إبراهيم عليه السلام ودوره الحضاري في هداية البشرية
في المنظومة المعرفية للقرآن الكريم، لا يُنظر إلى تاريخ البشرية على أنه مجرد مجموعة من الأحداث المتفرقة والمنفصلة، بل هو ساحة لحركة إلهية موجَّهة، يؤدي فيها أنبياء الله، دور قادة رئيسيين لمسيرة التكامل الروحي والاجتماعي للإنسان. وفي هذا السياق، يحتلّ النبي إبراهيم عليه السلام مكانةً متميزة ومحورية؛ حتى إن القرآن الكريم يقدّمه ليس بوصفه نبيًّا فحسب، بل بوصفه إمامًا أيضًا: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾.[1]
إن مقام الإمامة في هذه الآية يدلّ على نوع من القيادة الشاملة في مجال الهداية التاريخية والاجتماعية للناس؛ وهو مقام يتجاوز مجرد تبليغ الرسالة الإلهية، ليشمل الهداية الحضارية وتوجيه المسار التاريخي للبشرية. من هذا المنظور، فإن إبراهيم عليه السلام ليس مجرد هادٍ لقومٍ معينين أو لفترة تاريخية محددة، بل يُعدّ مؤسسًا لتيار حضاري في تاريخ الإنسان، يقوم محوره على التوحيد، وعبادة الله، وبناء المجتمع الإنساني على أساس القيم الإلهية.
وبناءً على التعاليم القرآنية، فإن جميع الأنبياء ساروا في طريق واحد، وكان كل واحد منهم حلقةً في سلسلة الهداية الإلهية. وقد أدّت هذه الاستمرارية التاريخية إلى أن تصبح رسالة الأنبياء، بمجموعها، مشروعًا طويل الأمد لهداية البشرية وإعدادها لتحقيق المجتمع الإلهي المنشود. في هذا الإطار، يُعدّ إبراهيم عليه السلام نقطة تحوّل بارزة في تاريخ الهداية الإلهية؛ إذ دخلت حركة التوحيد مع ظهوره مرحلةً جديدة من التنظيم الاجتماعي والتاريخي.
ولهذا يتحدث القرآن الكريم عن «ملة إبراهيم»، ويقدّم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بوصفه المواصل لذلك الطريق نفسه: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾.[2]
في الحقيقة، فإن الحركة التاريخية التي قادها إبراهيم عليه السلام أرست الأسس الحضارية التي امتدت عبرها رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والتي ستؤول، في أفق مستقبل التاريخ، إلى تحقق المجتمع العالمي القائم على العدل والتوحيد.
أصالة التوحيد في نقطة انطلاق تيار حضاري
في القراءة الحضارية لسيرة إبراهيم عليه السلام، تمثّل أصالة التوحيد نقطة الانطلاق الأساسية لأي تحليل؛ إذ يُعدّ التوحيد الأساس الذي تقوم عليه كل حضارة إنسانية أصيلة. فمنطق القرآن الكريم لا ينظر إلى الحضارة بوصفها مجرد مجموعة من البُنى السياسية أو الاقتصادية أو المؤسسات الاجتماعية، بل يعدّها انعكاسًا لمنظومة من المعاني والقيم التي تحدّد علاقة الإنسان بالحقيقة المطلقة. فكل مجتمع يتشكّل انطلاقًا من تصوّر معيّن للوجود، وللإنسان، ولغاية الحياة. ومن هنا، إذا لم تُبنَ هذه العلاقة الجوهرية على أساس التوحيد، فإن أكثر البنى الاجتماعية تقدمًا ستنتهي في نهاية المطاف إلى أشكال من الشرك الظاهر أو الخفي.
ولهذا السبب يختصر القرآن الكريم الرسالة المشتركة لجميع الأنبياء في أصلٍ محوري واحد: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾.[3] إذ تكشف هذه الآية أن دعوة الأنبياء لم تكن مجرد تقرير عقائدي حول وجود الله، بل كانت مشروعًا متكاملًا لتنظيم حياة الإنسان الفردية والاجتماعية على أساس العبودية لله؛ بحيث تقترن الدعوة إلى عبادة الله برفض الطاغوت وكل سلطة تدّعي الاستقلال عن الحق الإلهي.
في هذا الأفق تتجلّى شخصية إبراهيم عليه السلام بمعنى أعمق. فالمجتمع الذي عاش فيه لم يكن غارقًا في عبادة الأصنام الطقوسية فحسب، بل كان خاضعًا، على مستوى أعمق، لمنظومة فكرية مشبعة بالشرك؛ منظومة ارتقت فيها العناصر الثقافية والأسطورية، بل وحتى السلطة السياسية، إلى منزلة من الربوبية. وفي مثل هذا الواقع، قام إبراهيم عليه السلام بنقد جذري لتلك البُنى، فأسّس لتحول معرفي عميق. أما فعله الرمزي بتحطيم الأصنام، والذي يرويه القرآن الكريم بقوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾،[4] فلم يكن مجرد موقف عاطفي أو احتجاجي، بل كان محاولة واعية لهدم منظومة معرفية كاملة وفتح أفق جديد أمام تفكير المجتمع.
كما أن السؤال الجوهري الذي طرحه إبراهيم عليه السلام، ونقله القرآن الكريم بقوله: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾،[5] كان في حقيقته دعوة إلى إعادة التفكير العقلاني في أسس العبادة ومشروعية المرجعيات الاجتماعية؛ سؤالًا يحرّر الإنسان من أسر العادات التاريخية والتقاليد التي لا تستند إلى برهان، ويدعوه إلى التأمل في حقيقة الوجود من منظور توحيدي.
الشرك ليس مجرد انحراف على مستوى المعتقدات، بل هو نوع من الخلل في العلاقة الوجودية بين الإنسان ومبدأ الوجود. هذا الخلل تظهر آثاره في مختلف جوانب الحياة الفردية والاجتماعية. فعندما تُشوَّه علاقة الإنسان بالحقيقة المطلقة، يختلّ كذلك نظام القيم والبُنى الاجتماعية، وتتهيأ الأرضية لهيمنة القوى الباطلة. من هذا المنطلق، كانت حركة إبراهيم عليه السلام محاولة لإصلاح هذه العلاقة الأساسية وإعادة الإنسان إلى موقعه الحقيقي في نظام الوجود.
الحضارة التوحيدية هي في الحقيقة عملية تحرير وجودي للإنسان، قبل أن تُعرَّف من خلال مؤسسات سياسية أو هياكل اجتماعية معينة. وفي حديث القرآن الكريم عن مواجهة إبراهيم عليه السلام لنمرود يقول تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ…﴾.[6] إن جوهر النزاع في هذه الآية يدور حول مفهوم الربوبية؛ أي: من الذي يملك حق تقرير مصير الإنسان ووضع القوانين له؟ ففي منطق التوحيد، الله وحده هو الرب الحقيقي، وكل سلطة ترى نفسها مستقلة عنه ليست إلا صورة جديدة من صور الطاغوت. ولهذا قال الإمام علي عليه السلام: «لَا تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ وَقَدْ جَعَلَكَ اللَّهُ حُرًّا»،[7] حيث يكشف هذا البيان أن جوهر الحضارة التوحيدية يتمثل في تحرير الإنسان من كل أشكال العبودية لغير الله. وفي هذا الإطار تكتسب الكرامة الإنسانية معناها الحقيقي، وهي التي عبّر عنها القرآن الكريم بقوله: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾.[8] فالشرك، يمثل تشتت مركز الثقل الوجودي للإنسان وتمزق وحدته الداخلية، بينما يمنحه التوحيد وحدةً وانسجامًا وجوديين.
يحتل التوحيد موقعًا أساسيًا في تنظيم الحياة الاجتماعية. إن حقيقة الوجود واحدة ذات مراتب متعددة، وإن جميع الكثرات تعود في نهاية المطاف إلى حقيقة الوجود الواحدة. وينعكس هذا الفهم الوجودي في المجال الاجتماعي بمعنى أن المجتمع الإنساني لا يستطيع بلوغ انسجام حقيقي إلا في ظل محور واحد جامع. فإذا غاب هذا المحور، تحولت التعددية الاجتماعية إلى صراع وتزاحم، وحلّت القوى المتعددة محل الحقيقة الواحدة.
ومن هنا فإن التوحيد ليس مجرد أصل عقائدي، بل هو المبدأ المنظِّم للنظام الاجتماعي بأسره. والمجتمع الفاضل لا يتحقق إلا عندما تُنظَّم الحياة الجماعية للناس على أساس المعرفة بالمبدأ الأول. وهذا التحليل الفلسفي ينسجم تمامًا مع المنطق القرآني في دعوة إبراهيم عليه السلام؛ إذ إنه بدأ بإصلاح الأساس المعرفي للمجتمع قبل كل شيء، ليصبح قيام نظام عادل أمرًا ممكنًا.
يعبّر القرآن الكريم عن المكانة الحضارية لإبراهيم عليه السلام بتعبير فريد، إذ يصفه بأنه «أمة»:﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا﴾[9] إذ إطلاق وصف الأمة على فرد واحد يدل على أن إبراهيم عليه السلام كان وحده حاملًا لتيار تاريخي وحضاري متكامل. فقد أعاد تعريف علاقة الإنسان بالله، ونفى كل أشكال الربوبية الزائفة، ووضع أسس نظام جديد في تاريخ البشرية؛ نظامٍ استُبدلت فيه عبودية الله بعبودية الأصنام والطواغيت. ومن هذا المنظور يمكن اعتبار حركته بداية ثورة توحيدية في التاريخ؛ ثورة هدفها إعادة الإنسان إلى فطرته الإلهية، كما قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾.[10]
فالحضارة الإنسانية الأصيلة هي الحضارة التي تُبنى على الفطرة؛ حضارة تكون فيها الحقيقة الإلهية الواحدة محور جميع العلاقات والبُنى الاجتماعية، ويبلغ الإنسان من خلال عبوديته لله الحرية الحقيقية والعدالة والكرامة.
ومن هنا، فإن أعظم إرث خلّفه إبراهيم عليه السلام لتاريخ البشرية هو ترسيخ وتعميق مبدأ التوحيد في البناء الفكري والاجتماعي للإنسان. وقد وصفه القرآن الكريم بصفة «الحنيف» فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾.[11] والحنيف في الأدب القرآني هو من أعرض عن كل انحراف وشرك، واتجه بكليته نحو التوحيد الخالص. ويُظهر هذا المفهوم أن التوحيد في مدرسة إبراهيم عليه السلام لا يقتصر على الإيمان بوجود إله واحد، بل يعني تنظيم جميع أبعاد الحياة الفردية والاجتماعية على أساس العبودية لله.
كما يؤدي التوحيد من الناحية الحضارية أدوارًا محورية في تنظيم الحياة الاجتماعية. فالمجتمع الذي يقوم على التوحيد هو مجتمع لا تُنسب فيه الشرعية والسيادة إلى أي قوة سوى الله تعالى، ويتحرر فيه الإنسان من هيمنة الطواغيت والبُنى الظالمة. ولهذا فإن التوحيد ليس مجرد أساس عقائدي للدين، بل هو الركيزة التي تقوم عليها العدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية، والنظام الأخلاقي في المجتمع.
وعلى هذا الأساس يمكن القول إن الحضارة التوحيدية التي وضع إبراهيم عليه السلام أسسها هي حضارة تكون فيها علاقة الإنسان بالله تعالى هي المحور الذي تنتظم حوله جميع العلاقات الإنسانية الأخرى.
النهوض الفردي وبداية الحضارة التوحيدية في المنهج الإبراهيمي
في منطق القرآن الكريم، لا تنشأ الحركات الإلهية الكبرى، ولا حتى التحولات الحضارية العظيمة، دائمًا من جماهير واسعة أو أعداد كبيرة من الناس، بل قد تبدأ أحيانًا بنهوض فرد واحد، أو بحركات صغيرة في حجمها، لكنها عميقة في مضمونها وأثرها. ومن أوضح النماذج التي تجسد هذه الحقيقة سيرة إبراهيم عليه السلام؛ تلك الشخصية التي يصفها القرآن الكريم بتعبير فريد ونادر: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾.[12] هذا الوصف يكشف أن إبراهيم عليه السلام، بما امتلكه من كمال الإيمان، وإخلاص العبودية، والثبات على طريق التوحيد، قد بلغ منزلة أمةٍ بأكملها، رغم أنه كان وحيدًا في بداية دعوته.
وقد رأى مفسرو القرآن أن هذا التعبير يدل على أن إبراهيم، في وقتٍ كان المجتمع المحيط به غارقًا في الشرك وعبادة الأصنام، حمل وحده عبء رسالة التوحيد، ووقف في مواجهة البُنى الفكرية والاجتماعية السائدة. ويبيّن العلامة الطباطبائي في تفسير هذه الآية أن إطلاق وصف «الأمة» على إبراهيم يعني أنه كان بمفرده جامعًا لخصائص ووظائف تتحقق عادة في مجتمعٍ إيماني كامل؛ إذ كان ثابتًا في الإيمان والهداية وإقامة الحق إلى درجة جعلته يقوم بدور أمة بأسرها.[13] ففي زمنٍ لم يكن له فيه ناصر ولا معين، نهض وحده في مواجهة نظام الشرك، ووضع الأساس الأول للدعوة التوحيدية.[14]
وقد أكّد القرآن الكريم هذا الأصل في آيات أخرى أيضًا. ففي حديثه عن مواجهة إبراهيم لعبدة الأصنام يقول تعالى: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾.[15] حيث تُظهر هذه الآية أن الحركة في بدايتها لم تكن سوى شاب واحد يقف في مواجهة تقليدٍ راسخ ومتجذر من عبادة الأصنام. غير أن هذا النهوض الفردي تحوّل تدريجيًا إلى تيار واسع من التوحيد امتد عبر التاريخ. ومن هذا المنظور، فإن الحركات الحضارية في منطق القرآن لا تبدأ بالضرورة من الأغلبية الاجتماعية، بل قد تنطلق من إرادات راسخة وإيمانات عميقة يحملها أفراد أو جماعات قليلة العدد.
هذا المبدأ يُطرح بوضوح أكبر في آيات أخرى، حيث يدعو القرآن المؤمنين إلى النهوض لله تعالى حتى لو كان ذلك في صورة تحرك فردي أو ضمن مجموعات محدودة. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ﴾.[16] وقد ذهب كثير من المفسرين إلى أن هذه الآية تبيّن أن نقطة البداية في إصلاح المجتمعات وهداية الناس هي القيام المخلص لله؛ سواء كان ذلك قيامًا فرديًا أو في إطار جماعات صغيرة.[17] ويوضح القرآن أن التحول الحقيقي يبدأ من داخل الإنسان، ومن إرادات يقظة وواعية، ثم يمتد بعد ذلك إلى المجتمع بأسره.
وفي التراث الروائي كذلك تأكيد واضح لهذه الحقيقة؛ إذ إن كثيرًا من الحركات الإلهية الكبرى بدأت من أقليات قليلة العدد. فقد وصف أمير المؤمنين علي عليه السلام بداية بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، مبينًا أنه نهض في زمن كان فيه «الناس ضلالًا في حيرة»، ولم يكن معه سوى نفر قليل من المؤمنين.[18] ومع ذلك، فإن تلك الحركة المحدودة في بدايتها تحولت تدريجيًا إلى حضارة إسلامية عظيمة. وتؤكد هذه التجربة التاريخية أن المعيار الأساس في انطلاق الحركات الإلهية ليس الكثرة العددية، بل صدق الإيمان، والثبات على طريق الحق، والاستعداد لتحمل المشاق والتضحيات.
إن كثيرًا من التحولات الكبرى في التاريخ بدأت على هيئة «نوى صغيرة للتغيير»؛ نوى امتلكت إيمانًا عميقًا وانسجامًا فكريًا، فتمكنت مع مرور الزمن من التحول إلى تيارات اجتماعية واسعة. وهذا هو النموذج نفسه الذي نجده في السيرة الإبراهيمية؛ حيث إن قيام إبراهيم عليه السلام منفردًا في مواجهة منظومة الشرك انتهى في النهاية إلى تأسيس تقليد توحيدي امتد بين شعوب متعددة وأديان كبرى عبر التاريخ.
وعلى هذا الأساس، فإن القرآن الكريم حين يعرّف إبراهيم عليه السلام بأنه «أمة»، فإنه يشير في الحقيقة إلى أصلٍ محوري في سنن الحركة الإلهية؛ وهو أن قيام الحضارة التوحيدية لا يبدأ بالضرورة من الأغلبية الاجتماعية، بل قد ينطلق من إنسان مؤمن واحد، أو من جماعة قليلة العدد.
وما يمنح هذه الحركات قوتها وقدرتها على البقاء والاستمرار هو الإخلاص في القيام لله، والثبات على طريق الحق، والارتباط الدائم بالهداية الإلهية. ومن هذا المنطلق، تمثل سيرة إبراهيم عليه السلام نموذجًا جليًا لهذه الحقيقة القرآنية؛ حقيقة أن التحولات التاريخية الكبرى قد تبدأ من إرادات قليلة العدد، لكنها راسخة وثابتة، ثم تنمو عبر الزمن لتصبح تيارات حضارية واسعة التأثير والامتداد.
الأسرة؛ نقطة انطلاق الحضارة
يُعدّ تأسيس الأسرة التوحيدية وترسيخها بوصفها النواة الأولى للمجتمع الإيماني أحد أهم الأبعاد الحضارية في سيرة إبراهيم عليه السلام. ففي منطق القرآن الكريم، يتكوّن المجتمع المؤمن من خلايا حيّة تُسمّى الأسرة، وكل تحول تاريخي راسخ الجذور إنما يستند إلى تربية جيل نشأ في أحضان الإيمان والعبودية لله. من هذا المنظور، فإن الحضارة الإلهية لا تبدأ أولًا من البُنى السياسية والاقتصادية الكبرى، بل تُؤسَّس في البنية التربوية والمعنوية للأسرة.
ويؤكد العلامة الطباطبائي، في تفسيره للآيات المتعلقة بذرية إبراهيم عليه السلام، أن استمرار الهداية عبر التاريخ يتحقق من خلال النسل المؤمن، وأن الوعود الإلهية تجري ضمن السنن التكوينية لانتقال الإيمان والإمامة عبر الأجيال.[19]
وعندما يتحدث القرآن الكريم عن منح إبراهيم عليه السلام مقام الإمامة، فإنه يبيّن أن هذا المنصب قد ثُبِّت له بعد اجتيازه ابتلاءات عظيمة وبلوغه مراتب عالية من العبودية، قال تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾.[20] ثم يذكر القرآن دعاء إبراهيم بشأن ذريته: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾، فيأتيه الجواب الإلهي بأن هذا العهد لا ينال الظالمين.
هذا الحوار يكشف أن إبراهيم عليه السلام لم يكن يرى الإمامة والهداية التاريخية أمرًا منفصلًا عن النسل والتربية، بل كان يبحث عن استمرارها من خلال إعداد ذرية صالحة. ومن المنظور التفسيري، تُقيم هذه الآية رابطة وثيقة بين الإمامة والعهد الإلهي وصلاح الذرية، لتجعل من الأسرة ساحةً استراتيجية لتحقيق المشروع الإلهي في التاريخ.
كما يكشف دعاء إبراهيم عليه السلام المشهور عن هذا الأفق الحضاري بوضوح: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾.[21] ففي هذه الآية تُطرح إقامة الصلاة بوصفها رمزًا لترسيخ العبودية في الحياة الفردية والاجتماعية. ولم يكتفِ إبراهيم بصلاح نفسه، بل سأل الله أن تستمر هذه الحقيقة في ذريته أيضًا. ويقول الفخر الرازي في تفسيره إن طلب إبراهيم هذا يدل على أن كمال الإنسان يتمثل في بقاء الطاعة في نسله.[22] وبذلك ترتقي الأسرة من مجرد مؤسسة طبيعية إلى مؤسسة استراتيجية تُعنى بنقل الإيمان والقيم والهوية التوحيدية من جيل إلى جيل.
ويشير القرآن الكريم كذلك إلى مشهد آخر من عناية إبراهيم عليه السلام بالتربية، فيقول: ﴿وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.[23] حيث تبيّن هذه الآية أن انتقال الإيمان في المدرسة الإبراهيمية لم يكن مجرد انتقال بيولوجي أو ثقافي، بل كان وصية إيمانية واعية تُرسَّخ من خلالها الهوية الدينية للأجيال القادمة. وفي هذا الإطار، تصبح الأسرة مركز استمرار العهد الإلهي؛ ذلك العهد الذي تمتد من خلاله مسيرة الهداية عبر الأجيال المؤمنة.
ومن منظور علم الاجتماع الديني، لا تستطيع أي حضارة أن تعيد إنتاج قيمها الأساسية من دون مؤسسة أسرية مستقرة. وقد أكد الفارابي، في تحليله للمدينة الفاضلة، ضرورة التربية السليمة وانتقال الفضائل من جيل إلى آخر. وينسجم هذا التحليل الفلسفي مع النموذج الإبراهيمي؛ إذ إن إبراهيم عليه السلام اهتم أولًا بتأسيس أسرة يكون التوحيد والعبودية لله محور حياتها، قبل أن تتشكل حولها جماعة واسعة أو مجتمع كبير.
بل إن هجرة هاجر وإسماعيل إلى أرض مكة، ودعاء إبراهيم عليه السلام في ذلك الوادي المبارك: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ…﴾[24] يكشفان أن تأسيس مركز إيماني كان مقدمةً لولادة أمة تاريخية. فلم تكن مكة في بداياتها مركزًا سياسيًا أو اقتصاديًا، وإنما كانت موطن أسرة موحّدة، تحولت لاحقًا إلى محور الأمة الإسلامية وقبلة التوحيد للعالم أجمع.
كما تؤكد الوقائع التاريخية هذه الحقيقة القرآنية؛ إذ إن جانبًا كبيرًا من مسيرة النبوة استمر في ذرية إبراهيم عليه السلام. يقول تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ… وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾.[25] هذه الآية تدل على أن النبوة والكتاب ـ وهما الركنان الأساسيان للهداية الحضارية ـ قد جُعلا في ذرية إبراهيم. وظهور أنبياء مثل إسحاق ويعقوب ويوسف وموسى وعيسى، ثم خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله وسلم ضمن هذه السلسلة المباركة، يكشف أن المشروع التربوي لإبراهيم عليه السلام لم يكن مجرد تربية أسرة محدودة، بل كان تأسيس شجرة طيبة تاريخية امتدت ثمارها عبر مسيرة البشرية. ولعل تمثيل القرآن الكريم لـ «الشجرة الطيبة»[26] يشير إلى هذا المعنى؛ أي إلى النمو التدريجي للحقيقة في تربة الإيمان.
على هذا الأساس، فإن مكانة الأسرة في النموذج الحضاري لإبراهيم عليه السلام ليست مسألة ثانوية أو هامشية، بل هي ركن أساسي في هندسة تاريخ الهداية. فقد قدّم إبراهيم نموذجًا للأسرة التي يقوم بناؤها على التوحيد، وتُحفظ هويتها بالوصية الإيمانية، ويُدعى لها باستمرار العبودية عبر الأجيال، وتُصقل بالابتلاءات والتضحيات في ميدان التربية.[27] إنها أسرة يكون الإيمان فيها محور الهوية الجماعية، وتشكّل النواة الأولى للحضارة الإلهية العالمية؛ حضارة تبدأ من بيت موحّد، ثم تمتد عبر التاريخ حتى تُفضي إلى قيام أمة واحدة قائمة على عبودية الله تعالى.
بناء الكعبة؛ مركز الهوية التوحيدية للأمة العالمية
ومن الأعمال الحضارية الكبرى التي قام بها إبراهيم عليه السلام بناؤه للبيت الحرام مع ابنه إسماعيل عليه السلام. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحادثة بقوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾.[28] إن الكعبة في الرؤية الإسلامية هي رمز للمركزية المعنوية للأمة التوحيدية عبر التاريخ. فقد جعلها الله تعالى قبلةً للمسلمين ومهوىً لأفئدتهم، ومكانًا تُقام فيه شعائر الحج التي تؤدي دورًا محوريًا في ترسيخ الوحدة بين أتباع التوحيد.
وتُعدّ مناسك الحج، الممتدة بجذورها إلى التراث الإبراهيمي، أكبر تجمع عبادي يشهده العالم؛ فهي تمثل التجسيد العملي لمفهوم الأمة الواحدة. ففي هذا المشهد الإيماني العظيم، يقف الناس جنبًا إلى جنب، متجردين من فوارق قومية وعرقية واجتماعية، ليجتمعوا تحت راية واحدة، ويستعيدوا هويتهم التوحيدية المشتركة. ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى بناء الكعبة بوصفه أحد أعظم المشاريع الحضارية في تاريخ الإنسانية؛ إذ لم يكن إنشاءً لمكان عبادة فحسب، بل تأسيسًا لمركز روحي عالمي حافظ عبر القرون على دوره المحوري في توحيد المؤمنين وصياغة هوية جامعة لأتباع التوحيد. فقد أصبحت الكعبة نقطة الالتقاء التي تتوجه إليها القلوب والأجساد معًا، وعلامةً خالدة على وحدة الرسالة الإلهية ووحدة الإنسان في عبوديته لله تعالى.
ترتيب المحبوبات في المنهج الإبراهيمي ودوره في بناء المجتمع التوحيدي
يُعدّ البذل والتضحية وترتيب الأولويات في سبيل إقامة المجتمع التوحيدي أحد المرتكزات الأساسية في سنّة الأنبياء الإلهيين. ففي منطق القرآن الكريم، لا يتحقق التوحيد على المستوى الاجتماعي بمجرد الطرح النظري أو الدعوة اللفظية، بل يتطلب استعدادًا وجوديًا للتخلي عن أعمق التعلقات الإنسانية، بل وعن أعزّ ما يملكه الإنسان وأحبّه إلى قلبه. ومن أبرز النماذج التي تجسد هذه الحقيقة حادثة استعداد إبراهيم عليه السلام للتضحية بابنه إسماعيل؛ تلك الحادثة التي لم يعرضها القرآن الكريم بوصفها مجرد واقعة تاريخية، بل باعتبارها امتحانًا مصيريًا في طريق إنجاز المهمة الإلهية.
يروي القرآن الكريم هذه القصة بقوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾.».[29] ترسم هذه الآية مشهدًا من أسمى مراتب التسليم والإيثار؛ حيث يبلغ الأب والابن معًا ذروة العبودية والرضا أمام الأمر الإلهي. ومن المنظور التفسيري، ينبغي فهم هذه الحادثة في إطار السنّة الإلهية في ابتلاء أوليائه. فالقرآن الكريم يقول عن إبراهيم عليه السلام: ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾.[30] ويبيّن العلامة الطباطبائي في تفسيره أن الابتلاءات الإلهية لأولياء الله تهدف إلى إظهار مراتب التسليم والعبودية لديهم، وإعدادهم لتحمل المسؤوليات التاريخية الكبرى.[31] وفي هذا السياق، يمكن اعتبار الأمر بذبح إسماعيل من أعمق مراحل هذا الابتلاء؛ لأنه مسّ مباشرةً عاطفة الأبوة والرابطة الطبيعية بين الإنسان وولده، وهي من أقوى الروابط والتعلقات الإنسانية.
وعند تحليل هذه الحادثة من الناحية الفلسفية والكلامية، يتضح أن القضية الأساسية لم تكن تنفيذ الذبح في ذاته، وإنما إظهار درجة التسليم المطلق لإرادة الله تعالى. ولهذا يقول القرآن الكريم بعد أن أبدى إبراهيم وإسماعيل استعدادهما الكامل: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾. [32] فالمحور الرئيسي في هذه الآيات هو تحقق حقيقة الإسلام والتسليم الكامل للأمر الإلهي. وقد أوضح المفسرون أن الهدف من الامتحان قد تحقق بمجرد أن تجسدت حقيقة التسليم في وجود إبراهيم عليه السلام، ولذلك لم يتحول الأمر إلى ذبحٍ فعلي. فالمقصود من هذا الابتلاء كان الكشف عن أقصى درجات الطاعة والانقطاع إلى الله، والتجرد من كل تعلق سواه.[33]
كما يمكن النظر إلى هذه الحادثة أيضًا من زاوية حضارية. ففي منطق القرآن الكريم، لا يمكن أن يتأسس المجتمع التوحيدي ما لم تتقدم حقيقة التوحيد على جميع التعلقات الفردية والعاطفية.[34] فالمجتمع الذي لا يكون أفراده مستعدين للتضحية من أجل الحقيقة لا يستطيع أن يقيم نظامًا ثابتًا قائمًا على القيم الإلهية. ومن هنا تقدم سيرة إبراهيم عليه السلام نموذجًا لـ الإيثار الوجودي؛ ذلك الإيثار الذي يجعل الإنسان مستعدًا للتخلي حتى عن أعز ما يملك في سبيل تحقيق الإرادة الإلهية.
وقد خلّد القرآن الكريم هذه الحادثة باعتبارها ذكرى باقية في تاريخ الدين، فقال تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾.[35] ويرى المفسرون أن هاتين الآيتين تدلان على أن شعيرة القربان في الأمم اللاحقة بقيت تذكارًا لذلك الإيثار العظيم والتسليم الكامل لله تعالى.[36]
هذه الواقعة تكشف أن بناء الحضارة الإلهية لا يمكن أن يتحقق من دون الاستعداد للتضحية والتخلي عن المصالح الشخصية. فالحضارات المادية غالبًا ما تقوم على أساس المصالح والرغبات الفردية، بينما تقوم الحضارة التوحيدية على تقديم الإرادة الإلهية على الأهواء والمطالب الذاتية. ومن ثم يمكن اعتبار قصة إبراهيم وإسماعيل نموذجًا تربويًا لصناعة الإنسان الذي يكون مستعدًا لتجاوز أعظم تعلقاته في سبيل تحقيق حقيقة التوحيد.
ومن الجدير بالانتباه أن إسماعيل عليه السلام لم يكن عنصرًا سلبيًا في هذا الحدث، بل كان شريكًا فاعلًا فيه؛ إذ استجاب للأمر الإلهي برضا وتسليم، وأصبح مثالًا للصبر والثبات، كما ينقل القرآن الكريم على لسانه قوله: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾.[37] وتكشف هذه المشاركة أن ثقافة الإيثار في المدرسة الإبراهيمية لم تكن محصورة في نطاق الفرد، بل كانت ثمرة تربية أسرية متكاملة تشبّع أفرادها بقيم التسليم لله والرضا بحكمه.
ومن هنا، فإن حادثة استعداد إبراهيم عليه السلام للتضحية بإسماعيل تُعدّ واحدة من أعمق صور الإيثار في تاريخ الرسالات السماوية؛ إذ قُدِّمت فيها حقيقة التوحيد على أقوى الروابط العاطفية الإنسانية. وهي تكشف أن بناء المجتمع التوحيدي يتطلب إعداد أناس بلغوا درجة من التسليم تجعلهم مستعدين للتخلي عن أعظم ارتباطاتهم الشخصية في سبيل الحق. ولهذا وصف القرآن الكريم هذا الامتحان بأنه البلاء المبين،[38] لأنه أظهر بوضوح حقيقة الإيمان ومقدار الإخلاص لله تعالى. ويشكّل هذا النموذج، في السنّة الإبراهيمية، أساسًا لفهم مبدأ محوري في الحضارة التوحيدية، وهو أن تحقيق القيم الإلهية في المجتمع لا يمكن أن يتم من دون روح الإيثار والتضحية، ومن دون تقديم إرادة الله تعالى على الرغبات والمصالح الشخصية.
الهجرة؛ استراتيجية لنشر الحضارة الإلهية
تُعدّ الهجرة في سنّة الأنبياء استراتيجيةً إلهية لنشر التوحيد وتهيئة البيئات المناسبة لولادة مراكز حضارية جديدة. ففي منطق القرآن الكريم، عندما تتشكل البُنى الفكرية والاجتماعية في مجتمع ما بطريقة تعيق الدعوة الإلهية أو تسدّ الطريق أمامها، تصبح الهجرة وسيلةً لاستمرار الرسالة ونقل مركز الحركة الإلهية إلى بيئة أكثر استعدادًا لتقبّلها واحتضانها.
وفي هذا الإطار، يمكن النظر إلى هجرة إبراهيم عليه السلام بوصفها واحدة من أبرز النماذج التي تجسّد هذه الاستراتيجية؛ إذ كان لها دور محوري في انتشار التوحيد وتأسيس التقليد الحضاري الإبراهيمي.
فبعد أن عرض القرآن الكريم مواجهة إبراهيم عليه السلام لهيمنة الوثنية في مجتمع بابل، وما لقيه من معارضة شديدة من الحكام والعامة لدعوته التوحيدية، يذكر قراره بالهجرة، فيقول تعالى: ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.[39] هذه الآية تدل على أن هجرة إبراهيم لم تكن مجرد انتقال جغرافي من أرض إلى أخرى، بل كانت حركة واعية في سبيل استمرار العبودية لله وإنجاز المهمة الإلهية. ويؤكد العلامة الطباطبائي في تفسيره أن المقصود من «الهجرة إلى الله» هو السير في طريق تحقيق الإرادة الإلهية والخروج من البيئة التي تعيق انتشار التوحيد.[40] من هذا المنظور، شكّلت هجرة إبراهيم مرحلة أساسية في نقل الدعوة التوحيدية من بيئة مغلقة ومعادية إلى فضاء جديد يتيح لها النمو والانتشار.
كما أفضت هذه الهجرة لاحقًا إلى نشوء مراكز جديدة للحياة الدينية والاجتماعية. فانتقال إبراهيم إلى بلاد الشام، ثم استقراره في أرض الحجاز وبناؤه للكعبة، مهّد لتأسيس مركز روحي للحركة التوحيدية. ويشير القرآن الكريم إلى ذلك بقوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾.[41] ويرى كثير من المفسرين أن هذا العمل لم يكن مجرد بناء لمعبدٍ للعبادة، بل كان تأسيسًا لمركز هوياتي وحضاري للأمة التوحيدية، يكون محور اجتماع المؤمنين ونقطة التقاء المجتمعات المختلفة عبر التاريخ.[42]
ومن هنا يمكن اعتبار هجرة إبراهيم خطوة استراتيجية لنقل محور الدعوة الإلهية من بنية حضارية غير منسجمة مع التوحيد إلى بيئة مؤهلة لقيام نظام اجتماعي قائم على القيم الإلهية. فحين تصبح المنظومة الثقافية والسياسية في مجتمع ما معارضة للتوحيد على نحو بنيوي، فإن الاستمرار في البيئة نفسها قد يؤدي إلى تعطيل الحركة الإلهية أو القضاء عليها. وفي مثل هذه الظروف، تصبح الهجرة وسيلة لخلق فضاء جديد تتحقق فيه القيم الإلهية وتتربى فيه جماعة مؤمنة قادرة على بناء مجتمع توحيدي.
وقد أشار الفارابي، في تحليله لنشأة المدينة الفاضلة، إلى أن تحقق النظام الإلهي في المجتمع يتطلب تهيئة الظروف الثقافية والاجتماعية الملائمة، وهو ما ينسجم مع النموذج الإبراهيمي في بناء المجتمعات المؤمنة. ويتكرر هذا النموذج الحضاري بوضوح في تاريخ الإسلام. فهجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من مكة إلى المدينة كانت نقطة تحول كبرى في تاريخ الإسلام؛ لأنها هيأت الظروف اللازمة لتأسيس أول مجتمع سياسي واجتماعي قائم على تعاليم القرآن الكريم. وقد أشار القرآن الكريم إلى أهمية هذا التحول، وقدم المهاجرين بوصفهم من رواد بناء المجتمع الإيماني.[43] ويرى كثير من الباحثين في التاريخ الإسلامي أن هجرة النبي لم تكن مجرد إجراء دفاعي أو هروب من الاضطهاد، بل كانت استراتيجية متكاملة لتأسيس نظام اجتماعي جديد يقوم على التوحيد..[44] بناءً على ذلك، يمكن اعتبار الهجرة في السنّة الإبراهيمية وفي تاريخ الأديان الإلهية إحدى أهم الوسائل لتحقيق الحضارة التوحيدية ونشرها.
إن هجرة إبراهيم عليه السلام تكشف أن نشر التوحيد قد يتطلب أحيانًا مغادرة البيئات غير الملائمة، وإنشاء مراكز جديدة للحياة الدينية. هذه الخطوة لم تكن تعبيرًا عن التراجع أو الانسحاب، بل كانت مرحلة من مراحل الحركة الحضارية الهادفة إلى نقل الرسالة الإلهية إلى البيئات التي تتوفر فيها إمكانية بناء مجتمع يقوم على الإيمان والعدل وعبودية الله. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى هجرة إبراهيم بوصفها نقطة البداية لشبكة واسعة من التقاليد الدينية والحضارية التي استمرت لاحقًا في الأديان الإبراهيمية، وتركت أثرًا عميقًا في مسار التاريخ الإنساني.
إن رسالة إبراهيم عليه السلام وجهوده لم تكن محصورة في مرحلة تاريخية محددة أو في حدود المجتمع الذي عاش فيه، بل تكتسب معناها الحقيقي ضمن المشروع الإلهي الشامل لهداية البشرية عبر التاريخ. فالقرآن الكريم يقدّم إبراهيم بوصفه إحدى الشخصيات المحورية في سلسلة الهداية الإلهية، ويتجاوز دوره حدود النبي المحلي أو القومي. ولهذا وصفه القرآن الكريم بقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾.[45] حيث يرى المفسرون أن هذا الوصف يشير إلى أن إبراهيم كان بمفرده مؤسسًا لتقليد ديني وحضاري استمرت آثاره وتأثيراته عبر الأجيال والعصور اللاحقة.[46]
وفي السياق نفسه، يقيم القرآن الكريم رابطة عميقة بين رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والسنّة الإبراهيمية. فالإسلام يقدّم نفسه امتدادًا لـ ملة إبراهيم، ويدعو المؤمنين إلى اتباع نهجه التوحيدي، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾.[47] وفي آية أخرى يقول سبحانه: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾.[48]
هذا يدل على الموقع المحوري الذي يحتله إبراهيم في استمرار المسيرة التوحيدية عبر تاريخ الرسل. ويرى كثير من المفسرين أن هذه الآيات تؤكد أن الإسلام، مع ما يتمتع به من شمول وكمال، إنما يأتي امتدادًا للتيار التوحيدي الذي أرسى إبراهيم عليه السلام قواعده.[49]
أما من الناحية التاريخية، تتجلى هذه الاستمرارية بوضوح في سلسلة النبوة. فالقرآن الكريم يربط النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بنسب إبراهيم عليه السلام، كما يشير إلى ذلك في دعاء إبراهيم أثناء بناء الكعبة حين قال: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾.[50] وقد رأى كثير من المفسرين أن هذه الآية تشير إلى بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأنها تمثل استجابةً لدعاء إبراهيم من أجل هداية الأجيال القادمة..[51] وفي المنظومة الروائية الإسلامية تُفهم حركة الأنبياء جميعًا ضمن أفق تاريخي واحد. فقد ورد في العديد من الروايات أن أنبياء الله كانوا جميعًا يسهمون في التمهيد لإقامة الحق والعدل على الأرض. ومن ذلك ما رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:«لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ لَطَوَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ حَتَّى يَبْعَثَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ بَيْتِي … يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا».[52]
بناءً على هذه الروايات، فإن إقامة العدل العالمي في عصر ظهور الإمام المهدي عليه السلام تمثل الذروة النهائية للمسار التاريخي للهداية الإلهية؛ ذلك المسار الذي مهدت له جهود الأنبياء عبر العصور.
وفي هذا السياق، يمكن اعتبار جهود إبراهيم عليه السلام مرحلة تأسيسية في بناء هذا الطريق التاريخي. فمواجهته للشرك، وإنشاؤه لمراكز التوحيد كالكعبة، وتربيته لجيل مؤمن يحمل الرسالة إلى المستقبل، كلها كانت خطوات أساسية في إعداد البنية الفكرية والاجتماعية لاستمرار الهداية الإلهية في التاريخ.
ولهذا يقول الله تعالى مخاطبًا إبراهيم: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾.[53] وقد فسّر بعض المفسرين هذه الإمامة بأنها قيادة تتجاوز حدود الزمن، وتمتد آثارها عبر الأجيال المتعاقبة وفي المسار التاريخي لتكامل الهداية البشرية.[54]
ومن هنا يمكن النظر إلى حركة إبراهيم عليه السلام على أنها جزء من عملية كبرى في تاريخ الهداية الإلهية؛ عملية تبدأ بالدعوة إلى التوحيد ومواجهة أنظمة الشرك، ثم تستمر عبر رسالات الأنبياء المتعاقبين.
وفي الأفق النهائي لهذه الحركة يبرز هدف إقامة مجتمع عالمي قائم على التوحيد والعدل وعبودية الله؛ مجتمع يرتبط في الرؤية الإسلامية بتحقق الوعد الإلهي بانتصار الحق وإقامة العدل في جميع أرجاء الأرض.[55] من هذا المنظور، يمكن اعتبار ميراث إبراهيم عليه السلام أحد الأركان الأساسية في هندسة التاريخ الإلهي لهداية الإنسان؛ ميراثًا امتد أثره من بدايات النبوة إلى آفاق مستقبل البشرية، وظل يؤدي دورًا حاسمًا في بناء الحضارة التوحيدية وتشكيل معالمها عبر العصور.
[1] سورة البقرة: الآية 124
[2] سورة النحل: الآية 123
[3] سورة النحل: الآية 36
[4] سورة الأنبياء: الآية 58
[5] سورة الأنبياء: الآية 66
[6] سورة البقرة: الآية 258
[7] نهج البلاغة : الكتاب 31
[8] سورة الإسراء: الآية 70
[9] سورة النحل: الآية 120
[10] سورة الروم: الآية 30
[11] سورة آل عمران: الآية 67
[12] سورة النحل: الآية 120
[13] طباطبایی، المیزان فی تفسیر القرآن، في ختام سورة النحل: 120
[14] فخر رازی، مفاتیح الغیب، نفس الآية
[15] سورة الأنبياء: الآية 60
[16] سورة سبأ: الآية 46
[17] الطبری، جامع البیان؛ طباطبایی، المیزان، في ختام الآية
[18] نهجالبلاغه، خطبه 26
[19] طباطبایی، المیزان، في ختام سورة البقرة: 124
[20] سورة البقرة: الآية 124
[21] سورة ابراهیم: الآية 40
[22] فخر الرازی، مفاتیح الغیب، في ختام الآية
[23] سورة البقرة: الآية 132
[24] سورة ابراهیم: الآية 37
[25] سورة العنکبوت: الآية 27
[26] سورةابراهیم: الآيات 24–25
[27] ومن ذلك قصة ذبح إسماعيل، التي تُجسِّد أسمى مراتب التسليم العائلي لأمر الله تعالى؛ سورة الصافات: 102–107
[28] سورة البقرة: الآية 127
[29] سورة الصافات: الآية 102
[30] سورة البقرة: الآية 124
[31] طباطبایی، المیزان فی تفسیر القرآن، في ختام سورة البقرة: 124
[32] سورة الصافات: الآيات 103–105
[33] فخر رازی، مفاتیح الغیب، في ختام سورة الصافات: 102–107
[34] سورة التوبة؛ الآية 24
[35] سورة الصافات: الآيات 107–108
[36] طبری، جامع البیان، في ختام الآیات
[37] سورة الصافات: الآية 102
[38] سورة الصافات: الآية 106
[39] سورة العنکبوت: الآية 26
[40] الطباطبایی، المیزان فی تفسیر القرآن، في ختام سورة العنکبوت: 26
[41] سورة البقرة: الآية 127
[42] الطبری، جامع البیان، ذیل بقره: 127؛ فخر رازی، مفاتیح الغیب، نفس الآية
[43] سورة التوبة: الآية 100
[44] ابنهشام، السیرة النبویة
[45] سورة النحل: الآية 120
[46] الطباطبائی، المیزان في تفسیر القرآن، في ختام الآية
[47] سورة النحل: الآية 123
[48] سورة الحج: الآية 78
[49] طبری، جامع البیان؛ الفخر الرازی، مفاتیح الغیب
[50] سورة البقرة: الآية 129
[51] الطباطبائی، المیزان؛ القرطبي، الجامع لأحکام القرآن
[52] ابوداوود، السنن؛ الصدوق، کمالالدین
[53] سورة البقرة: الآية 124
[54] الطباطبائی، المیزان، في ختام الآية
[55] سورة الأنبياء: الآية 105؛ سورة النور: الآية 55