الكريم

لقد استُخدمت كلمة «الولاية» ومشتقّاتها في القرآن الكريم بدلالاتٍ متعدّدة،[2] غير أنّها تشير غالباً إلى رابطةٍ مقرونة بالنصرة، والرعاية، والهداية. ففي بعض الآيات، تُنسب الولاية مباشرةً إلى الله سبحانه وتعالى، حيث يُعرَّف بوصفه وليّ المؤمنين، المتكفّل بهدايتهم ورعايتهم. وهذا النمط من الولاية يكشف أنّ المصدر الأصيل لكلّ هدايةٍ ورعايةٍ في الوجود إنّما هو الإرادة الإلهية.

وفي طائفةٍ أخرى من الآيات، تُطرح الولاية بين المؤمنين أنفسهم، بمعنى أنّهم يتكافلون فيما بينهم بالنصرة، والدعم، والتضامن. ويدلّ هذا الاستعمال على أنّ الولاية ليست مفهومًا فرديًا فحسب، بل هي أيضًا رابطة اجتماعية تُنشئ المجتمع الإيماني وتحفظ تماسكه. ووفق هذه الرؤية، تُعدّ الولاية عاملًا أساسيًا في تحقيق الانسجام والوحدة بين المؤمنين.

كما تُنسب الولاية في بعض الآيات إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأولياء الله، أي أولئك الذين اصطفاهم الله لهداية الناس. وفي هذه الموارد، لا تنحصر الولاية في معنى المحبّة أو العلاقة الروحية، بل تتضمّن أيضًا حقّ القيادة والهداية الدينية. كا يكشف هذا الاستعمال القرآني أنّ الولاية في التصوّر الإسلامي مفهومٌ متعدد الأبعاد، يجمع بين البعد الروحي والبعد الاجتماعي والهدايتي.

إنّ استيعاب هذه الدلالات القرآنية للولاية يُعدّ أمرًا بالغ الأهمية لفهم ما سيأتي من مباحث؛ لأنّ الحديث عن ولاية الفقيه في عصر الغيبة إنّما هو حديثٌ عن امتداد هذا المفهوم القرآني في مستوى هداية المجتمع الديني وإدارته. وبعبارةٍ أخرى، فإنّ الولاية في القرآن ليست مجرّد مفهومٍ أخلاقي أو عاطفي، بل هي ركنٌ أساس في بنية هداية المجتمع الإسلامي وتنظيمه.

الفرق بين الولاية والحكم السياسي المحض

من النقاط الجوهرية في الفهم الدقيق لمفهوم الولاية هي ألّا تُساوى بالحكم السياسي المحض. ففي كثيرٍ من الأنظمة السياسية في العالم، يُفهم الحكم على أنّه مجرّد إدارةٍ للشؤون التنفيذية وتنظيمٍ للعلاقات الاجتماعية، وتُستمدّ شرعيته غالبًا من العقود الاجتماعية أو الآليات السياسية. غير أنّ مفهوم الولاية في الفكر الإسلامي، ووظيفة الحكومة الإسلامية، أوسع مدىً وأعمق دلالةً من مجرّد حكمٍ سياسي.

فالولاية في التراث الإسلامي، قبل أن تكون بنيةً حكومية، هي مسؤولية دينية تهدف إلى هداية المجتمع نحو الحق، وإقامة الأحكام الإلهية. ووفق هذا التصوّر، لا يُعدّ الوليّ مجرّد مديرٍ لنظامٍ سياسي، بل هو حافظٌ للشريعة، وحارسٌ للعدل، ومرشدٌ للمجتمع في مساره الديني. ومن هنا، ارتبط مفهوم الحكم الإسلامي في القرآن دائمًا بالعلم بالدين، والعدالة الأخلاقية، والكفاءة المعنوية.[3]

الولاية الإلهية؛ منشأ جميع الولايات في الإسلام

في منطق القرآن الكريم، يُعدّ الله سبحانه وتعالى المصدر الأصيل لكلّ ولايةٍ وسلطان في الوجود.[4] وقد أكّد القرآن مرارًا أنّ الملكية الحقيقية للعالم، وحقّ التدبير والحاكمية على الإنسان، إنّما هما لله وحده، ولا يملك أيّ كيانٍ هذا الحقّ استقلالًا عنه. وتشير آياتٌ من قبيل: «اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا» إلى أنّ الله تعالى يعرّف نفسه بوصفه وليّ المؤمنين، المتكفّل برعايتهم وهدايتهم.

وفي هذا التصوّر، لا تقتصر الولاية الإلهية على علاقةٍ روحية فحسب، بل هي رعاية حقيقية شاملة تمتدّ إلى جميع أبعاد حياة الإنسان. ويعني هذا الأصل القرآني أنّ مشروعية أيّ قيادة في المجتمع الديني لا بدّ أن تنتهي في جذورها إلى الإرادة الإلهية؛ فكلّ حاكمية لا تستند إلى هذا المصدر تفتقر في ميزان القرآن، إلى الشرعية الحقيقية. ومن هنا، جاء تحذير القرآن في مواضع عديدة من اتّباع أولياء خارج إطار الهداية الإلهية.

إذن فإنّ الولاية في الإسلام، قبل أن تكون نظامًا اجتماعيًا، تستند إلى أصل التوحيد، وتنبثق من سيادة الله المطلقة على الكون. ومن هذا المنطلق، يمكن إدراك أنّ مباحث من قبيل موقع ولاية الفقيه في عصر الغيبة إنّما تندرج ضمن هذا الإطار العام. ففي الرؤية الشيعية، لا تنشأ مراتب الولاية استقلالًا، بل تُفهم جميعها بوصفها امتدادًا للولاية الإلهية. بعبارةٍ أخرى، فإنّ نظرية ولاية الفقيه في عصر الغيبة، كما تُطرح في الفقه الشيعي، ليست سلطةً ذاتية المنشأ، بل هي استمرارٌ لذلك النظام الولائي الذي يستمدّ أصله من حاكمية الله تعالى.

ولاية النبيّ في المجتمع الإسلامي

يُقدّم القرآن الكريم، بعد الولاية الإلهية، ولاية النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بوصفها الامتداد المباشر للهداية الإلهية في المجتمع الإسلامي.[5] فلم يكن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مجرّد مبلّغٍ للدين، بل كان – في المنظور القرآني – صاحبَ حقّ الرعاية وقيادة المجتمع أيضًا. وقد بيّن القرآن بوضوح أنّ للنبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نوعًا من الأولوية وحقّ التدبير على المؤمنين؛ وهي أولوية تتجاوز حدود العلاقة العاطفية أو الروحية البحتة.

وقد خوّلته هذه الولاية أن يدير المجتمع الإسلامي وفق الأحكام الإلهية، وأن يتّخذ القرارات في القضايا الاجتماعية والسياسية والحقوقية. وبذلك، كان في المجتمع الإسلامي مرجعًا للهداية الدينية، وقائدًا اجتماعيًا وسياسيًا للأمّة في آنٍ واحد. وهذا التلازم بين الهداية الدينية والقيادة الاجتماعية يكشف أنّ الدين في منطق الإسلام، لا ينفصل عن إدارة المجتمع، وأنّ الولاية الدينية قادرة على الاضطلاع بدورٍ تنظيميّ في حياة الناس.

والنقطة الجديرة بالاهتمام أنّ ولاية النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ليست نابعةً من ذاته، بل هي منحةٌ إلهية أُسندت إليه من قبل الله تعالى؛ ومن ثمّ فإنّ طاعته (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تُعدّ في حقيقتها طاعةً لله سبحانه. وهذا الترابط العميق بين الولاية الإلهية وولاية النبيّ يؤسّس لفهم بنية القيادة في الفكر الشيعي؛ بنيةٍ تتدفّق فيها الهداية الإلهية عبر أولياء منصوبين من قِبَل الله في المجتمع.

 استمرار الولاية في الأئمّة

في الرؤية الشيعية، لا تنتهي ولاية النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بوفاته، بل تستمرّ في إطار الإمامة.[6] فالأئمّة المعصومون (عليهم السلام)، بوصفهم خلفاء النبيّ، يتولّون مواصلة مسيرة الهداية ورعاية المجتمع الإسلامي. هذا الامتداد ينطلق من مبدأٍ أساسي، وهو أنّ المجتمع الإسلامي لا يمكن أن يُترك يومًا دون هداية إلهية وقيادةٍ مشروعة.

فالإمام في نظر الشيعة، ليس مجرّد عالمٍ ديني أو شخصية روحية، بل هو حاملٌ لولايةٍ إلهية تؤهّله لقيادة المجتمع وهدايته. وكما كان النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يتولّى بيان الدين وإدارة شؤون المجتمع، فإنّ الأئمّة يواصلون هذا الدور في امتدادٍ متّصل. ولهذا، تُوصَف الإمامة في كثيرٍ من النصوص الكلامية الشيعية بأنّها امتدادٌ للرسالة في مجال هداية المجتمع.

وفي ضوء هذا الترابط، يتّضح أنّ مفهوم «وليّ الفقيه» في عصر الغيبة يندرج ضمن هذا الإطار نفسه؛ فإذا كانت هداية المجتمع الإسلامي في زمن حضور الأئمّة تتحقّق عبر ولايتهم، فإنّه لا يمكن في عصر الغيبة أن يُترك المجتمع دون بنيةٍ شرعيةٍ للقيادة. ومن هنا، فإنّ البحث في نيابة الفقهاء في زمن الغيبة ليس إلّا محاولةً لبيان كيفية استمرار ذلك النظام الولائي الذي ابتدأ من الله تعالى، وتجسّد في النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، واستمرّ في الأئمّة المعصومين (عليهم السلام).

الأدلّة العقلية على حاجة المجتمع إلى قائدٍ إلهي

من أعمق الأسئلة في الفكر الإسلامي هي أنه هل يمكن للمجتمع الديني أن يواصل مسيرته الصحيحة من دون قائدٍ إلهي، أم لا؟ تكشف التجربة التاريخية للمجتمعات بوضوح أنّ كلّ مجتمع، يحتاج للحفاظ على النظام، وتنفيذ القوانين، ومنع النزاعات، إلى مرجعٍ يُرجَع إليه في الهداية واتّخاذ القرار. وتتضاعف هذه الحاجة في مجتمعٍ قائمٍ على الدين والشريعة؛ إذ لا يقتصر الأمر فيه على إدارة الشؤون الاجتماعية فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى صيانة مسار الهداية الإلهية.

ومن منظور العقل، إذا كان الله تعالى قد أنزل شريعةً كاملةً لهداية البشر، فإنّ من اللازم أن يُقيم أيضًا كيانًا يحفظ هذه الشريعة ويضمن تطبيقها الصحيح. فمن دون وجود مرجعٍ عالمٍ موثوق، تكون  القوانين الإلهية عرضةً لتفسيراتٍ متباينة، بل وربما للتحريف. ومن هنا، يرى الفكر الشيعي أنّه كما كانت النبوّة ضرورةً لإيصال الرسالة الإلهية، فإنّ استمرار الهداية يقتضي وجود قيادةٍ إلهية تحفظ المجتمع الإسلامي من الانحراف عن مسار الشريعة.

كما يُثبت العقل أنّ الاختلاف في فهم الدين أمرٌ طبيعي. فقد شهد تاريخ الإسلام، منذ القرون الأولى، تباينًا في فهم القرآن والسنّة. وإذا لم يوجد مرجعٌ يمتلك العلم الإلهي والشرعية الدينية، فإنّ هذه الاختلافات قد تؤدّي إلى التفرّق، بل وربما إلى الانحراف داخل المجتمع الإسلامي. ومن هنا، يُعدّ وجود الإمام – بوصفه المرجع النهائي في بيان الدين – عاملًا أساسًا في تحقيق وحدة المجتمع واستقراره الفكري.[7]

وعلى هذا الأساس، فإنّ الإمامة ليست مجرّد منصبٍ تشريفي أو كيانٍ سياسي صرف، بل هي امتدادٌ لمسيرة الهداية الإلهية في المجتمع الإسلامي. فالإمام لا يتولّى إدارة شؤون المجتمع فحسب، بل يُعدّ المرجع الأعلى لفهم الدين فهمًا صحيحًا. ولهذا، يؤكّد الفكر الشيعي أنّ هداية المجتمع الإسلامي لا تكتمل من دون الإمام، وأنّ بنية القيادة الدينية لا بدّ أن تستمرّ.

الروايات الدالّة على ضرورة الإمام

إلى جانب الأدلّة العقلية، وردت رواياتٌ كثيرة في المصادر الإسلامية، تؤكّد ضرورة وجود الإمام في المجتمع. ومن أشهر هذه الروايات قول النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «مَن مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتةً جاهلية».[8] حيث تكشف هذه الرواية أنّ معرفة الإمام والالتزام بقيادته الإلهية تُعدّان جزءًا أصيلًا من الهوية الدينية للمسلم.

كما أكّدت روايات أهل البيت (عليهم السلام) مرارًا أنّ الأرض لا تخلو أبدًا من حجّةٍ لله.[9] ووفق هذا المبدأ، فإنّ الله تعالى يهيّئ من يهدي الناس في كلّ زمانٍ، ليبقى طريق الحقّ قائمًا في المجتمع. وهذا التعبير يدلّ على أنّ وجود الإمام ليس أمرًا تاريخيًا محدودًا بمرحلةٍ معيّنة، بل هو سنّة إلهية مستمرّة في هداية البشر.

وقد شبّه أئمّة الشيعة دور الإمام بالمصباح الذي يضيء طريق الهداية؛[10] فبدونه يتيه الناس في ظلمات الآراء المتعارضة والاختلافات الفكرية. وتُبرز الروايات الإسلامية وجود الإمام بوصفه الضمان لاستمرار الهداية، والحصن المانع من الانحراف في المجتمع.

وتدلّ هذه المجموعة من الروايات على أنّ مسألة الإمامة في الفكر الإسلامي ليست مجرّد قضية سياسية أو تاريخية، بل هي جزءٌ لا يتجزّأ من نظام الهداية الإلهية. فكما بُعث الأنبياء لهداية البشر، فإنّ المجتمع بعدهم يظلّ محتاجًا إلى قيادةٍ تحفظ الشريعة، وتعين الناس على الفهم الصحيح للدين.

دور الإمام في حفظ الشريعة

في الرؤية الشيعية، يُعدّ الإمام وارثًا لعلم النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وتكمن مهمّته في بيان معارف الدين بيانًا صحيحًا ودقيقًا. وتزداد أهمية هذا الدور خصوصًا عندما يواجه المجتمع أسئلةً وقضايا مستجدّة. فالإمام، بما يمتلكه من علمٍ ديني عميق وإحاطةٍ تامّة بمصادر الشريعة، يكون قادرًا على تقديم الإجابات الصحيحة، والحيلولة دون نشوء الفهم الخاطئ والانحراف في تفسير الدين.

وإلى جانب ذلك، يضطلع الإمام بدورٍ أساسي في حفظ الوحدة الدينية للمجتمع؛ إذ لو تُرك لكلّ فردٍ أو جماعة أن تطرح فهمها الخاص للدين بوصفه المعيار، لتعرّض المجتمع سريعًا للتفكّك والانقسام. بینما وجود الإمام بوصفه المرجع النهائي لفهم الدين، يحول دون وقوع هذا الاضطراب، ويوفّر إطارًا مشتركًا لتفسير الشريعة.

ولهذا، أكّدت المدرسة الفكرية الشيعية أنّ الإمامة هي الامتداد الطبيعي للرسالة في حفظ الدين وهداية المجتمع. فالإمام، من خلال بيانه الصحيح للشريعة وإشرافه على تطبيقها، يصون التعاليم الإلهية من النسيان والتحريف. ومن هنا، فإنّ وجود الإمام في هداية المجتمع الإسلامي ليس مجرّد ضرورة اعتقادية فحسب، بل هو الضمان لبقاء الشريعة واستمرار مسار الهداية الإلهية.

مفهوم الغيبة في الفكر الشيعي

في العقيدة الشيعية، ظلّت الإمامة – بوصفها امتدادًا لمسار الهداية الإلهية بعد النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) – حاضرةً في المجتمع على الدوام. غير أنّه في سنة 260 للهجرة، ومع بداية إمامة الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، نشأت مرحلةٌ جديدة في تاريخ التشيّع عُرفت بـ«عصر الغيبة».

في هذه المرحلة، يكون الإمام المعصوم حيًّا حاضرًا بنحوٍ من الإشراف على العالم، غير أنّه – لأسبابٍ بيّنتها الروايات – لا يظهر ظهورًا علنيًا، ولا تتيسّر للناس إمكانية الوصول المباشر إليه. ومن هنا، فإنّ مفهوم الغيبة في الفكر الشيعي لا يعني غياب الإمام وجودًا، ولا انقطاع دور الهداية الإلهية، بل يعني غياب حضوره الظاهر والمباشر فحسب. وبحسب التعاليم الشيعية، يبقى الإمام في زمن الغيبة حجّة الله على الأرض، ويظلّ وجوده ضرورةً لاستمرار نظام الهداية، وإن لم يكن المجتمع يتمتّع بالانتفاع المباشر بوجوده الظاهر. ولذلك، ينبغي فهم الغيبة بوصفها مرحلةً خاصّة من تاريخ الإمامة، تتغيّر فيها طبيعة العلاقة بين الإمام والمجتمع.

في هذا الإطار، أكّد الفكر الشيعي دائمًا على مبدأ أنّ الأرض لا تخلو من حجّةٍ لله، وأنّ الهداية الإلهية مستمرّة حتى في عصر الغيبة. غير أنّ عدم إمكان الوصول المباشر إلى الإمام المعصوم يطرح تساؤلًا جوهريًا أمام المجتمع الإسلامي: كيف تُدار شؤونه الدينية والاجتماعية في هذه المرحلة؟

تحدّي إدارة المجتمع في عصر الغيبة

مع بداية عصر الغيبة، واجه المجتمع الشيعي مسألةً بالغة الأهمية، لم تكن ذات بُعدٍ نظري فحسب، بل ارتبطت ارتباطًا مباشرًا بالحياة الاجتماعية للمسلمين. ففي زمن حضور الأئمّة، كانت كثيرٌ من القضايا الدينية والاجتماعية تُحلّ عبر الرجوع المباشر إليهم، أمّا في عصر الغيبة، فقد انتفت هذه الإمكانية بالنسبة لعامة الناس.

وتتجلّى خطورة هذا الوضع بشكلٍ أوضح في مجال إدارة المجتمع؛ إذ إنّ المجتمع الإسلامي عبارة عن منظومةٍ من العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والحقوقية، لا يمكن أن تستقرّ دون نظامٍ وتنظيمٍ وإدارة. فإذا لم تتوافر بنيةٌ شرعية لاتّخاذ القرار وتنفيذ الأحكام، فإنّ المجتمع الديني سيتعرّض للفوضى والتنازع.

ومن جهةٍ أخرى، تكشف التجربة التاريخية أنّ السلطة السياسية في عصر الغيبة كانت، في كثيرٍ من الأحيان، بيد حكوماتٍ لا تلتزم بالضرورة بالتعاليم الإسلامية. وفي ظلّ هذه الظروف، برز تساؤلٌ جوهري: هل ينبغي للمجتمع الشيعي أن يسلّم شؤونه الدينية والاجتماعية لمثل هذه السلطات، أم أنّ عليه أن يبحث عن سبيلٍ يحفظ به استقلاله الديني؟

وقد دفعت هذه التحدّيات أهلَ البيت (عليهم السلام) – في زمن حضورهم – إلى الاهتمام الجادّ بتعليم وتنظيم الوكلاء والنوّاب، إعدادًا للأزمنة التي يتعذّر فيها الوصول إلى الإمام. كما اتّجه فقهاء الشيعة، تدريجيًا، إلى بيان دور العلماء في إدارة المجتمع، مستندين إلى القرآن الكريم، والسنّة، وسيرة أهل البيت (عليهم السلام)، في محاولةٍ لوضع إطارٍ يمكّن المجتمع الإسلامي من الاستمرار في الالتزام بالشريعة حتى في عصر الغيبة. وقد أفضت هذه الجهود الفكرية، في نهاية المطاف، إلى نشوء نظرياتٍ متعدّدة، كان من أبرزها نظرية «ولاية الفقيه» في عصر الغيبة.

عدم إمكان تعطيل الأحكام الاجتماعية

من المسائل الأساسية في الفقه الشيعي أنّ كثيرًا من الأحكام الإسلامية ذات طابعٍ اجتماعي، ولا يمكن تطبيقها إلّا في ظلّ وجود مؤسّساتٍ إدارية وقضائية منظَّمة. فأحكامٌ كالقضاء، وإقامة الحدود، وحفظ النظام العام، والدفاع عن المجتمع الإسلامي، وإدارة الأموال العامة، لا تتحقّق إلّا ضمن إطار نظامٍ حاكمٍ يدير هذه الشؤون.

ولو افترضنا أنّه لا يوجد في عصر الغيبة أيّ مرجعٍ مشروعٍ لتولّي إدارة المجتمع، فإنّ النتيجة ستكون تعطيل قسمٍ كبيرٍ من الأحكام الاجتماعية في الإسلام. وهذا أمرٌ لا ينسجم مع حقيقة أنّ الشريعة الإسلامية نزلت لكلّ زمان، ولم تُقيَّد بمرحلةٍ تاريخية معيّنة. ومن ثمّ، لا يبدو منطقيًا أن تصبح مساحة واسعة من الأحكام الإسلامية غير قابلة للتطبيق مع بداية غيبة الإمام.

من هنا، أكّد فقهاء الشيعة أنّ المجتمع الإسلامي لا يمكن أن يبقى بلا بنيةٍ قيادية في مواجهة القضايا الاجتماعية والحقوقية. فهم يرون أنّه كما أنّ العبادات الفردية يجب أن تبقى حيّةً في حياة المسلمين، فإنّ الأحكام الاجتماعية كذلك ينبغي أن تُطبَّق في المجتمع، ولا يجوز تعطيلها انتظارًا لظهور الإمام المعصوم.

بناءً على ذلك، تحوّلت مسألة إدارة المجتمع في عصر الغيبة إلى أحد أهمّ مباحث الفقه السياسي الشيعي. وبرز هذا التساؤل: من الذي يملك الشرعية لتولّي مسؤولية تنفيذ الأحكام الاجتماعية، وصيانة نظام المجتمع الإسلامي؟ وكان هذا السؤال منطلقًا لنقاشاتٍ واسعة حول دور ولاية الفقيه وموقعها في هداية المجتمع.

في هذا السياق، طُرحت نظرية ولاية الفقيه في عصر الغيبة بوصفها أحد أبرز الأجوبة عن هذه الإشكالية؛ نظريةً تسعى إلى ضمان استمرار الهداية، وإقامة الشريعة، حتى في زمن غياب الإمام المعصوم.

جهود الأئمّة (عليهم السلام) في بيان مفهوم ولاية الفقيه في عصر الغيبة

كان أهل البيت (عليهم السلام) على وعيٍ تامّ بأنّ الشيعة، في غياب إمامهم، قد يقعون في الحيرة، وأنّ وحدة الأمّة قد تتعرّض للتفكّك. ومن هنا، سعوا بأساليب حكيمة، مدروسة، ومبنيّة على تخطيطٍ دقيق، إلى توضيح وشرح دور الوكلاء والنوّاب عند تعذّر الوصول إلى الإمام.

وقد عمد معظم الأئمّة المعصومين (عليهم السلام)، ولا سيّما الذين عاشوا في أواخر المرحلة الممتدّة من عمر الإمامة (التي قاربت مئتين وخمسين عامًا)، إلى تعيين وكلاء ونوّاب عنهم، ونظّموا عملهم ضمن شبكاتٍ مترابطة موزّعة في أنحاء العالم الإسلامي، ليتولّوا تنفيذ المهام المرتبطة بالإمام. وكان هؤلاء الأشخاص يُعدّون – في الاصطلاح – «وليَّ الفقيه» لذلك الإمام المعصوم.

ومن أبرز الشخصيات المعروفة في هذا المجال، السيّد عبد العظيم الحسني، الذي تولّى – بتكليفٍ من الإمام الهادي (عليه السلام) – ولاية شؤون الشيعة في منطقة الريّ. وقد أدرك أهل البيت (عليهم السلام) أنّ الشيعة، إن لم يتعلّموا كيف يعيشون في غياب الإمام، وكيف يلتزمون بطاعة وليّه، فإنّهم سيواجهون مشكلاتٍ جسيمة.

وتُعدّ شبكة الوكالة في عهد الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) والتنظيم النيابي في زمن الإمام الهادي (عليهما السلام)، من أوضح الشواهد على هذا الجهد المخلص في تعليم الشيعة كيفيّة التعايش مع غياب الإمام جسديًا. فالمجتمع الشيعي، في غياب إمامه، يواجه تحدّياتٍ متعدّدة، ولا سبيل لتقليل هذه الأزمات ومواجهة صعوباتها إلّا من خلال حياةٍ منظَّمة قائمة على الانضباط، وطاعة نائب الإمام الغائب.

وقد اختلفت طبيعة النيابة والوكلاء عبر الأزمنة؛ فمرّةً تقتضي الظروف أن يكون نوّاب الإمام من «النوّاب الخاصّين» الذين يُعيَّنون مباشرةً من قِبَل الإمام، ومرّةً أخرى – حين تشتدّ الظروف ويبتعد الشيعة أكثر عن إمامهم – يكون لزامًا عليهم اتّباع «النائب العام» للإمام الغائب، أي «وليّ الفقيه».

وقد بلغت مسألة ولاية الفقهاء من الأهمية عند أهل البيت (عليهم السلام) حدًّا أنّهم كانوا، إذا جاءهم بعض الشيعة من مناطقٍ عُيِّن فيها وليّ فقيه، وسألوهم عن مسألة، يُحيلونهم صراحةً إلى ذلك الفقيه المعيّن في منطقتهم. ومن أبرز مصاديق ذلك، رجوع بعض أهل الريّ إلى الإمام الهادي (عليه السلام)، حيث وجّههم إلى وليّهم الفقيه السيّد عبد العظيم الحسني.

ومن أهمّ الروايات التي استند إليها فقهاء الشيعة في بحث نيابة الفقهاء، وتمهيد الأسس النظرية لولاية الفقيه في عصر الغيبة، الرواية المشهورة بـ«مقبولة عمر بن حنظلة». ففي هذه الرواية، يقدّم الإمام الصادق (عليه السلام) الفقيه بوصفه مرجعًا في القضاء، لا مجرّد ناقلٍ للحديث. يدلّ هذا التعبير، في نظر كثيرٍ من فقهاء الشيعة، على أنّ الفقيه الجامع للشرائط لا يقتصر دوره على نقل الروايات، بل يمتلك نوعًا من الولاية والحاكمية في المجتمع الديني. ولهذا، حازت هذه الرواية مكانةً خاصّة في مباحث أسس ولاية الفقيه في عصر الغيبة.

كما ورد عن الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) في أحد توقيعاته أنّ الفقهاء حجّته على الناس. وتقدّم هذه الروايات، بمجموعها، صورةً متكاملة لنظام القيادة في الفكر الشيعي؛ نظامٍ تستمرّ فيه الهداية بعد النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عبر الأئمّة المعصومين (عليهم السلام)، وتمتدّ في عصر الغيبة من خلال الفقهاء العارفين بالشريعة، وعلى رأسهم ولاية الفقيه. وتُعدّ هذه السلسلة المتّصلة من المعاني من الركائز الأساسية لنظرية ولاية الفقيه في زمن الغيبة.

وسنتناول لاحقًا شرح مفهوم «النائب الخاص» و«النائب العام» للإمام الغائب.

النوّاب الخاصّون للأئمّة والتجربة التاريخية للنيابة

مع بداية غيبة الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، وجد الشيعة أنفسهم أمام واقعٍ جديد؛ حيث لم يعد الإمام المعصوم حاضرًا حضورًا علنيًا بين الناس، ومع ذلك ظلّت حاجة المجتمع قائمةً إلى التواصل معه، واستلام الإجابات عن قضاياه الدينية والاجتماعية.

في مثل هذه الظروف، نشأ نظام «النيابة الخاصّة»، حيث اضطلع بعض الأشخاص الموثوقين بدور الوسيط بين الإمام والشيعة. وكان هذا النوع من النيابة يختلف عن النيابة العامة المتمثّلة في ولاية الفقيه في عصر الغيبة. وتعني النيابة الخاصّة أن يتولّى شخصٌ معيّن، معروفٌ بالاسم، ومُعيَّن مباشرةً من قِبَل الإمام، مهمّة نقل رسائله وتعليماته إلى الشيعة، وكذلك إيصال أسئلتهم ومشكلاتهم وحقوقهم الشرعية إليه. وقد كانت هذه النيابة محصورةً بأفرادٍ محدّدين، لا يتولّاها إلّا من نصّ عليهم الإمام المعصوم صراحةً.

ومن هنا، تُعدّ النيابة الخاصّة من أهمّ الوسائل التي حفظت صلة الاتصال بين الإمام والمجتمع الشيعي في مرحلة الغيبة، إذ جنّبت المجتمع الوقوع في الحيرة في أدقّ مراحله التاريخية، وأبقت مسار الهداية الدينية مستمرًا عبر ممثّلين موثوقين.

وقد استمرّت فترة الغيبة الصغرى – الممتدّة من سنة 260 إلى 329 للهجرة – مرحلةً كان فيها التواصل بين الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) والشيعة يتمّ عبر أربعة نوّاب خاصّين، وهم على الترتيب: عثمان بن سعيد العمري، ثمّ ابنه محمد بن عثمان العمري، ثمّ الحسين بن روح النوبختي، وأخيرًا علي بن محمد السمري. وكان عثمان بن سعيد العمري أوّل هؤلاء النوّاب، وقد كان قبل الغيبة من خواصّ أصحاب الإمام الهادي والإمام الحسن العسكري (عليهما السلام)، محلّ ثقةٍ كاملةٍ لديهما. وبعده تولّى ابنه محمد بن عثمان العمري هذه المهمّة، فقام بها لسنواتٍ طويلة. ثمّ أُسندت النيابة إلى الحسين بن روح النوبختي، الذي كان من الشخصيات البارزة الموثوقة بين شيعة بغداد، وتمكّن، رغم الظروف السياسية المعقّدة، من الحفاظ على صلة التواصل بين الإمام والمجتمع.

وفي الختام، تولّى علي بن محمد السمري منصب النيابة الخاصّة، ومع وفاته سنة 329 للهجرة، انتهت مرحلة الغيبة الصغرى، وبدأت مرحلة الغيبة الكبرى.

 

دور النوّاب الخاصّين في هداية الشيعة

لم يكن دور النوّاب الخاصّين مقتصرًا على نقل الرسائل أو إيصال المكاتبات، بل اضطلعوا بدورٍ محوري في تنظيم المجتمع الشيعي في تلك المرحلة. فقد كانوا يتلقّون الأسئلة الفقهية والعقائدية من الشيعة، وينقلون إليهم أجوبة الإمام، كما كانوا يتولّون إيصال الحقوق الشرعية والأموال المرتبطة ببيت مال الشيعة إلى الإمام.

إلى جانب هذه المهام، كان للنوّاب الخاصّين دورٌ بالغ الأهمية في الحفاظ على تماسك المجتمع الشيعي؛ ففي زمنٍ كانت الضغوط السياسية والاجتماعية فيه شديدة، شكّل وجود ممثّلين موثوقين عن الإمام عاملَ استقرارٍ حال دون وقوع الشيعة في التشتّت والاضطراب.وكانت التوقيعات التي تصدر عن الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) تصل إلى الشيعة من خلال هؤلاء النوّاب، فتُعالج بها العديد من القضايا الدينية والاجتماعية، مستنيرين بتوجيهاتهم وإرشاداتهم. ومن هنا، يمكن القول إنّ النوّاب الخاصّين كانوا حلقة الوصل الحيوية بين الإمام والمجتمع الشيعي، وأسهموا بدورٍ حاسم في استمرار الهداية الدينية خلال عصر الغيبة الصغرى.

ويُظهر تتبّع تاريخ هؤلاء النوّاب أنّ هذه المسؤولية انتقلت، في بعض الحالات، ضمن أسرٍ معيّنة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك أسرة «العَمري»، حيث عُرف عثمان بن سعيد العمري بوصفه أوّل نائبٍ خاص، ثمّ تولّى ابنه محمد بن عثمان هذه المهمّة من بعده. غير أنّ هذا الانتقال لا يُفهم على أنّه نظامٌ وراثيٌّ كامل، لأنّ أصل النيابة كان قائمًا على التعيين والتصريح من الإمام المعصوم.

ومع ذلك، فإنّ الواقع التاريخي يكشف أنّ الثقة والمكانة الاجتماعية التي تمتّعت بها بعض الأسر بين الشيعة قد هيّأت أرضيةً طبيعية لاستمرار هذه المسؤولية في نطاقها. ويعكس هذا الأمر مكانة تلك الأسر التي اكتسبتها بفضل تاريخها الطويل في خدمة أهل البيت (عليهم السلام)، وما حظيت به من ثقةٍ عامة. وقد ساعد استمرار هذا الدور داخل هذه الأسر على تعزيز الاستقرار وترسيخ الثقة في المجتمع الشيعي، مما أتاح استمرار الصلة بين الإمام وأتباعه بدرجةٍ أكبر من الاطمئنان.

وتكشف هذه التجربة التاريخية أنّه، حتى في زمن الغيبة، يمكن أن تنشأ آلياتٌ منظّمة لهداية المجتمع والحفاظ على ارتباطه بالقيادة الدينية. وقد حظيت هذه التجربة باهتمامٍ كبير في الدراسات الفقهية الشيعية، واتُّخذت شاهدًا تاريخيًا مهمًا في مباحث النيابة وموقع الفقهاء في عصر الغيبة.

طاعة ولاية الفقيه في عصر الغيبة؛ طاعة الإمام المعصوم الغائب

إذا جمعنا خيوط المباحث السابقة، برز أمام الفكر الشيعي سؤالٌ جوهري: كيف يمكن للإيمان بولاية الإمام في عصر الغيبة أن يتحقّق في واقع الحياة الاجتماعية؟ هل تبقى هذه الولاية مجرّد اعتقادٍ قلبي، أم ينبغي أن تتجلّى في بنية إدارة المجتمع أيضًا؟

في منطق الشيعة، ليست الإمامة مقامًا معنويًا فحسب؛ فالإمام هو حجّة الله في الأرض، وصاحب الولاية على المجتمع. أي أنّ الدين لا يُبيَّن من خلاله فقط، بل إنّ النظام الاجتماعي للمسلمين ينبغي أن يتشكّل في إطار ولايته. ومن ثمّ، فإنّ المجتمع الذي يؤمن بالإمامة، لكنّه لا يقيم أيّ صلةٍ بين إدارته الاجتماعية وولاية الإمام، يكون قد حوّل الإمامة إلى فكرةٍ ذهنية، لا إلى حقيقةٍ حيّة في الواقع.

ومن هنا، تتحوّل مسألة ولاية الفقيه في عصر الغيبة إلى ضرورةٍ اعتقادية؛ إذ إنّ غيبة الإمام لا تعني تعطيل الولاية. فالإمام لا يزال وليّ المجتمع، غير أنّ الوصول المباشر إليه غير ممكن. وفي مثل هذه الظروف، لا سبيل للحفاظ على المجتمع ضمن دائرة الولاية إلّا بإيجاد بنيةٍ تنظّم إدارته وفق الإرادة التشريعية للإمام. وهذا هو الدور الذي حدّده الفقه الشيعي لولاية الفقيه.

فالفقيه الجامع للشرائط، في هذا الإطار، لا يدّعي أنّه بديلٌ عن الإمام، ولا يمتلك ولايةً مستقلّة، بل هو القائم على تنفيذ النظام الولائي في المجتمع؛ إذ أنه بفضل فقاهته، وعدالته، ومعرفته بأحكام الشريعة، يكون قادرًا على إدارة المجتمع بما ينسجم مع إرادة الدين. ومن ثمّ، فإنّ نظرية ولاية الفقيه في عصر الغيبة تمثّل في حقيقتها، الصورة الاجتماعية لولاية الإمام؛ أي الإطار الذي يُبقي المجتمع مرتبطًا بذلك النظام الولائي.

على هذا الأساس، يتّضح وجه العلاقة بين طاعة وليّ الفقيه وطاعة الإمام؛ فطاعة وليّ الفقيه ليست طاعةً لشخصٍ عادي، بل هي التزامٌ بالبنية الولائية التي أُنشئت لتطبيق الدين في المجتمع. وكما كانت أوامر الإمام، في زمن حضوره معيار انتظام المجتمع، فإنّ القرارات الصادرة في إطار ولاية الفقيه، في عصر الغيبة، تمثّل وسيلة تحقيق ذلك النظام الديني نفسه. ولهذا، فإنّ طاعة وليّ الفقيه، على المستوى الاجتماعي، تُعدّ الشكل العملي الوحيد لطاعة الإمام في زمن الغيبة.

أمّا إذا غاب هذا الإطار، فإنّ ولاية الإمام تتحوّل في الحياة الاجتماعية إلى أمرٍ معلّق؛ فقد يحتفظ المجتمع بمحبّته للإمام، ويُكثر من ذكره، لكنّه في واقع إدارة شؤونه لا يقيم أيّ علاقة بولايته. وفي مثل هذا الوضع، تنحصر الإمامة في نطاق الشعور الفردي أو العاطفي، بدل أن تكون نظامًا موجّهًا للحياة الاجتماعية.

من هنا، جاءت نظرية ولاية الفقيه لتمنع هذا الانفصال؛ فهي تقرّر أنّ المجتمع الذي يؤمن بولاية الإمام لا يمكن أن يظلّ بلا بنيةٍ قيادية في إدارته الجماعية، بل لا بدّ من وجود مؤسّسة تنظّم القرارات الكبرى في إطار الشريعة، وامتدادًا لولاية الإمام. وهذه المؤسّسة هي ولاية الفقيه.

وعليه، فإنّ ولاية الفقيه في عصر الغيبة ليست مجرّد نظرية سياسية، بل حلقةٌ أساسية في سلسلة الولاية الإلهية عبر التاريخ؛ سلسلة تبدأ بولاية الله، وتمتدّ عبر النبوّة والإمامة، وتستمرّ في عصر الغيبة من خلال ولاية الفقيه، حتى لا تخلو الأرض من نظام الهداية الإلهية.

في هذا التصوّر، تتجاوز طاعة وليّ الفقيه كونها مجرّد تبعيّةٍ لحاكمٍ ديني؛ فهي تعبيرٌ عن الوفاء العملي لولاية الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) في زمن الغيبة. والمجتمع الذي يلتزم بهذه الولاية إنّما يعلن أنّه، رغم غياب الوصول الظاهري إلى الإمام، لا يقبل أن يُخرج حياته الاجتماعية من دائرة ولايته؛ وهذه الروح من الالتزام هي التي تُبقي الصلة حيّةً بين عصر الغيبة وعصر الظهور.

الأسئلة الشائعة حول ولاية الفقيه في عصر الغيبة

  • هل تُعدّ ولاية الفقيه في عصر الغيبة ضرورةً دينية؟

في الفكر الشيعي، لا يمكن للمجتمع الإسلامي أن يبقى من دون قيادةٍ دينية وإدارةٍ منظِّمة. ومع غيبة الإمام المعصوم، يُنظر إلى الفقهاء الجامعين للشرائط بوصفهم نوّابًا عامّين عن الإمام، يتولّون مسؤولية تنظيم شؤون المسلمين وفق أحكام الإسلام ومصالح المجتمع. ويأتي «وليّ الفقيه» في موقع الصدارة بين هؤلاء النوّاب، حيث لا يقتصر دوره على الهداية المعنوية، بل يمتدّ ليشمل القيادة السياسية للمجتمع أيضًا. ومن هنا، طُرحت نظرية ولاية الفقيه في عصر الغيبة بوصفها سبيلًا لضمان استمرار الهداية وإدارة المجتمع الإسلامي.

  • ما المقصود بالفقيه الجامع للشرائط؟

الفقيه الجامع للشرائط هو المجتهد الذي يمتلك، إلى جانب القدرة على استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها، صفاتٍ أساسية كالعَدالة، والتقوى، والإلمام بظروف العصر، والقدرة على إدارة شؤون المجتمع. ووفق نظرية ولاية الفقيه، فإنّ هذا الفقيه هو المؤهّل لتولّي هداية المجتمع الإسلامي ورعايته في زمن الغيبة.

  • ما الفرق بين ولاية الفقيه والإمامة؟

تُعدّ الإمامة، في العقيدة الشيعية، منصبًا إلهيًا خاصًا بالأئمّة المعصومين، يُعيّنون من قِبَل الله تعالى. أمّا ولاية الفقيه في عصر الغيبة، فهي تعني النيابة عن الإمام، وتولّي شؤون إدارة المجتمع الإسلامي ورعايته في إطار أحكام الشريعة، لا بوصفها امتدادًا لنفس مرتبة الإمامة، بل بوصفها وظيفةً نيابية.

  • ما أهمّ سببٍ لطرح نظرية ولاية الفقيه؟

من أبرز الأسباب وأهمّها هو سعيُ أهل البيت (عليهم السلام) إلى بيان وتعليم مفهوم نيابة الفقيه في زمن الغيبة. كما أنّ من الدوافع الأساسية لطرح هذه النظرية الحاجةُ إلى وجود نظامٍ وقيادةٍ تحفظان استقرار المجتمع الإسلامي. فمن وجهة نظر كثيرٍ من مفكّري الشيعة، إنّ تطبيق الأحكام الاجتماعية للإسلام، وصيانة العدالة، ومنع الفوضى، كلّها أمورٌ تتطلّب قيادةً دينية. وفي عصر الغيبة، وقبل قيام الدولة الكريمة بقيادة الإمام، تقع هذه المسؤولية على عاتق الفقهاء المؤهّلين.

 

[1] الراغب الاصفهانی، حسین بن محمد، المفردات فی غریب القرآن، بیروت، دارالقلم، ص 885، مادة «ولی»

[2] القرآن الکریم: سورة البقرة، الآیة 257/ سورة المائدة، الآية 55

[3] المطهري، مرتضی، الإمامة والقيادة، طهران، صدرا، ص 31 – 40/ جوادی آملی، عبدالله، ولایت فقیه؛ ولایت فقاهت و عدالت، قم، نشر اسراء، ص 73 – 78

[4] القرآن الکریم: سورة الشوری، آیه 9/ سوره بقره، آیه 257

[5] القرآن الکریم: سورة الاحزاب، آیه 16/ سوره نساء، آیه 59

[6] الکلیني، محمد بن یعقوب، الکافی، طهران، دارالکتب الإسلامیه، ج 1، ص 288، باب فرض طاعة الأئمة/ الحر العاملی، محمد بن حسن، وسائل الشیعه، قم، مؤسسة آل البیت، ج 18، ص 7

[7] الحلی، حسن بن یوسف، کشف المراد فی شرح تجرید الإعتقاد، قم، مؤسسة النشر الإسلامی، ص 363 – 366

[8] الکلینی، محمد بن یعقوب، الکافی، طهران، دارالکتب الإسلامیة، جلد 2، ص 18

[9] الصدوق، محمد بن علی، کمال الدین و تمام النعمة، قم، دارالحدیث، جلد 1، ص 201

[10] الکلینی، محمد بن یعقوب، الکافی، طهران، دارالکتب الإسلامیة، جلد 1، ص 200

المشارکة

مقالات مماثلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *