نفوذ اليهود وإنشاء الفرق: البهائيّة والبابيّة والأجندة الصهيونيّة
لطالما كان إنشاء الفرق عبر التاريخ إحدى الاستراتيجيات التي اتبعها اليهود للتغلغل في المجتمعات والتأثير في مسار الأحداث بما يخدم مصالحهم. يقدّم هذا البحث أدلّةً يصفها بالمقنعة على أنّ اليهود حرّضوا علي محمد الشيرازي على إنشاء البابيّة في إيران، ولا سيّما من خلال استهداف اعتقاد الشيعة بظهور الإمام المهدي، عجّل الله تعالى فرجه الشريف، بوصفه المنقذ الموعود في آخر الزمان، بهدف إبعاد أتباع هذا الاعتقاد عن الحقيقة. كما يتناول البحث الادعاءات المتعلقة بالجذور الخارجية للبابيّة، بما في ذلك صلاتها المزعومة باليهود الروس أو البريطانيين، ويدرس تعاليمها، فضلًا عن دور اليهود السريّين في إيران في تأسيس هذه الفرقة ونشرها وتوسّعها.
كما تتناول هذه الدراسة دعم الصهاينة لحسين علي نوري، أحد أتباع الباب، في تأسيس البهائيّة التي كانت في بدايتها فرقةً بسيطة، فتحوّلت إلى شبكة دولية منظّمة، وانسجمت مع الأيديولوجية الصهيونية، ولا سيّما في ما يتعلق بتأسيس إسرائيل دولةً في فلسطين، الأمر الذي أسهم وفق هذا الطرح، في ضمان استمرارها. وإضافةً إلى ذلك، تقدّم هذه الدراسة أدلّةً موثّقة تعتبرها معتبرةً، تُظهر وجود علاقات وثيقة بين البهائيين وإسرائيل، وتؤكد على اتساع نطاق هذه المنظمة ونفوذها العالمي. وكانت الشبكة اليهودية القوية في روسيا وبريطانيا تهدف إلى التغلغل في الأديان والبلدان وإنشاء فرق منحرفة، بهدف تحقيق الهيمنة العالمية على مستويات مختلفة. غير أنّ الشيعة، بسبب امتلاكهم إيمانًا قويًا ووفاءهم لعلمائهم وقادتهم الدينيين الذين كانوا يوجّهون الناس خلال فترة غيبة الإمام المهدي، عجّل الله تعالى فرجه الشريف، ويُحبطون مؤامرات الأعداء، دفعوا اليهود، وفقًا لهذا الطرح، إلى إنشاء الفرق المبتدعة، البابيّة ثم البهائيّة لاحقًا، في إيران لخداع الناس[1]. وبالطبع، تحوّلت البهائيّة من فرقة منحرفة إلى جماعة سياسية داعمة للصهيونية، وهو الموضوع الذي سنتناوله بمزيد من التفصيل في هذه المقالة.
مناهج اليهود البريطانيين للسيطرة على العالم
منذ العهد الصفوي في إيران وعصر النهضة في أوروبا، كانت الشبكة اليهودية، التي تمركزت بصورة رئيسية في بريطانيا، تستخدم ثلاث استراتيجيات للسيطرة على مناطق مختلفة من العالم: التعرّف إلى كل منطقة، ووضع استراتيجية تتناسب معها، ثم تنفيذ تلك الاستراتيجية.
المستشرقون بوصفهم جواسيس
تمثّلت الخطوة الأولى في جمع المعلومات من أولئك الجواسيس البريطانيين الذين كانوا يتظاهرون بأنهم مستشرقون، ويزورون مناطق مختلفة من العالم، مثل إيران والهند والبلدان العربية [2]. وقد كتب كثير منهم كتبًا في أدب الرحلات، أظهرت فهمهم التحليلي الدقيق لجغرافية كل منطقة، وسياساتها، واقتصادها، وعلومها العسكرية، ومعتقداتها وثقافاتها.
تنفيذ الاستراتيجية
وبعد التعرّف إلى كل منطقة ووضع خطة للتغلغل فيها، كانت الخطوة التالية تتمثل في استقطاب أشخاص ذوي قدرات ليكونوا عوامل رئيسية في تنفيذ هذه الاستراتيجية [3]. ونتيجةً لذلك، قام عملاء يهود من إنجلترا وروسيا، وفقًا لما يورده النص، بالتعرّف إلى شاب يُدعى سيّد علي محمد الشيرازي واختياره لهذا الغرض.
البابِيّة
وُلد علي محمد عام 1819م (1235هـ.ق) في مدينة شيراز، وفقد والده في سنّ مبكرة. وانتقل برفقة عمّه إلى بوشهر للعمل في التجارة [4]. وقد أدّت السلوكيات الزاهدة التي اتّصف بها علي محمد، وتفسيراته السطحية للآيات والروايات القرآنية، وخصاله الأخلاقية [5] إلى أن تعتبره شبكات اليهود الروس والإنجليز أفضل مرشّح وفقًا لهذا الطرح لإنشاء فرقة منحرفة بين الشيعة. ونتيجةً لذلك، أعلن علي محمد عام 1844م (1260هـ.ق) أنّه نائب الإمام الموعود أو بابه. ثم ادّعى لاحقًا أنّه هو الإمام المهدي، عجّل الله تعالى فرجه الشريف، وسرعان ما وسّع ادّعاءاته لتصل إلى النبوّة والألوهيّة. وقد سمّى نفسه «باب الإمام»، واشتهر باسم «الباب» [6].
وكانت ادّعاءات الباب تتعارض تعارضًا تامًّا مع التعاليم الشيعية الأصيلة، وقد ألّف علماء، مثل ميرزا مهدي خان زعيم الدولة، كتبًا عديدة للردّ عليها، من بينها كتاب «مفتاح باب الأبواب». وفيما يتعلق بجذور الصلة بين اليهود وعلي محمد، توجد فرضيات مختلفة، سنبحثها فيما يلي (3.2).
تأثّر علي محمد بمدرسة الشيخية، وهي المدرسة المرتبطة بأتباع الشيخ أحمد الأحسائي. ونتيجةً لذلك، سافر في سنّ التاسعة عشرة إلى كربلاء لمواصلة دراسته لدى السيد كاظم الرشتي والشيخ أحمد الأحسائي. إن معتقدات أتباع الشيخ أحمد، الذين كانوا ينتظرون ظهورَ المنقذ الموعود، إلى جانب سوء الظروف المعيشية التي كان يعاني منها الناس، دفعت اليهود إلى تأسيس فرقة منحرفة تتمحور حول فكرة المهدوية، بقيادة علي محمد.
دراسة الفرضيات المختلفة حول ظهور البابِيّة
هناك آراء مختلفة بشأن الاتصالات الأولية بين اليهود ومؤسسي فرقة البابِيّة، وكذلك بشأن مدى دعم البابِيّة للبريطانيين أو الروس؛ وإن كانت آثار النفوذ اليهودي، وفقًا لهذا الطرح، تظهر في جميع هذه الفرضيات.
وقد يبدو من السذاجة افتراض أنّ بريطانيا أو روسيا انخرطتا في عمليات تخطيط واسعة النطاق وأرسلتا جواسيس إلى مختلف أنحاء العالم لمجرّد تحقيق مصالحهما الوطنية. ويذهب هذا الطرح إلى أنّ ذلك كان مؤامرةً من جانب اليهود لإخفاء نفوذهم الخبيث في جميع الأحداث المأساوية التي شهدها التاريخ. فقد سيطرت الشبكة اليهودية، بقيادة عائلة روتشيلد، في البداية على الحكومة البريطانية، ثم وسّعت تدريجيًا شبكة نفوذها لتشمل حكومات في أنحاء العالم، ومنها روسيا، باستخدام استراتيجية «فرّق تسد» [7].
وبناءً على ذلك، فإن التركيز على الاعتقاد بأن بريطانيا كانت مصدر البابِيّة، ومن ثمّ البهائيّة، أو أن الروس هم المسؤولون عن ذلك، قد يصرفنا عن الهدف الأساسي من البحث. وإضافةً إلى ذلك، لا يبدو من المستحيل إثبات صحة أيٍّ من الفرضيتين، ولا سيّما بالنظر إلى أن الشبكة اليهودية تعمل على المستوى العالمي. ومع ذلك، سنعرض فرضيتين أكثر قوة، من دون الإصرار على أرجحية إحداهما على الأخرى.
تحريض الباب من جانب اليهود البريطانيين
يرى بعض المؤرخين، ومنهم عبد الله شهبازي [8]، أن أول اتصال لعلي محمد بشبكة اليهود البريطانيين، وارتباطه بها، يعود إلى فترة إقامته في بوشهر. وقد تزامنت فترة وجوده في بوشهر مع أنشطة الشبكة اليهودية العالمية التي كانت تقودها عائلة روتشيلد، والتي كانت، من خلال شركة ساسون [9] المؤلفة من يهود بغداديين، منخرطة في تجارة الأفيون وأعمال التجسّس.
تحريض الباب من جانب اليهود الروس
يشير بعض أنصار هذه الفرضية إلى وجود صلة بين ديمتري إيفانوفيتش دولغوروكوف، المبعوث الروسي في إيران، وعلي محمد الشيرازي في كربلاء [10]. ويرى بعضهم أن السيد كاظم الرشتي، أستاذ علي محمد الباب، كان عميلًا روسيًا من مدينة فلاديفوستوك، انتقل إلى مدينة رشت بسبب التشابه بين اللغة الجيلانية واللغة الروسية. إضافةً إلى ذلك، ظلّ أصل عائلته ونسبها في رشت مجهولين.
ومن العوامل الأخرى التي يستند إليها المؤرخون لتأكيد ادعاءاتهم، ما قام به معتمد الدولة، وهو جاسوس روسي من أصل جورجي، من دعمٍ للباب وإيواءٍ له خلال فترة نفيه من شيراز. ومن الأدلة المهمة أيضًا تقرير لوي ألفونس دانيال نيكولا، المؤرخ البابي، الذي يذكر أن السفارة الروسية طلبت من جواسيسها إنقاذ علي محمد الباب من الإعدام [11].
دور اليهود في نشر البابِيّة والبهائيّة
من المؤكد أنه في بلد شيعي مثل إيران، يتمتع بإيمان قوي وعميق بالقرآن وأهل البيت وبإرشادات المراجع الدينية في ذلك الوقت، لم يكن من الممكن أن يضلّ أحدٌ بادّعاءات مهينة وكاذبة لأشخاص كانوا يعرّفون أنفسهم بأنهم الإمام المهدي، عجّل الله تعالى فرجه الشريف، أو نبيًّا أو إلهًا. ونتيجةً لذلك، اضطرّ اليهود، وفقًا لهذا الطرح، إلى تشكيل أوائل أتباع الباب.
اليهود المستترون أم اليهود الذين أسلموا حديثًا
يشير مصطلح «اليهود المتنصّرون إلى الإسلام حديثًا» إلى يهود اعتنقوا الإسلام ظاهريًا بهدف الاندماج في المجتمع الإسلامي، بينما كانوا يمارسون شعائر الديانة اليهودية سرًّا. وتصف الموسوعة اليهودية ظاهرة اليهود في مدينة مشهد الذين اعتنقوا الإسلام حديثًا بأنهم «يهود مستترون»، وليسوا «مرتدين» [12].
ويَرِد هذا المفهوم أيضًا بصورة ضمنية في الآية 82 من سورة المائدة والآية 107 من سورة التوبة؛ غير أن اليهود ينكرون هذه الحقيقة ويحاولون اعتبارها حالةً من الأنوسية، بما يوحي بأنهم اضطروا إلى التخلي عن اليهودية على خلاف إرادتهم بسبب الظروف السائدة في البلدان التي كانوا يقيمون فيها.
اليهود الذين اعتنقوا الإسلام حديثًا في مدينة مشهد
في عام 1831م (1246هـ.ق)، اعتنق نحو ألفي يهودي من سكان مشهد الإسلام بصورة جماعية ومفاجئة، ومن دون أن يتعرضوا لأي ضغط. وعلى مرّ التاريخ، كان اليهود، بسبب أخلاقهم وشرورهم، موضع كراهية من سكان مختلف البلدان في كثير من الأحيان. وهم أنفسهم يقرّون بهذه الحقيقة أيضًا.
ومع ذلك، تشير الشواهد إلى أن المجتمع اليهودي كان يعيش في إيران في ظروف جيدة، كما أنه يعيش اليوم بسلام إلى جانب سائر أبناء الشعب الإيراني، ويتمتع بتعايش سلمي معهم. كما أن لهم، بوصفهم أقلية دينية، ممثلًا في مجلس الشورى الإسلامي، وتُقبل مطالبهم وتُستجاب لها.
ومن ثمّ، فإن تبرير اعتناقهم الإسلام بدافع الخوف أو الإكراه يبدو، وفقًا لهذا الطرح، ناشئًا عن ثقافة الشعور بالضحية لديهم، ولا سيّما أن اعتناقهم الإسلام حدث قبل دعوة الباب العلنية بخمس سنوات بالضبط، وبالتزامن مع تأسيس شركة ساسون في مدينة بوشهر.
ومن بين قادة الشبكة اليهودية في مشهد يمكن ذكر الملا إبراهيم ناثان، والملا عبد الخالق اليزدي، والملا مشايخ، والملا بنيامين اليزدي؛ إذ غيّر جميعهم أسماءهم إلى أسماء إسلامية بعد إسلامهم الظاهري، وشكّلوا أوائل أتباع الباب [13].
اليهود المتديّنون علنًا
أدّى اليهود المتديّنون علنًا أيضًا دورًا مهمًّا في نشر البهائيّة التي انبثقت من البابِيّة. ومن بينهم يمكن الإشارة إلى اليهود في مدن همدان وكاشان وشيراز ورشت.
وفي الواقع، كان معظم المجتمع البهائي في إيران، وفقًا لهذا الطرح، يتكوّن من المسيحيين أو الزرادشتيين، بينما انجذب عدد قليل من المسلمين إلى معتقداتهم الواهمة والخاوية [14].
في مختلف أنحاء العالم
إن محاولات اليهود للترويج للبهائيّة بوصفها دينًا ذا تأثير عالمي لا تظهر في إيران فحسب، بل في العالم بأسره أيضًا. ففي البلدان الأخرى، ولا سيّما في أوروبا والولايات المتحدة، انضمّ إلى هذه الحركة كلٌّ من اليهود العلنيين واليهود المخفيين، الذين كانوا يتخفّون في هيئة مسيحيين.
وكان من أبرز الشخصيات في هذا المجال هيبوليت دريفوس، الذي أدّى دورًا مهمًّا في نشر البهائيّة وتعزيزها [15].
الحروب الأهلية الناجمة عن البابِيّين ومصير الباب
بعد وفاة محمد شاه وتولّي ناصر الدين شاه العرش، أثارت البابِيّة سلسلةً متزايدة من التمرّدات، قادها مقرّبون من علي محمد الباب، وحظيت بدعم استعماري. هذه الاضطرابات أدّت إلى اندلاع ثلاث حروب أهلية في مدينة زنجان، وقلعة الشيخ طبرسي، ونيـريز.
وفي نهاية المطاف، أُعدم علي محمد الباب بناءً على فتوى علماء الشيعة في إيران وأمر أمير كبير، رئيس الوزراء الإيراني الكفء [16]؛ وقد أكلت كلاب المدينة جثته، مع أن البهائيين يدّعون أنهم نقلوا جثمان الباب بعد ستين عامًا إلى جبل الكرمل في حيفا (فلسطين المحتلة) [17]!
تبعيد البابِيّين وظهور الديانة البهائيّة
كان البابِيّون، الذين كانوا يكنّون العداء لأمير كبير وناصر الدين شاه، قد حاولوا اغتيال الشاه مرتين. وبعد محاولة الاغتيال الثانية الفاشلة عام 1268هـ.ق، أُلقي القبض على عدد من أبرز المتآمرين من أسرة نوري، لكنهم أُطلق سراحهم لاحقًا بمساعدة السفارة الروسية. وقد مكّنتهم هذه المساعدة من الانتقال إلى بغداد. وهناك كانوا يعتزمون استعادة قيادة البابِيّين من جديد بدعم من إنجلترا وروسيا.
ويرى البهائيون أن تأسيس البهائية يعود إلى اليوم الذي آلت فيه قيادة الجماعة من يحيى نوري إلى حسين علي نوري (بهاء الله)؛ إذ كان يحيى نوري (صبح أزل)، الأخ الأصغر لبهاء الله، يتولى قيادة الطائفة في بداية الأمر، خلال فترة نفيهما. غير أنه بعد مدة، أُرسل ميرزا يحيى إلى قبرص، في حين كان ميرزا حسين علي محتجزًا في عكّا بفلسطين [18].
وكان السبب المعلن للانفصال بين ميرزا يحيى وبهاء الله هو الخلاف حول القيادة، وهو خلاف تفاقم نتيجة ضغط الحكومة الإيرانية لإخراج البابِيّين من إيران وكربلاء. غير أن المؤرخ محمد علي موحّد يذكر أن الدولة العثمانية قامت، بناءً على توصية السفير البريطاني، بنفي بهاء الله إلى فلسطين.
فشل البابِيّة وتغيّر الاستراتيجية اليهودية
بعد إخفاقات البابِيّة، غيّرت الشبكة اليهودية السرية استراتيجيتها، حيث نُقل بهاء الله نتيجة لذلك إلى عكّا في فلسطين للاضطلاع بمهمته الجديدة. وهناك، تمكّن، من خلال سياسات اقتصادية ودينية، من تكوين ثروة كبيرة لأتباعه [19].
النفوذ في الإمبراطورية العثمانية: تمهيد لاحتلال فلسطين
وفقًا للاستراتيجية الجديدة، كان على بهاء الله وابنه عبد البهاء أن يقدّما نفسيهما بوصفهما مصلحَين اجتماعيَّين بين مسلمي الإمبراطورية العثمانية، وأن يتغلغلا بينهم، مع شراء الأراضي الفلسطينية بهدف نقلها إلى المهاجرين اليهود. حتى إن عبد البهاء أصبح إمامًا لمسجد الجَزّار.
وتُظهر التقارير الرسمية الصادرة عن الأجهزة الأمنية العثمانية أن هذين الرجلين كانا، في السنة نفسها التي توفي فيها بهاء الله، منخرطين في شراء الأراضي من مسلمي فلسطين وبيعها للمهاجرين اليهود [20]. وعلى الرغم من أن إجمالي مساحة الأراضي التي اشتراها اليهود يُقدَّر بأنه كان أقل من 2.5% من مساحة فلسطين، فإنه، على أي حال، لا يمكن تجاهل دور هذه العناصر الخائنة في دفع أهداف اليهود إلى الأمام.
وخلال الحرب العالمية الأولى، أدّى البهائيون أدوارًا استخباراتية مهمة لصالح الحكومة البريطانية. ومع اقتراب الحرب من نهايتها، كان المسؤولون العسكريون العثمانيون يعتزمون إعدام عباس أفندي (عبد البهاء) والاستيلاء على ممتلكات البهائيين في حيفا وعكّا، إلا أن هذه الخطط باءت بالفشل بعد هزيمة العثمانيين [21].
العلاقة الوثيقة بين البهائيين وإسرائيل
غالبًا ما قلّل البهائيون من أهمية علاقاتهم باليهود والصهيونيين، غير أن وثائق مهمة تكشف، وفقًا للنص، عن هذه الحقيقة:
أ) وصفت مكسويل، زوجة شوقي أفندي، ثالث قادة البهائية، الديانة البهائية وإسرائيل بأنهما مترابطتان [22].
ب) في عام 1907م، صرّح عبد البهاء لحبيب مؤيد، وهو بهائي يهودي، بأن اليهود سيعودون قريبًا إلى فلسطين وسيستعيدون مجدهم التاريخي [23].
ج) ومن بين الخطوات الأولى التي أقدم عليها بيت العدل العالمي، كان التواصل مع الحكومة الإسرائيلية. واللافت أن الرئيس الإسرائيلي في ذلك الوقت، إلى جانب رئيس بلدية حيفا، كانا حاضرين في أحد التجمعات، وهي واقعة يذكرها كتاب «العالم البهائي» بفخر [24].
د) يتجلّى التعاون بين البهائيين والصهيونيين في تعاون عبد البهاء مع الجنرال أللنبي خلال الحرب العالمية الأولى، وفي علاقاته بهربرت صموئيل، أحد الشخصيات الرئيسية التي وقفت وراء إعلان بلفور وأول مفوض سامٍ لفلسطين. وقد اعترف صموئيل بالبهائية بوصفها دينًا مستقلًا وخاليًا من الانحطاط الذي أثّر في سائر أديان الشرق الأوسط [25].
هـ) خلال حرب الأيام الستة عام 1967، تلقّت إسرائيل نحو مليار ومئتي مليون ريال من قادة البهائيين على سبيل المساعدة [26].
الديانة البهائية: منظمة سياسية بدلًا من كونها فرقة
إن الديانة البهائية ليست مجرد فرقة أو جماعة منحرفة، بل وتعمل بوصفها منظمة ذات هيكل تنظيمي، تقودها أوليغارشية يهودية، وتنشط من خلال التخطيط الاستراتيجي ومخططات مختلفة.
في عام 1893م، يبدو أن قسًّا يُدعى جورج ألفريد فورد كان أول من اعترف بالديانة البهائية في الولايات المتحدة، وذلك في البرلمان العالمي للأديان في شيكاغو. وكان هذا الاعتراف جزءًا من مبادرات عبد البهاء لإقامة علاقات مع الولايات المتحدة وتوسيع الشبكات بعد وفاة والده، بهاء الله، عام 1892م. وكان قد قرأ نصًّا نشره هنري هاريس جيسوب، يمتدح فيه البهائية. ويبدو أن جيسوب كان قسًّا مسيحيًا ذا رؤية صهيونية، وكان يعمل في الإمبراطورية العثمانية من أجل تأسيس دولة إسرائيل.
وبعد سنوات، في عام 1912م، سافر عبد البهاء إلى نيويورك، ووفقًا لما يذكره البهائيون، ادّعى أنه التقى رئيس الولايات المتحدة آنذاك. ويعتبر البهائيون إبراهيم جي. خير الله، المنحدر من سوريا، أول مبعوث خاص للبهائية لنشر الديانة البهائية في الولايات المتحدة. وكان ثورنتون تشيس، ولوا غيتسينغر، وفيبي إليزابيث أبيرسون هيرست من أبرز أعضاء المجتمع البهائي في الولايات المتحدة.
وسّعت الشبكة البهائية تدريجيًا نطاق نشاطها ليشمل فرنسا والهند ومصر وسائر بلدان العالم، بما فيها إيران عام 1934م، وقامت بوضع قوانينها استنادًا إلى توصيات البهائيين في الولايات المتحدة وحيفا.
وكان لدى البهائيين مخططات متعددة لتوسيع شبكتهم العالمية، وكان أبرزها الحملة الصليبية العشرية. وكانوا يعتزمون إنشاء اثني عشر مركزًا بهائيًا خلال تسع سنوات، في اثنتي عشرة منطقة حول العالم.
وبعد تقلبات وأحداث كثيرة، ولا سيما بعد وفاة شوقي أفندي عام 1957م، أُديرت المنظمة البهائية لمدة ست سنوات من قبل مجموعة من المقربين والشخصيات النافذة المعروفة باسم أيادي أمر الله. وبسبب الانقسامات والخلافات بين البهائيين خلال الفترة الممتدة بين أعوام 1957 إلى 1967م، آلت قيادة المنظمة البهائية في أمريكا في نهاية المطاف إلى تشارلز ماسون ريمي، في حين كان البهائيون في إسرائيل بقيادة روحية ماكسويل، زوجة شوقي أفندي [27].
| القائد | أبرز الارتباطات | الخطة | الأحداث المهمة | |
| بهاء الله (1863–1892) | روسيا وبريطانيا | محاولة الحفاظ على بقاء الفرقة | توفير مدخرات مالية كبيرة | |
| عبد البهاء (1892–1921) | بريطانيا والولايات المتحدة | إقامة علاقات مع أمريكا | شراء الأراضي الفلسطينية ومنحها لليهود | بدء جهود بناء الشبكات من الولايات المتحدة |
| شوقي أفندي (1921–1957) | الولايات المتحدة | تأسيس المنظمة البهائية في إيران (1934) | الحملة الصليبية في عشر سنوات (1953–1963) | |
| أيادي أمر الله (1957–1963) | الولايات المتحدة وإسرائيل | خطة تسع سنوات (1963–1972) | تأسيس بيت العدل العالمي (1963) | |
| روحية ماكسويل (1967–2000) | إسرائيل | — | التبرع لإسرائيل بمبلغ 872 دولار (1967) | |
جدول 1. قادة الديانة البهائية من حسين علي نوري إلى روحية ماكسويل (1863–2000)
وعلى الرغم من أن الديانة البهائية تأسست في بدايتها على يد البابِيّين، فإن البهائيين اتخذوا نهجًا مختلفًا من خلال تقديم المزيد من الخدمات للصهيونيين وإقامة علاقات مع القوى العظمى في عصرهم، أي الولايات المتحدة وأوروبا. وقد حوّلوا أنفسهم من فرقة إلى منظمة عالمية تطمح إلى حكم العالم بأسره.
وفي الواقع، فإن البهائية كانت نتيجة فشل اليهود في تأسيس فرقة تبدو مقدسة في ظاهرها، هي البابِيّة. وعلى الرغم من أن البهائيين كانوا يواصلون باستمرار محاولة تقديم هذه الفرقة بوصفها دينًا مقدسًا جديدًا، فإن دعمهم للصهيونيين الإسرائيليين يكفي وحده للكشف عن أهدافهم الخفية.
المصادر
- فاطمي، سيد مرتضى. «ظهور البابِيّة، نهاية المهدوية». البوابة الشاملة للعلوم الإنسانية، العدد 13، 1388هـ.ش.
- صبري باشا، أيوب. «مذكرات همفر».
- المصدر نفسه.
- «شرح مختصر للسيد الباب». الأزليون، 2 أرديبهشت 1391هـ.ش.
- إشراق خاوري، عبد الحميد. «خلاصة تاريخ نبيل الزرندي». دون مكان نشر، دون تاريخ، ص 63–64.
- «السيد علي محمد الباب». ويكي شيعة.
- كارينغتون هيتشكوك، أندرو. «كنيس الشيطان». دون تاريخ، ص 16، 72.
- شهبازي، عبد الله. «مقالات حول تاريخ البهائية في إيران». دون تاريخ، ص 21–22.
- كارينغتون هيتشكوك، أندرو. «كنيس الشيطان». دون تاريخ، ص 36–70.
- دالغوركي، كنياز. «جاسوس روسيا القيصرية الغامض». الطبعة الثالثة، مكتبة حافظ، [سنة الطبعة الثالثة]، ص 29–36.
- إسماعيلي، حميد رضا. «المنظمة السياسية للبهائيين 1892–1979». مؤسسة الدراسات والبحوث السياسية، 2022، ص 48–53.
- «الموسوعة اليهودية»، المجلد الخامس، دار كتر في القدس، 1971، ص 1146.
- شهبازي، عبد الله. «اليهود السريون وانتشار البابِيّة والبهائيّة». مركز الدراسات اليهودية.
- المصدر نفسه.
- المصدر نفسه.
- غلبايغاني، أبو الفضل. «كشف الغطاء»، ص 204–205.
- إسماعيلي، حميد رضا. «المنظمة السياسية للبهائيين 1892–1979». مؤسسة الدراسات والبحوث السياسية، 1401هـ.ش، ص 69.
- المصدر نفسه، ص 91–92.
- المصدر نفسه، ص 136.
- إرشاد، حسن. «دور بهاء الله وعبد البهاء في احتلال الصهيونيين لفلسطين»، 9 شهريور 1402هـ.ش.
- المصدر نفسه.
- «أخبار أمري»، العدد 10، دي 1340هـ.ش، ص 601.
- مؤيد، حبيب. «ذكريات حبيب». المؤسسة الوطنية للمطبوعات الأمرية، ص 20.
- «محقق بهائي»، الجمعية الوطنية الإيرانية، المجلد 14، ص 92.
- إسماعيلي، حميد رضا. المصدر نفسه، ص 132.
- المصدر نفسه، ص 394.
- المصدر نفسه، ص 131–253.