[rank_math_breadcrumb]

سرُّ النصرة الإلهية وقوانينه في القرآن، من عام الفيل إلى عاشوراء وحتى يومنا هذا

سرُّ النصرة الإلهية وقوانينه في القرآن، من عام الفيل إلى عاشوراء وحتى يومنا هذا

قانون النصرة الإلهية في القرآن؛ لماذا يتدخّل الله أحيانًا بشكل مباشر وأحيانًا لا يظهر هذا التدخّل؟

من الأسئلة العميقة التي تُطرح عند فهم تاريخ الدين، بل وحتى عند تأمل أحداث العالم المعاصر هس؛ لماذا يتدخّل الله أحيانًا بصورة واضحة ومباشرة، بينما لا نرى هذا التدخّل في مواقف أخرى؟ وبعبارة أدقّ: إن مفهوم النصرة الإلهية في القرآن يختلف عمّا يتصوره كثير من الناس.

فالقرآن يحدّثنا عن نماذج لتدخّل إلهي مباشر وواضح؛ ومن أبرزها حادثة عام الفيل، حين تحرّك جيش أبرهة الضخم لهدم الكعبة، فتدخّل الله سبحانه بطريقة خارجة عن الحسابات المألوفة، وأهلك ذلك الجيش في مشهد إعجازي مهيب.

لكننا، في المقابل، نواجه أحداثًا أخرى بلغت ذروة المأساة والظلامة، ومع ذلك لا نرى فيها ذلك التدخّل الإلهي المباشر بالكيفية نفسها. وتُعدّ واقعة عاشوراء من أوضح هذه النماذج؛ حيث وقف سبط النبي صلى الله عليه وآله وسلّم مع ثلّة قليلة من أصحابه في مواجهة جيش جرّار، فوقعت تلك الفاجعة المؤلمة.

وهنا يتولّد سؤال طالما شغل أذهان المؤمنين والباحثين معًا: ما سرّ هذا الاختلاف؟ إذا كان الله سبحانه قادرًا على كل شيء، وقادرًا على أن يتدخّل كما تدخّل في عام الفيل، فلماذا لا يمنع وقوع المآسي دائمًا؟
هل يرتبط التدخّل الإلهي بظروف خاصة؟ وهل شدّة الظلامة أو عِظَم المصيبة هي المعيار؟ أم أن القرآن يقدّم لهذه القضية قانونًا واضحًا وسنّة ثابتة؟

للإجابة عن هذه التساؤلات، ينبغي أن نتجاوز النظر السطحي إلى الأحداث، وأن نتأمل في السنن الإلهية التي يدير الله بها هذا العالم.

فالقرآن يكشف أن النصر الإلهي لا يتحقق بصورة عشوائية، بل يجري وفق قانون ثابت يمكن تسميته بـ قانون النصرة الإلهية. ووفق هذا القانون، فإن التدخّل الإلهي ليس أمرًا اعتباطيًا، ولا يحدث بلا ضوابط، وإنما يتحقق ضمن سنن ترتبط بإيمان الإنسان، وسعيه، وتحمله للمسؤولية.

وفهم هذا القانون هو المفتاح لفهم الفارق بين الأحداث التي يظهر فيها التدخّل الإلهي بوضوح، وتلك التي لا يبدو فيها هذا التدخّل ظاهرًا. وقد عبّرت الآية المشهورة من سورة الأنفال عن هذه الحقيقة بدقة مدهشة: وَما رَمَيتَ إِذ رَمَيتَ وَلٰكِنَّ اللَّهَ رَمى[1]. فهذه الآية ترسم صورة عميقة للعلاقة بين فعل الإنسان والنصرة الإلهية؛ فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم قام بالفعل واتخذ السبب، لكن التأثير الحقيقي وتحقيق النتيجة كان من عند الله سبحانه. وبعبارة أخرى: فإن قانون النصرة الإلهية في القرآن لا يجعل الإنسان وحده صانع النصر، كما أنه لا يجعل المدد الإلهي يتحقق من دون سعي بشري وتمهيد عملي؛ بل إن النصر ثمرة التقاء إرادة الإنسان المؤمن مع التأييد الإلهي.

ومن هنا، فإذا رأينا في موضعٍ تدخّلًا إلهيًا مباشرًا، ولم نره في موضع آخر، فإن الجواب ينبغي أن يُبحث ضمن هذا القانون نفسه. فالقرآن يبيّن أن النصرة الإلهية مرتبطة بسنن تقوم على الإيمان، والثبات، والصبر، والموقف العملي، وتحمل المسؤولية. إن فهم هذا القانون لا يساعدنا فقط على تفسير أحداث التاريخ الإسلامي، بل يمنحنا أيضًا رؤية أعمق وأوضح لفهم ما يجري في عالمنا المعاصر.

الأصل في إدارة العالم هو القانون، لا المعجزة

من أهمّ النقاط التي ينبغي الالتفات إليها لفهم مسألة التدخّل الإلهي، أن الله يدير هذا العالم وفق قوانين وسنن ثابتة، لا عبر المعجزات الدائمة المستمرة. فالقرآن يتحدّث مرارًا عن السنن الإلهية؛ أي القواعد الثابتة التي تجري حركة التاريخ والمجتمعات على أساسها. وكما أن في عالم الطبيعة قوانين تحكم الكون، كقانون الجاذبية، والنمو، والسببية، والقضاء والقدر، والعلاقة بين العلة والمعلول، فإن للحياة الاجتماعية والتاريخية أيضًا قوانينها الخاصة التي ترسم مسار الأحداث وتحدد مآلاتها.

في هذا الإطار، تُعدّ المعجزة استثناءً لا قاعدة دائمة. فالمعجزة تقع عندما يشاء الله سبحانه ـ لحكمة خاصة وفي ظرف استثنائي ـ أن يُجري الأمور على نحو يختلف عن النظام المعتاد للأسباب والعلل. أما الأصل العام، فهو أن تسير أحداث العالم عبر السنن الطبيعية والبشرية المعتادة.

ولهذا يدعو القرآن الإنسان دائمًا إلى العمل، والتخطيط، والصبر، والثبات، والمقاومة؛ لأن مصير المجتمعات ـ بحسب المنطق القرآني ـ يتشكّل من خلال هذه العوامل نفسها. فلو كانت حياة البشر تُدار دائمًا بالتدخّلات الخارقة والمعجزات المستمرة، لفقدت كثير من المفاهيم القرآنية الكبرى معناها الحقيقي؛ كمفهوم الجهاد، والصبر، والمسؤولية الاجتماعية، والابتلاء الإلهي. وفي عالم كهذا، لن يكون لسعي الإنسان دور حاسم، ولن يصبح بالإمكان تفسير أسباب سقوط الأمم أو نهضتها.

أما حين نفهم أن العالم قائم على قانون وسنّة ثابتة، فإن أفعال البشر وقراراتهم تكتسب وزنها الحقيقي في صناعة المستقبل وتغيير الواقع. ومن هنا، فإن الله سبحانه ـ حين يبيّن قانون النصرة الإلهية في القرآن ـ لا يكتفي بذكر المعجزات، بل يؤكد باستمرار على السنن الإلهية الثابتة؛ تلك السنن التي لا تتبدّل، والتي يتحرك التاريخ ضمن إطارها.

إن فهم هذا الأصل يساعدنا على إدراك سبب كون الكثير من الانتصارات والهزائم في التاريخ قد تحققت عبر العوامل البشرية، والجهود العملية، والاختيارات الإنسانية، لا عبر التدخّل الإعجازي المباشر.

وفي الحقيقة، فإن إدراك هذه القاعدة يُعدّ مقدمة أساسية لفهم قانون النصرة الإلهية في القرآن؛ ذلك القانون الذي يكشف أن العون الإلهي يتحقق ـ في الغالب ـ من داخل هذا النظام السببي نفسه، ومن خلال سعي الإنسان وجهوده، لا فقط عبر التدخلات الخارقة للعادة.

مكانة الإنسان في هذا القانون والسنّة الإلهية

لفهم قانون النصرة الإلهية في القرآن فهمًا صحيحًا، لا بدّ أولًا من إدراك مكانة الإنسان ضمن هذا النظام الإلهي. فعلى خلاف التصور الشائع الذي يُرجع كل شيء إلى الإرادة الإلهية المباشرة وحدها، يؤكد القرآن أن الإنسان هو الفاعل الأساسي في ساحة التاريخ؛ لكن ليس بوصفه كائنًا مستقلًا عن الله، بل باعتباره جزءًا محوريًا من المنظومة التي أراد الله أن تُدار بها الحياة.

وفي المنطق القرآني، تتكامل ثلاثة عناصر كبرى:

هذه العناصر لا تتعارض فيما بينها، بل يكمّل بعضها بعضًا، ولا يكتمل معناها إلا باجتماعها. فقد خلق الله سبحانه العالم بطريقة تجعل التحولات الكبرى، والانتصارات، وانهيارات الحضارات وسقوطها، كلها تنشأ من أفعال البشر واختياراتهم. ولذلك يقول تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ.  أي إن التغيير الخارجي يبدأ أولًا من التغيير الداخلي للإنسان نفسه.

فلو كانت حركة التاريخ تُدار فقط عبر التدخل الإلهي المباشر، لما بقي للإنسان دور حقيقي؛ لا مسؤولية، ولا اختبار، ولا فرصة للنمو والتكامل. لكن السنّة الإلهية جرت على غير ذلك.

لقد وضع الله الأسباب بين يدي الإنسان، ومنحه القدرة على أن يغيّر واقع مجتمعه من خلال الإيمان، والعمل، والقرار، بل وحتى من خلال أخطائه وتجارب فشله.

ولهذا، فإن الوعود الكبرى التي يذكرها القرآن ـ كنصر المؤمنين ـ لم تُطرح بصورة مطلقة، بل جاءت مشروطة بفعل الإنسان وسعيه: إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ.  فمبادرة الإنسان إلى نصرة الحق هي التي تفتح باب النصرة الإلهية.

هذا يعني أن الله سبحانه لا يتجاوز دور الإنسان ولا يُلغيه، بل يجعل عونه مرتبطًا بموقف الإنسان نفسه. فإذا كان المجتمع ضعيف الإرادة، غارقًا في الخوف، أو ممزقًا بالتردد والانقسام، فإن انتظار النصر الإلهي خارج إطار السنن الطبيعية يصبح انتظارًا بلا أساس. أما إذا وقف الناس بمسؤولية، وتحركوا بوعي، وصبروا، ودفعوا ثمن الإصلاح والتغيير، فإن المدد الإلهي يظهر في قلب هذا المسار نفسه، ومن خلاله.

ومن هنا، فإن الإنسان في الرؤية القرآنية ليس مجرد متفرّج على حركة التاريخ، بل هو أحد محاورها الأساسية. ويُعدّ فهم هذه الحقيقة خطوة ضرورية لفهم سبب عدم التدخل الإلهي المباشر في كل لحظة؛ لأن السنّة الإلهية اقتضت أن يقوم الإنسان بجزء من المهمة، حتى تتفعّل قوانين النصرة وتتحقق الإرادة الإلهية.

تحليل الآية المحورية في قانون النصرة الإلهية في القرآن

أشرنا في المقدمة إلى الآية الكريمة: وَما رَمَيتَ إِذ رَمَيتَ وَلٰكِنَّ اللَّهَ رَمى. تُعدّ هذه الآية من سورة الأنفال من أوضح النصوص القرآنية التي تبيّن العلاقة بين فعل الإنسان وتأثير القدرة الإلهية. وقد تبدو الآية في ظاهرها وكأنها تجمع بين عبارتين متناقضتين: «حين رميتَ، لم تكن أنت الذي رميت»؛ ولكن هذا التركيب العجيب يكشف في الحقيقة عن معنى عميق يرتبط بقانون النصرة الإلهية.

فالقرآن لا يقول إن النبي صلى الله عليه وآله وسلّم لم يقم بأي فعل، بل يؤكد أنه قام بالفعل، غير أن الأثر الحاسم والنتيجة النهائية كانا بتقدير الله سبحانه. ومن هنا تكشف الآية حقيقتين أساسيتين:

أولًا: الإنسان مطالب بالفعل، ودوره لا يمكن إلغاؤه

إن إلقاء النبي ﷺ قبضةً من التراب كان فعلًا بشريًا طبيعيًا، يدخل ضمن قدرة الإنسان وإمكاناته. ولذلك عبّر القرآن عنه بقوله: «رَمَيْتَ»؛ أي إن السعي البشري والعمل الإنساني جزء أساسي من تحقق النصرة. فلولا هذه المبادرة الأولى، ولولا هذا التحرك العملي، لما تجلّت السنّة الإلهية في ساحة المعركة.

وفي المنطق القرآني، لا تبدأ النصرة من فراغ، ولا تتحقق من دون أن يدخل الإنسان إلى الميدان ويتحمّل مسؤوليته.

ثانيًا: التأثير الحاسم ليس من الإنسان وحده، بل من الله

أما قوله تعالى: وَلٰكِنَّ اللَّهَ رَمى، فهو يشير إلى أن النتيجة التي حدثت ـ من اضطراب صفوف العدو، وتغيّر موازين المواجهة، وانهيار معنويات الخصم ـ لم تكن مجرد أثر طبيعي لذلك الفعل البشري المحدود. فهنا يظهر المدد الإلهي الذي يتنزّل على الجهد الإنساني؛ لا ليُلغي دور الإنسان، بل ليُكمله ويمنحه الأثر الذي يتجاوز حدود القدرة البشرية.

وفي الحقيقة، فإن هذه الآية تشرح قانون النصرة الإلهية في القرآن بأوضح صورة؛ إذ تبيّن أن عون الله لا يتحقق عبر إقصاء الإنسان من المعادلة، بل يجري من خلال فعله وسعيه. ولهذا، فالآية لا تتحدث عن حادثة استثنائية فحسب، بل تكشف عن قاعدة عامة تحكم حركة التاريخ: إن الله سبحانه يُجري إرادته عبر أفعال البشر وتحركاتهم. فكلما تحرك الإنسان، وتحمل المسؤولية، ودخل الميدان بإخلاص وثبات، تفعّلت سنّة: وَلٰكِنَّ اللَّهَ رَمى. أما إذا توقّف الإنسان عن العمل، واكتفى بالدعاء أو التمنّي دون سعي وموقف، فإن النصرة الإلهية تبقى محدودة الأثر أو مؤجلة التحقق. ومن هنا تمنحنا الآية درسًا بالغ العمق: الإنسان يبدأ الحركة، والله سبحانه يهبها أثرها ونتيجتها.

الفهم التاريخي لقانون نُصرة الله في القرآن

في السنّة الإلهية، وبالإضافة إلى ما ذكرناه من ضرورة القيام الفعلي الحتمي من قِبل الإنسان واتخاذه للأسباب، فإن التدخّل الإلهي المباشر لا يقع إلا عندما تُسدّ جميع السبل العادية للتأثير، ويصبح استمرار مسار الهداية غير ممكن من دون عناية خاصة. عندئذٍ يتدخّل الله تعالى لحفظ مسار الحق خارج إطار الأسباب المألوفة. ويعرض القرآن نماذج واضحة لهذا المعنى؛ كنجاة النبي موسى عليه السلام في طفولته، حين لم تكن هناك أي قدرة بشرية قادرة على حمايته، أو كإهلاك جيش أبرهة قبل أن تقع أي معركة أصلًا. في هذه الحالات يتجلى قانون نُصرة الله في القرآن لا بمعنى إلغاء دور الإنسان، بل بمعنى حفظ أرضية التاريخ كي يبقى الإنسان قادرًا على أداء دوره مستقبلًا. وبعبارة أخرى، يتدخل الله في النقطة التي لو لم يتدخل فيها لانغلق طريق الهداية بالكامل. ولذلك فإن هذا النوع من النصر ليس قاعدة دائمة، بل هو استجابة حكيمة لظروف تاريخية استثنائية، يكون فيها حفظ الحق متقدّمًا على كل فعل بشري، لضمان بقاء إمكانية المسؤولية الإنسانية في المستقبل.

إن الفهم الدقيق لقانون نُصرة الله لا يتحقق بالاستناد المفهومي إلى الآيات فقط، بل لا بد من دراسة النماذج التاريخية أيضًا، لتتضح متى يتدخل الله مباشرة، ومتى يجري فعله من خلال الإنسان. وتمثل ثلاث وقائع كبرى—عام الفيل، وبدر، وكربلاء—ثلاث حالات مختلفة تمامًا في العلاقة بين مسؤولية الإنسان والتدخل الإلهي. هذه الأمثلة ليست استثناءات عاطفية، بل تجليات عملية للسنّة الإلهية في التاريخ؛ فمرة يكون التدخل مباشرًا، ومرة يُمزج فيها جهد الإنسان مع العون الإلهي، ومرة يغيب فيها النصر بسبب ترك المسؤولية الجماعية. إن دراسة هذه المشاهد التاريخية الثلاثة تحول مفهوم قانون نُصرة الله في القرآن من بحث نظري إلى فهم واضح قابل للتطبيق في تحليل أحداث الواقع المعاصر، إذ تُظهر أن النصر ليس حدثًا عشوائيًا، بل نتيجة لموقع الإنسان من أداء واجبه الإلهي: ففي موضع لا توجد فيه أدوات، وفي آخر توجد أدوات لكنها غير كافية، وفي ثالث يتخلّى المجتمع عن مسؤوليته. وهكذا تكشف هذه الحالات الثلاث عن أوجه السنّة الإلهية الثابتة.

عام الفيل؛ التدخّل المباشر في غياب القدرة البشرية

إن حادثة عام الفيل تمثّل تفسيرًا آخر لقانون نُصرة الله في القرآن من زاوية مختلفة. فهي تُجسّد بوضوح لحظة لم تكن فيها أي قدرة بشرية متاحة للدفاع عن حرمة مكة. فلم تكن هناك أية قوة عسكرية منظَّمة في المدينة، ولا بنية اجتماعية قادرة على المقاومة، ولا مجتمع بلغ مستوى من التماسك يمكّنه من مواجهة تهديد هائل كجيش أبرهة. وفي مثل هذا الوضع، لو لم يقع التدخل الإلهي، لانقطع المسار التاريخي الذي كان من المفترض أن يمهّد لاحقًا لبعثة النبي محمد منذ بدايته.

يقدّم القرآن هذه الحادثة لا بوصفها استثناءً عابرًا، بل كنموذج لقانون التدخل الإلهي عند انسداد الأسباب بالكامل. أي في اللحظة التي تنعدم فيها الوسائل البشرية، ويصبح مستقبل الهداية مهدّدًا بالزوال التام. إن التدخل الإلهي في عام الفيل لم يكن بديلاً عن حركة الإنسان، بل كان حفظًا للبنية التحتية التاريخية التي سيأتي الإنسان لاحقًا ليؤدي دوره داخلها.

ومن ثمّ، تُظهر هذه الحادثة أن النُصرة المباشرة لا تخضع للعاطفة أو الاستثناء العشوائي، بل تخضع لضرورة حفظ إمكان الهداية واستمرارها. فكلما انغلق مسار التاريخ من دون هذا التدخل، تنشّطت القاعدة الاستثنائية التي تقتضي التدخل الإلهي لحماية مسار الحق.

بدر؛ حين يلتقي جهد الإنسان بفيض النصرة الإلهية

تكشف بدر بوضوح أحد أعظم أسرار قانون النصرة الإلهية في القرآن؛ حين يدخل الإنسان ساحة المواجهة، لكن أدواته لا تكفي وحدها لصناعة النصر. فقد كان المسلمون قلّةً في العدد والعُدّة، غير أنّهم امتلكوا الإرادة، والتنظيم، والاستعداد لبذل التضحيات. وفي مثل هذه اللحظات، تتجلّى سنّة «العون التكميلي»؛ ذلك النصر الذي يستند إلى فعل الإنسان، ثم يرفعه إلى نتيجةٍ تتجاوز الحدود الطبيعية لجهده.

وقد أكّد القرآن في حديثه عن بدر على حقيقتين عظيمتين: الأولى أنّ النصر بدأ من سعي المؤمنين وجهادهم، والثانية أنّ الله سبحانه أتمّ هذا السعي بعوامل خفيّة؛ كتثبيت القلوب، وتقوية المعنويات، وإيجاد الألفة بين النفوس، وبثّ السكينة في الداخل، وزرع الانهيار النفسي في صفوف العدو.

وهذا اللون من النصر ليس معجزةً تُلغي دور الإنسان، بل هو توسيعٌ لطاقته حين تضيق به الوسائل. فبدر تكشف بوضوح أنّ السنّة الإلهية في حالتها الطبيعية تقوم على قاعدةٍ ثابتة: الإنسان يبدأ الحركة، والله يباركها ويُثمرها. إنها ساحةٌ لنمو الإرادة وتحمل المسؤولية، لا ميدانٌ لتعطيلهما.

عاشوراء؛ حين يتخلّى المجتمع عن مسؤوليته

تمثّل عاشوراء الصورة الثالثة للتجلّي الواقعي لقانون النصر الإلهي في القرآن؛ عندما تكون فيها القدرة على الدفاع قائمة، بينما نرى المجتمع يفقد إرادة المواجهة. وفي مثل هذه الظروف، لا تتدخّل السنّة الإلهية تدخّلًا مباشرًا، ولا ترفع عن الناس مسؤولية الاختيار والموقف. فغاية هذه السنّة أن تُنشئ مجتمعًا مسؤولًا؛ مجتمعًا يملك القدرة على الوقوف بوجه الظلم، والاستعداد لدفع ثمن الحقيقة.

لقد كان لدى المجتمع الإسلامي في كربلاء العدد، والوسائل، والفرصة، لكنه أخفق في اتخاذ الموقف الصحيح. ولذلك لم يتجلَّ النصر الإلهي في تغيير النتيجة الظاهرية للمعركة، بل ظهر في حفظ الحقيقة، وتثبيت الحُجّة، وإبقاء الرسالة حيّةً خالدة. أي إنّ الله سبحانه لم يتدخّل في نتيجة الميدان، لكنه تدخّل في معنى الميدان وغاياته.

كما يكشف هذا الحدث بوضوح أنّ تخلّي الناس عن مسؤولياتهم يؤدّي إلى تعطيل قانون النصر الإلهي؛ لأن هذا القانون قائم أساسًا على مشاركة الإنسان وتحمله لمسؤوليته. وقد أثبتت عاشوراء أنّ الله تعالى لا يعوّض التقصير البشري بانتصارٍ ظاهري، بل يحفظ الانتصار المعنوي، ويُرسّخ المسؤولية التاريخية في ضمير الأجيال القادمة.

الإنسان هو موضع تحقّق النصر، لا الله سبحانه

إنّ ما يكشفه قانون النصر الإلهي في القرآن هو أنّ العون الإلهي ينبثق  في الغالب من قلب حركة الإنسان نفسها. فالإنسان هو الذي ينبغي أن يقرّر، وينهض، ويتحمّل الكلفة، ويدخل ساحة المواجهة. حين تتكوّن هذه الحركة، تتفعّل السنّة الإلهية؛ فتظهر معونة الله في صورة عوامل تُضاعف أثر الفعل البشري، كالسَّكينة التي تستقرّ في القلوب، والفرص التي تنبثق فجأة، والتحوّلات التي تتبدّل بها المعادلات بما يتجاوز قدرة الإنسان وحده.

فالقرآن لا يُلغي دور الإنسان، كما لا ينفي دور الله سبحانه؛ بل يبيّن أنّ الإنسان هو البادئ بالحركة، وأنّ الله هو الذي يُتمّها ويمنحها كمالها. ومن هنا، حين نواجه في هذا العالم الآلام، والظلم، والانكسارات، فإن السؤال الأول لا ينبغي أن يكون: لماذا لم يتدخّل الله؟ بل الأجدر أن نسأل: ماذا فعل الإنسان في هذه المعادلة؟ هل تحمّل المجتمع مسؤوليته، أم تخلّى عن الميدان وتركه فارغًا؟

وعند هذه النقطة يمكن القول بدقّة أوضح: إنّ الله لا يعمل بدلًا عن الإنسان، بل جعل قانون النصر يدور في فلك مسؤوليته. فطبيعة العالم القرآني قائمة على مبدأ «التسبيب»؛ أي إنّ الله يُجري الأمور عبر الأسباب والمسارات الطبيعية، لا عبر التدخّل الدائم والخوارق المستمرة. فالسنن الإلهية هي القوانين الثابتة التي تُدار بها الحياة، وهي التعبير العميق عن حقيقة أنّ الله يُنفذ إرادته من خلال اختيار الإنسان وحركته، لا في غيابهما.

ولو كان الله سبحانه يتدخّل في كل أزمة ليختصر الطريق، ويُعفي الإنسان من اختبار القرار والعمل، لما بقي للاختيار الإنساني أي معنى، ولتحوّل البشر إلى كائنات جامدة لا روح فيها. إنّ مبدأ الابتلاء كامن في صميم سنّة النصر الإلهي؛ فالنصر لا يثبت ولا يدوم إلا حين يُظهر الإنسان أهليّته له بالفعل وصدق النيّة.

وكما توضّح الآية الكريمة:: ﴿وَما رَمَيتَ إِذ رَمَيتَ وَلٰكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾، فإنّ الأثر النهائي من الله سبحانه، غير أنّ ظهور هذا الأثر مشروط بالفعل الإرادي للإنسان. وهذا التوازن الدقيق هو جوهر قانون النصر: الإنسان يُلقي، والله يُبلغ الفعل غايته ويمنحه تمام أثره.

 

 

[1] قرآن کریم: سوره انفال، آیه 17

المشارکة

مقالات مماثلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *