لماذا خاض نبي الرحمة القتال؟ واستجلاء الدوافع وراء غزوات رسول الله(ص) وحروبه
لطالما كانت حروب وغزوات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم موضع شبهة واستشكال لدى بعض الباحثين فيما يتعلق بالجوهر الرحماني للإسلام. بيد أن إخضاع هذه الوقائع لـ تحليل تاريخي نقدي وعميق يكتسب أهمية محورية من زوايا ثلاث: أولاً، لبيان السياق التاريخي وظروف ماحقة أطّرت نشأة الغزوات، وتحديد موارد أباحت فيها الشريعة القتال. ثانياً، لمعرفة كيانات معادية وتيارات نافذة سعت باستمرار إلى وأد الدعوة الجديدة، مما يُسهم في فهم طبيعة الصراع في فجر التاريخ الإسلامي. وثالثاً، فإن إدراك الدافع وراء كل غزوة أو سرية يُقدم إجابات وافية عن تساؤلاتنا المعلقة حول السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي. تعددت غزوات النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حيث يُقال إن عدد الغزوات كان 27 غزوة،[1] بينما تراوحت عدد السرايا بين 36 و82، لكن هناك بعض الاختلافات بين المؤرخين بشأن الأعداد الدقيقة.[2]
إن الإسلام قام على مبادئ الصلح والوئام والمحبة، فالغاية الأصلية من الخلق لا تتحقق إلا بسلام دائم. وانسجاماً مع هذه النظرة السامية، يهدف الإسلام إلى انتشال البشرية من الانحدار والانحراف عن فطرتها الإنسانية؛ ولذلك، لم يُجز القتال ومواجهة الجبهات المعادية إلا كـ ترخيص ضروري ومُقيَّد، من بين الحالات التي شرّع فيها القتال ما يلي:
- الدفاع عن الأموال والشرف والحقوق الشخصية،[3]
- الحرب ضد الكفار والمنافقين الذين لا يرضون بأي حدود ولا يقبلون بأي عهد أو ميثاق،[4]
- مواجهة المنافقين الذين لا يتوقفون عن الفتنة والخيانة ويسببون الفوضى في المجتمع
- المواجهة مع المشركين الذين لا يوفون بعهدهم ومواثيقهم،[5]
- إنقاذ المظلومين والمستضعفين من ظلم الجبابرة،[6]
- توسيع حكومة الله في الأرض
- إعادة حق الإنسان في الحياة البشرية.[7]
يتناول هذا المقال بإيجاز الحروب والغزوات النبوية، مستعرضاً الأسباب الكامنة وراء كل منها بتحليل مُفصَّل ومُنقَّح. تجدر الإشارة إلى أن جميع غزوات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقعت بعد الهجرة إلى المدينة المنورة.
وثيقة المدينة… أول تكتيك نبوي للدفاع الاستراتيجي
قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقرون، دخل اليهود إلى جزيرة العرب بهدف لقاء النبي الأخير الذي وجدوا اسمه في كتبهم السماوية يعرفونه كما يعرفون أبناءهم.[8] فاستقروا في مناطق محيطة بالمدينة المنورة وسيطروا على مفاصل الاقتصاد[9] والثقافة، كما تبنوا دور النخب المثقفة للتأثير على المجتمع المحلي ونشر دينهم.[10]رغم ذلك، تظل دوافع هجرتهم إلى المدينة محط نقاش واسع، حيث أثارت بعض الشواهد التساؤلات حول نية اليهود الحقيقية، ومنها عدم استيطانهم مكة رغم معرفتهم بموقع النبي المنتظر، وتوزعهم بين المدينة والقدس.[11]
بعد هجرة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة، استطاع بعقله الفذ أن يتنبأ بمخاطر محتملة كانت تهدد أمن واستقرار المجتمع الإسلامي الناشئ. كانت قريش وقبائل الأعراب المحيطة بالمدينة أبرز التهديدات الخارجية من خلال مؤامراتهم وهجماتهم العسكرية، بينما تمثلت تحديات داخلية في انقسامات قبلية بين المهاجرين والأنصار، ومحاولات اليهود للتحريض والتمرد، واحتمال تحالفهم مع المشركين والمنافقين. هذه التحديات دفعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم لاتخاذ تدابير سياسية وأمنية ذكية لحماية وحدة المسلمين واستقرارهم.[12]
لذلك، بناءً على أمر النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، تمت كتابة وثيقة بين الجماعات المختلفة المقيمة في المدينة وتم التوقيع عليها.[13] وفقًا لهذه الوثيقة، كان سكان المدينة من المسلمين واليهود يعتبرون أمة واحدة، مع احترام حرية كل طرف في ممارسة دينه وشعائره. كما نصت الوثيقة على الدفاع المشترك عن المدينة، وحل النزاعات بالرجوع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتحريم سفك الدماء داخلها، مع تحديد أسس دفع الدية. وهي بنود تم قبولها من جميع الأطراف.[14] لكن في وقت لاحق، أدى عدم التزام اليهود بهذه البنود إلى صراعات وحروب معهم وبينهم وبين النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.
تحليل غزوات النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم مع التركيز على دور اليهود فيها
العرب تاريخياً شعب متفرق، ولكل قبيلة عاداتها وتقاليدها وزعيمها. فكيف تحولت هذه القبائل المتباعدة إلى جبهة موحدة ضد النبي؟ إن الإجابة قد تكمن في الدور الخفي الذي لعبه اليهود. فبدلاً من المشاركة المباشرة في المعارك، عملوا بذكاء على توحيد القبائل العربية ضد المسلمين. لقد استغلوا الخلافات القبلية والنزاعات التاريخية، وزرعوا بذور الفتنة بين العرب، حتى تمكنوا من حشد قوى كبيرة لمواجهة الإسلام. هذا الدور الخبيث لليهود ليس وليد لحظة، بل هو سمة مميزة لهم عبر التاريخ. فهم بارعون في فنون التحريض والتآمر، ويسعون دائماً إلى إشعال الفتن والنزاعات بين الأمم والشعوب.[15]
غزوة بدر
فيما يتعلق بالأسباب الرئيسية لوقوع حرب بدر، وعلى خلاف ما ذكره كتب السيرة و الذين اعتبروا أن الهجوم كان بغرض السلب والنهب من قافلة قريش التجارية، حيث تم تجاهل الطابع الدفاعي لهذه الحرب، فإن التحليلات والشواهد التاريخية تثبت أن حرب بدر كانت ردًا على الفتن والتحركات التي قام بها المشركون للتحضير للحرب ضد المسلمين. يجب القول أن القرآن الكريم يوضح أن السبب الرئيسي لهذه الحرب كان دفاع المسلمين عن وجودهم وحقهم في مواجهة التهديدات التي كانت توجهها قريش المشركة، وتهدف إلى القضاء على الفتنة التي أثارها المشركون ضد جبهة الحق.[16]
أما فيما يخص دور اليهود في غزوة بدر، سواء في بداية الحرب أو في استمرارها، فإنه يمكن تتبع بعض الإشارات إلى ذلك من خلال تحليل التاريخ فقط، لأنه لا يمكن تتبع هذا الدور بوضوح في التقارير التاريخية المتوفرة. لم يشارك اليهود بشكل مباشر في غزوة بدر، بل كان دورهم محدودًا في الوقوف مع قريش بالكلمات والمساعدات المعنوية. بعد المعركة، وعندما ثبتت نية قريش في استمرار القتال ضد المسلمين، بدأ العديد من اليهود يظهرون عدم الرضا عن نصر المسلمين. وتُظهر بعض الآيات القرآنية أن بعض اليهود لم يغيروا مواقفهم العدائية ضد المسلمين بعد الهزيمة التي تلقتها قريش في بدر. [17]
بعد انتصار المسلمين في حرب بدر، وبلا أي أمر من النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، قام بعض المسلمين بأسر عدد من المشركين. لأنّه كان من عادة الحروب في تلك الحقبة أن يُفرض فدية أو فداء على الأسرى بعد انتهاء المعارك، لتحريرهم.[18] إن أسر الأعداء، وإن كان عملاً إنسانياً، إلا أنه قد يشكل تهديداً استراتيجياً في سياق المعركة، خاصةً قبل تحقيق نصر حاسم. فشغل الجنود بأسر الأعداء ونقلهم قد يصرفهم عن مواصلة الهجوم أو حماية المكاسب المحرزة، مما يمنح العدو فرصة للتعافي والعودة إلى المعركة، كما حدث في غزوة أحد. لذا، يجب أن يكون قرار أسر الأعداء مدروساً بعناية، مع الأخذ في الاعتبار التطورات الميدانية والتهديدات المحتملة.[19] فلذا ألقى الله باللوم على أولئك الذين خالفوا هذا الأمر فيقول: “مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ”[20]. بعد أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقتل بعض الأسرى، رأى الصحابة أن يفتدوا الباقين. ورغم أن النبي لم يرض بذلك، إلا أنه ترك الأمر للصحابة،ولا شك أن الخيار الأنسب كان يتمثل في أمر النبي وقتل أسرى المشركين في مثل حرب بدر التي كانت حربا مصيرية، إذ أن ذلك كان سيُحدث تأثيرًا عميقًا في نفوس اليهود وقبيلة قريش، فضلاً عن بقية المشركين في جزيرة العرب. كان من شأن هذا التصرف أن يُسهم في إقناعهم بأن العدول عن محاولاتهم العدوانية هو الخيار الأفضل بالنسبة لهم، لأن التصدي للدعوة لن يجلب لهم سوى الخراب والهلاك.[21] ولکن كيف ارتكب هؤلاء الذين كانوا يقاتلون في سبيل الله مثل هذه المخالفة؟ أليس هذا تناقضًا صارخًا؟
غزوة بني قينقاع
بعد فوز المسلمين في معركة بدر، الذي كان أمرًا مفاجئًا وغير قابل للتصديق بالنسبة لليهود والمنافقين في المدينة، شعر المسلمون بالعزة والفرح، بينما أصاب اليهود في المدينة وضواحيها الخوف والقلق. فانتصار المسلمين في بدر كشف عن قوتهم وطاقاتهم، ولهذا، بمجرد وصول خبر هذا النصر إلى المدينة، بدأ اليهود والمنافقون في التآمر ضد الإسلام ومحاولة تقليص قوته.في هذا السياق، قامت قبيلة بني قينقاع اليهودية، التي كانت تعتبر من أكثر قبائل اليهود شجاعة في المدينة، بنقض اتفاقية عدم الاعتداء مع المسلمين. وبتواطئهم الخفي مع أبي سفيان، بدأوا أولى خطوات التعاون العسكري والتنسيق مع قريش ضد الإسلام. وقد نزلت آيات في القرآن الكريم تتحدث عن “نقض اليهود للعهد”[22] وتمَّ وصف اليهود بأنهم أسوأ المخلوقات: «إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ»[23].
في هذا السياق، كان المنافقون يشجعونهم على الاستمرار في المقاومة والحرب ضد الإسلام، بل وعدوهم بالمساعدة والتعاون في هذا الشأن. فجمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في البداية هؤلاء اليهود، ودعاهم إلى الوحدة والتآلف والانسجام العقائدي مع المسلمين.[24] وقد ذكر لهم معاهدة المدينة ووجوب الوفاء بها لمنعهم من تحقيق أهدافهم المدمرة. [25] لكن قبيلة بني قينقاع تجاهلت نصيحة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأظهرت عنادًا وتصلبًا.[26] لم يأخذوا تحذيره صلى الله عليه وآله وسلم بجدية، بل تحدوه وتمادوا في استفزازاتهم، حتى أنهم هددوا بالحرب ضد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.[27] وذهبوا إلى حد التفكير في خطط للقتال ضده صلى الله عليه وآله وسلم.
اشتعل فتيل الفتنة عندما أهان اليهود أحد المسلمات في سوقهم بطريقة مهينة جدًا، فاستنكر أحد المسلمين هذا الفعل وانتصر لها، فقتل اليهودي الذي كان وراء هذه الإساءة، فانتقمت الجالية اليهودية بقتل المسلم، وازداد الوضع تأزمًا.[28]
بعد نقضهم للعهد، جمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بني قينقاع في سوقهم[29] ودعاهم إلى الإسلام، لكنهم رفضوا ذلك، فذهبوا إلى حصونهم. فقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحصار حصونهم. وبعد خمسة عشر يومًا من الحصار، لم يتمكن اليهود من مقاومة صمود المسلمين، واستسلموا في النهاية. بعد أسرهم، قام عبدالله بن أبي، رأس المنافقين وصديقهم، بالتوسط لدى النبي صلى الله عليه وآله وسلم طالبًا العفو عنهم. وبإصراره وافق صلى الله عليه وآله وسلم على نفيهم، [30] فنزلت هذه الآيات في طردهم: “هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الحَشْرٍ.”[31]
غزوة أحد
وقعت غزوة أُحد في السنة الثالثة للهجرة، وكانت من أبرز المحطات في تاريخ الدعوة الإسلامية، إذ تركت تأثيرًا كبيرًا على المسلمين سياسيًا وعسكريًا. لعب اليهود فيها دورًا بارزًا في الأحداث التي سبقت الغزوة وما تلاها، من خلال تحريض قريش على المسلمين وزرع الفتن داخل صفوفهم. حذّر القرآن الكريم من التحالف مع اليهود والنصارى على حساب مصالح المسلمين، وتم ذكر اليهود في هذه الآية بسبب مواقفهم في غزوة أحد وغيرها من الأحداث التي كانوا فيها يتعاونون مع أعداء الإسلام: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ”. [32]
قبل الغزوة، كانت العلاقة متوترة بين المسلمين واليهود في المدينة المنورة بالفعل، بسبب نقض بعض القبائل اليهودية لمعاهدة التعايش السلمي، مثل بني قينقاع للعهد، وتآمرهم ضد المسلمين. من أبرز أشكال هذا التآمر كان تحريض قريش على الانتقام من هزيمتهم في بدر، حيث تشير الروايات إلى أن اليهود أرسلوا رسائل إلى قريش يحثونهم على القتال، بل ووعدوهم بالدعم المادي والمعنوي.[33] بالإضافة إلى ذلك فقد عملوا على نشر دعاية مضادة للإسلام، مستغلين الشعر والقصص في تشويه صورة المسلمين والتحريض عليهم، وهو ما قام به كعب بن الأشرف بشكل خاص.[34]
أما خلال الغزوة نفسها، فلم يكن لليهود دور عسكري مباشر، لكنهم قدموا الدعم المعنوي والاستشاري لقريش، إذ تُشير المصادر التاريخية إلى أن بعض اليهود شاركوا في تقديم خطط واستراتيجيات لقريش حول كيفية التعامل مع المسلمين في المعركة.[35] وبعد انتهاء الغزوة بانتصار قريش النسبي، استغل اليهود هذا الحدث لتعزيز خططهم ضد المسلمين.
يمكن القول إن دور اليهود في غزوة أُحد وما تلاها يُبرز طبيعة صراعهم مع المسلمين ومحاولاتهم المستمرة لإضعاف الأمة الإسلامية، وهو ما يجب أن يكون درسًا للأمة في ضرورة الحذر من مثل هذه المخططات التي تُستخدم لزرع الفتن وتقويض الاستقرار.. ازدادت علاقة متوترة مع اليهود بعد غزوة أُحد، مما مهّد الطريق لصراعات لاحقة مع بني النضير وبني قريظة.
غزوة بني النضير
كما ذكرنا سابقا فقد حرص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم منذ وصوله إلى المدينة، على إرساء قواعد العيش المشترك بين مختلف الطوائف من خلال “وثيقة المدينة”. ولكن قبيلة بني النضير كانت من ضمن القبائل اليهودية التي أظهرت عداءها العلني بعد غزوة أُحد، فلم تلتزم بتلك العهود، و سعت إلى تقويض الاستقرار في المدينة عبر تحالفات سرية مع أعداء الإسلام. [36]
بدأت أحداث مؤدّية إلى غزوة بني النضير في السنة الرابعة للهجرة، عندما ذهب النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى بني النضير يطلب منهم المساهمة في دفع دية رجلين قتلا بالخطأ من بني عامر، بناءً على اتفاقيتهم السابقة تنص على التعاون بين المسلمين واليهود في مثل هذه الأمور. رحب بنو النضير ظاهريًا بالنبي وأصحابه، لكنهم دبروا مؤامرة لاغتياله. خططوا لإلقاء صخرة عليه من فوق أحد البيوت أثناء جلوسه. إلا أن الوحي أنبأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخطتهم، فنهض سريعًا وغادر المكان، ثم عاد إلى المدينة ليخبر أصحابه بما حدث.[37]
إثر ذلك، أمر النبي بني النضير بمغادرة المدينة خلال عشرة أيام عقابًا على خيانتهم. في البداية، أظهروا استعدادًا للرحيل، ولكن زعيمهم، حيي بن أخطب، وبالتنسيق مع المنافق عبد الله بن أبي بن سلول، قرروا التحصن في حصونهم ومقاومة المسلمين. كما سعوا لتحريض قريش وبعض القبائل العربية ضد المسلمين، مما زاد من تعقيد الوضع.[38] حاصر المسلمون حصون بني النضير لمدة خمسة عشر يومًا. استخدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم تكتيكًا عسكريًا جديدًا وهو قطع أشجار النخيل المحيطة بحصونهم، وهو ما أحدث صدمة كبيرة في صفوفهم، حيث كانت تلك الأشجار مصدرًا هامًا للغذاء والرزق. رغم ذلك، لم ينجح بنو النضير في كسب أي دعم خارجي. بعد صمود مؤقت، أُجبروا على الاستسلام بشرط الخروج من المدينة بأمان، مع السماح لهم بأخذ ممتلكاتهم التي يستطيعون حملها، باستثناء السلاح.[39] غادر بنو النضير المدينة متجهين إلى خيبر، حيث استقر معظمهم هناك، بينما توجه آخرون إلى الشام. تركوا خلفهم ممتلكات وأراضي واسعة أصبحت وقفًا للمسلمين. كان لهذا الحدث أثر كبير على المسلمين، حيث تمكنوا من تعزيز سيطرتهم على المدينة وإضعاف النفوذ اليهودي فيها.[40]
غزوة الأحزاب
غزوة الأحزاب، التي وقعت في السنة الخامسة للهجرة، كانت من أخطر الغزوات التي واجهها المسلمون، إذ تجمعت قوى قريش وقبائل غطفان وبني أسد وغيرهم من القبائل العربية بهدف القضاء على الدولة الإسلامية الناشئة. وكان اليهود، وعلى رأسهم زعماء بني النضير، في طليعة المحرضين والمخططين لهذه الحملة، ساعين إلى الانتقام من المسلمين بعد طردهم من المدينة بسبب خيانتهم المتكررة.
بعد أن انتقل زعماء بني النضير إلى خيبر، بدأوا في التخطيط لتحريض القبائل العربية على مهاجمة المدينة. ووفقًا لما ذكره ابن إسحاق، توجه وفد من زعماء بني النضير، وعلى رأسهم سلام بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب، إلى قريش لإقناعهم بضرورة تشكيل تحالف كبير لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وعد اليهود قريش بأنهم سيدعمونهم ماليًا وغذائيًا لضمان نجاح الحملة، واستطاعوا إثارة حماسة قريش للانتقام من المسلمين بعد هزيمتهم في بدر وصمودهم في أُحد.[41]
لم يكتف اليهود بتحريض قريش فقط، بل امتد تأثيرهم إلى قبائل غطفان وبني أسد وغيرهم، حيث عملوا على كسب تأييدهم بالمال والوعود. كما لجأوا إلى بث الشائعات بين المسلمين في المدينة لزعزعة استقرارهم النفسي وإضعاف معنوياتهم، وهو ما ذكره ابن كثير حين تحدث عن النشاط اليهودي الموجه ضد المسلمين خلال هذه الفترة.[42]
عندما بدأت الأحزاب في حصار المدينة، استمر اليهود في ممارسة دورهم التخريبي. قبيلة بني قريظة، التي كانت تعيش داخل المدينة وكانت قد عقدت مع المسلمين معاهدة دفاع مشترك، نقضت عهدها وانضمت إلى الأحزاب المحاصرة. وفقًا لرواية ابن إسحاق، كان حيي بن أخطب هو العقل المدبر لهذه الخيانة، حيث ذهب إلى كعب بن أسد زعيم بني قريظة وأقنعه بضرورة نقض العهد مع المسلمين والانضمام إلى قريش وغطفان، متعهدًا لهم بالدعم الكامل في حال انتصار الأحزاب.[43] هذه الخيانة شكلت خطرًا كبيرًا على المسلمين، إذ أصبحت المدينة محاصرة من الخارج والداخل. ومع ذلك، تمكن المسلمون، بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، من الصمود بفضل التخطيط العسكري المحكم، وخاصة بحفر الخندق الذي أشار به سلمان الفارسي. وبعد انسحاب الأحزاب بفعل الرياح الشديدة وتفكك التحالف، توجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى التعامل مع بني قريظة، الذين ثبتت خيانتهم بعد المحاكمة التي أجريت لهم، والتي قادها الصحابي سعد بن معاذ.[44]
يكشف دور اليهود في غزوة الأحزاب عن محاولاتهم المستمرة لإضعاف الدولة الإسلامية عبر التحريض والخيانة. وكما أشار ويل ديورانت في وصفه لهذه المرحلة من الصراع: “كان اليهود بارعين في استغلال النزاعات بين المسلمين وأعدائهم لتحقيق مصالحهم، ولكن خيانتهم المتكررة أدت إلى تعميق عزلتهم وزادت من نقمة المسلمين عليهم”.[45]
غزوة بني قريظة
غزوة بني قريظة وقعت في أواخر شهر ذي القعدة أو أوائل ذي الحجة من السنة الخامسة للهجرة، مباشرة بعد انتهاء غزوة الأحزاب، وتُعد آخر مواجهة بين يهود المدينة والمسلمين. جاءت هذه الغزوة كرد فعل على خيانة بني قريظة، الذين نقضوا العهد مع المسلمين خلال حصار الأحزاب، وحاولوا فتح ثغرة في دفاعات المدينة لتمكين الأحزاب من دخولها، رغم المواثيق التي كانت تربطهم بالمسلمين.
وفقًا للمصادر الإسلامية، انطلق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة إلى بني قريظة بعد انتهاء غزوة الأحزاب، حيث حاصر منازلهم وقلاعهم لمدة خمسة عشر يومًا. وفي نهاية الحصار، طلبت بني قريظة الصلح ووافقت على أن يكون سعد بن معاذ حكمًا بينهم وبين المسلمين. كان سعد بن معاذ مصابًا بجروح إثر مشاركته في غزوة الأحزاب، ورغم حالته الصحية، خرج من خيمته وحكم عليهم بما لم يتوقعه حتى حلفاؤهم من قبيلة الأوس. قضى سعد بقتل الرجال المقاتلين، وسبي النساء والأطفال، وتقسيم أموالهم وأراضيهم. وقد وافق النبي صلى الله عليه وآله وسلم على هذا الحكم، مشيرًا إلى أنه يتماشى مع حكم الله.[46]
إلا أن المؤرخ والمحقق المعاصر السيد جعفر الشهيدي أعرب عن شكوكه حول صحة هذه الروايات، مستندًا إلى تضاربها في المصادر التاريخية وإلى عوامل مثل التوزيع الديموغرافي للمدينة آنذاك وصفة الرحمة التي اشتهر بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وأشار إلى أن الأرقام المروية حول عدد القتلى، التي تتراوح بين 600 و900، قد تكون مبالغًا فيها، معتبراً أن هذه الروايات ربما أُضيفت لاحقًا كجزء من صراعات سياسية داخلية بين الأوس والخزرج.[47] روى ابن شهاب الزهري (51-124 هـ) في كتابه المغازي النبوية تفاصيل حكم سعد بن معاذ وتنفيذه بموافقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وذكر تحديدًا قتل حيي بن أخطب، زعيم بني النضير، الذي كان من أبرز المحرضين على العداء مع المسلمين، مما أثار بني قريظة على نقض العهد والمشاركة في تلك الأحداث.[48] ظلت هذه الغزوة موضوعًا للجدل بين المؤرخين، لكنها تبقى في السياق العام محاولةً لضمان استقرار الدولة الإسلامية الناشئة وردع الخيانة الداخلية.
غزوة الحديبية
غزوة الحديبية، التي وقعت في السنة السادسة للهجرة، ليست معركة عسكرية بالمعنى التقليدي، بل هي حدث سياسي ودبلوماسي بارز في تاريخ الإسلام، نتج عنه صلح الحديبية الذي أرسى الأساس لتوسع الدعوة الإسلامية. كان لليهود، رغم عدم مشاركتهم المباشرة، دور غير مباشر في مجريات الأحداث التي سبقت الغزوة وما تبعها، سواء بتحريضهم أو بمحاولاتهم استغلال الظروف لتحقيق مصالحهم.
قبل الحديبية، كانت العلاقة بين المسلمين واليهود متوترة للغاية، خاصة بعد طرد بني النضير وبني قينقاع من المدينة، وعقاب بني قريظة لخيانتها أثناء غزوة الأحزاب. اتجه بعض زعماء اليهود، وعلى رأسهم حيي بن أخطب الذي لجأ إلى خيبر بعد طرده، إلى محاولة التحالف مع قريش والقبائل المحيطة بالمدينة لتحريضهم ضد المسلمين. وفقًا لما ذكره ابن إسحاق، فإن يهود خيبر لعبوا دورًا مهمًا في تأجيج المشاعر العدائية ضد المسلمين بين قريش والقبائل العربية الأخرى بعد هزيمتهم في الأحزاب، وسعوا لتقويض أي محاولة لتفاهم بين المسلمين وقريش.[49]
خلال رحلة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصحبه إلى الحديبية بقصد أداء العمرة، كان هناك تخوف من أن قريش قد تُحرض مرة أخرى على المسلمين من قِبل اليهود أو أن يتم استغلال هذا التجمع لضرب المسلمين في الطريق. إلا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اتخذ تدابير احترازية لضمان أمن القافلة، بما في ذلك إرسال رسائل إلى القبائل القريبة لتجنب أي تهديد محتمل. في هذا السياق، ورد في روايات ابن كثير أن بعض اليهود في خيبر أرسلوا جواسيس لمعرفة نوايا المسلمين، لكن لم يكن لهم تأثير مباشر على سير المفاوضات التي جرت لاحقًا بين المسلمين وقريش.[50]
بعد توقيع صلح الحديبية، الذي منح المسلمين فترة هدنة لمدة عشر سنوات، ركز النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على تحييد التهديدات اليهودية في شمال المدينة، خاصة في خيبر التي أصبحت مركزًا للعداء بعد طرد اليهود من المدينة. كان اليهود في خيبر قد استغلوا انشغال المسلمين بالمفاوضات مع قريش لمحاولة توسيع نفوذهم بين القبائل المحيطة. وقد سعى اليهود للتواصل مع بعض القبائل القريبة من مكة في محاولة لإفشال الصلح، لكن قريش نفسها كانت تركز على ضمان مصالحها الخاصة، مما حدّ من تأثير هذه المحاولات.[51]
بعد صلح الحديبية، تحول التركيز الإسلامي إلى خيبر مباشرة، إذ انطلقت غزوة خيبر في السنة السابعة للهجرة كخطوة استراتيجية لإزالة تهديد اليهود المتكرر وتأمين الحدود الشمالية للدولة الإسلامية. هذه الغزوة كانت نتيجة مباشرة لمحاولات اليهود المتكررة للتحريض والخيانة، والتي لم تنقطع حتى بعد صلح الحديبية.
تمثل غزوة الحديبية مرحلة مهمة في تاريخ الإسلام، إذ استطاع النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يحقق انتصارًا دبلوماسيًا دون مواجهة عسكرية مباشرة، مما سمح بتوسيع دائرة الدعوة الإسلامية. في الوقت نفسه، كان اليهود حاضرين في الخلفية، يسعون لاستغلال أي فرصة لزرع الفتنة أو تقويض الاتفاقيات، ولكن سياسته الحكيمة وإدارته للأحداث أفشلت محاولاتهم، ممهّدة الطريق لغزوة خيبر، التي أنهت خطرهم بشكل كبير على الدولة الإسلامية الناشئة.
غزوة خيبر
بعد أن أجلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بني النضير عن المدينة المنورة بسبب خيانتهم ومحاولتهم اغتياله، لجأ زعماؤهم إلى خيبر، مثل حُيي بن أخطب وسلام بن مشكم. بدأوا هناك في التحريض ضد المسلمين، وأقاموا اتصالات مع القبائل العربية لتشكيل تحالفات ضد الدولة الإسلامية الناشئة.[52] لم يكتفِ اليهود في خيبر بالتحريض، بل ساهموا بشكل مباشر في دعم قريش والقبائل المتحالفة معها خلال غزوة الأحزاب، حيث شمل دعمهم إمداد الأحزاب بالمال والعتاد.[53] كانوا يرون في إضعاف المسلمين فرصة لاستعادة نفوذهم. كانت خيبر، بموقعها الجغرافي الاستراتيجي وتحصيناتها القوية، معقلا لليهود وتمثل تهديداً مباشراً للمسلمين.[54]
عندما قاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم جيشه نحو خيبر، كان الهدف هو القضاء على هذا التهديد. اتسمت المعركة بشراسة كبيرة، وكان اليهود يعتمدون على تحصيناتهم وخبرتهم العسكرية. إلا أن المسلمين تمكنوا من اختراق تلك التحصينات، خاصة بعد أن أُعطي اللواء لعلي بن أبي طالب علیه السلام، عندما اقتلع باب الحصن بيده.[55] بعد الانتصار، عقد النبي صلى الله عليه وآله وسلم اتفاقاً مع يهود خيبر، سمح لهم بالبقاء في أراضيهم مقابل دفع نصف إنتاجهم الزراعي كجزية.[56] رغم ذلك، استمر اليهود في التآمر ضد المسلمين، كما في حادثة دس السم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من قبل امرأة يهودية.[57] كانت هذه الحادثة نتيجة الحقد الذي استمر لدى اليهود بعد هزيمتهم.
غزوة وادي القرى
كانت غزوة وادي القرى من الأحداث البارزة في العام السابع للهجرة، وقد جاءت بعد انتصار المسلمين في خيبر. وادي القرى كان منطقة زراعية خصبة تسكنها قبائل يهودية تمتلك ثروات كبيرة وتحصينات قوية، مما جعلها نقطة استراتيجية هامة في شمال الجزيرة العربية. بعد فتح خيبر، رأى النبي محمد صلى الله عليه وسلم ضرورة التوجه إلى وادي القرى لتأمين المنطقة ومنع أي تهديد محتمل من اليهود الذين قد يتحالفون مع القبائل المعادية للإسلام، مستغلين موقعهم الاستراتيجي.[58] ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا يهود وادي القرى إلى الإسلام كما فعل مع غيرهم، إلا أنهم رفضوا الدعوة واختاروا المواجهة.[59] بدأت المعركة بشراسة، حيث اعتمد اليهود على مهاراتهم العسكرية وتحصيناتهم القوية لمواجهة المسلمين. بذل اليهود جهودًا كبيرة في الدفاع عن منطقتهم، مستغلين معرفتهم بالمنطقة وتحصيناتهم. لكن المسلمين، بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم، تمكنوا من تحقيق النصر بعد قتال عنيف، حيث قُتل بعض من قادة اليهود، مما أدى إلى انهيار دفاعاتهم واستسلامهم في النهاية.[60]
كما ورد أن النبي أبقى على يهود وادي القرى في أراضيهم وفرض عليهم الجزية، كما فعل مع يهود خيبر، مما سمح لهم بالاستمرار في زراعة أراضيهم تحت إدارة المسلمين. كان هذا النهج يعكس سياسة النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع المناطق المفتوحة، حيث سعى إلى تحقيق الاستقرار وضمان الموارد الاقتصادية للدولة الإسلامية.[61]
كان دور اليهود في هذه الغزوة محوريًا، ليس فقط كطرف معادٍ، بل كقوة مؤثرة في المنطقة آنذاك. مع ذلك، كان رفضهم الدعوة الإسلامية وإصرارهم على المواجهة سببًا في فقدانهم السيطرة على واحدة من أهم المناطق الزراعية التي كانوا يعتمدون عليها. هذه الغزوة ساهمت في تعزيز هيبة المسلمين وتأمين طرق القوافل بين المدينة والشام، مما كان له تأثير كبير على استقرار الدولة الإسلامية وتوسيع نفوذها.[62]
بعد غزوة وادي القرى، ضعفت القوة اليهودية في شبه الجزيرة العربية بشكل عام. على الرغم من أن اليهود في وادي القرى تم السماح لهم بالبقاء في أراضيهم لفترة من الزمن، إلا أنهم فقدوا دورهم كمجموعة مؤثرة في المنطقة، حيث بدأ المسلمون في ترسيخ سيطرتهم على الأراضي التي كانت تحت سيطرة اليهود سابقًا.
فتح مكة
فتح مكة، الذي حدث في السنة الثامنة للهجرة، كان حدثًا فارقًا في تاريخ الإسلام، حيث تمكن النبي محمد صلى الله عليه وسلم من استعادة مكة دون قتال كبير، مما عزز مكانة الإسلام وأمن الحرم المكي. ورغم أن الفتح كان مرتبطًا في المقام الأول بقريش ونقضهم لعهد الحديبية، فإن دور اليهود في هذا السياق كان غير مباشر في المواجهات العسكرية. ورغم أن فتح مكة لم يشهد مشاركة مباشرة من اليهود، إلا أن بعض المصادر تشير إلى أنهم سعوا في مراحل سابقة لإذكاء الخلاف بين قريش والمسلمين.[63] إن تفاعل اليهود مع الدعوة الإسلامية كان جزءًا من السياق الأوسع للأحداث في جزيرة العرب، حيث كانت لهم تأثيرات على المشهد السياسي والقبلي في المنطقة، بما في ذلك المواقف والتوترات التي نشأت بين المسلمين وبعض القبائل اليهودية.
كان اليهود في شبه الجزيرة، وخاصة في المدينة المنورة وخيبر، قد أصبحوا على دراية متزايدة بتوسع نفوذ المسلمين بعد غزوات خيبر ووادي القرى. حاول بعض اليهود التحريض على المسلمين من خلال تعزيز التحالفات مع القبائل العربية المعادية، بهدف إضعاف الدولة الإسلامية الناشئة. كانت هذه التحركات ضمن الجهود المستمرة لليهود للحد من نفوذ المسلمين، لا سيما بعد أن أصبح واضحًا أن الإسلام يشكل قوة سياسية ودينية صاعدة.[64]
كان فتح مكة إعلانًا واضحًا بأن الإسلام قد تجاوز محاولات العرقلة التي قادتها قريش وبعض القوى الأخرى، بما في ذلك اليهود. ومع دخول النبي صلى الله عليه وسلم مكة فاتحًا وعفوه عن أهلها، كان هذا التحرك بمثابة رسالة لجميع الأطراف، بما في ذلك اليهود، أن الإسلام لم يعد دينًا محصورًا في المدينة بل قوة قادرة على توحيد الجزيرة العربية. هذا التحول دفع كثيرًا من اليهود إلى مراجعة مواقفهم بعد أن أدركوا أن ميزان القوى لم يعد في صالحهم، خاصة بعد فقدانهم نفوذهم في الشمال.[65]
ان دور اليهود غير المباشر في فتح مكة كان يعكس التوترات الأوسع التي رافقت الصراع بين المسلمين وأعدائهم، سواء من قريش أو من القوى الأخرى التي حاولت الوقوف أمام الدعوة الإسلامية.
بالإضافة إلى أساليب الخيانة والتحريض، كان هناك نوع آخر من مواجهة فكرية ونفسية بين اليهود والنبي صلى الله عليه وآله وسلم. فقد سعى بعض نخبة اليهود وعلمائهم إلى زرع الريبة والشك في نبوّة الرسول؛ وهو ما تجلّى بوضوح في المحاجات والمناظرات العديدة التي دارت بينه وبينهم. كانت جهودهم مُنصَبّة على إثارة التساؤلات المشككة حول حقيقة نبوته، وتحدّيه أمام الملأ، بهدف التأثير على الوجدان الجمعي للمسلمين وزعزعة يقينهم الإيماني.
شرحنا في هذا المقال دور اليهود في غزوات النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأصلية واتضح من مجمل الأحداث أنه كان لليهود دور محوري في تحفيز العديد من الصراعات والتحديات التي واجهت المسلمين في فترات متعددة من غزوات النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكانوا يستغلون كل فرصة لتقويض الدولة الإسلامية الوليدة، سواء عبر التحريض أو التآمر أو تشكيل التحالفات المعادية. وعلى الرغم من أن قوتهم العسكرية لم تكن كبيرة، إلا أنهم اعتمدوا على نفوذهم الاقتصادي وقدرتهم على نشر الشائعات والدعاية لتحقيق أهدافهم.
[1] حمیری، ابن هشام، سیرة النبی، ج ۴، ص۱۰۲۷، /مسعودی، مروج الذهب، ج ۲، ص ۷.
[2] . ذكر قطب الدين الرّاوندي أن النبي صلى الله عليه وسلم خاض ستًا وعشرين غزوة بنفسه، وبعث ستًا وثلاثين سرية. وقد شارك في القتال مباشرة في تسع منها، هي: بدر، وأحد، والخندق، وبني قريظة، والمصطلق، وخيبر، وفتح مكة، وحنين، والطائف. قصص الأنبياء عليهم السلام ( للراوندي ) : 339 ، طبعة : آستان قدس رضوي بمشهد / ايران ، سنة : 1409 هجرية .
[3] أُذِنَ لِلَّذينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَ إِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدير (الحج، 39)
[4] وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلاتَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لايُحِبُّ المُعْتَدِينَ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ القَتْلِ وَلاتُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ المَسْجِدِالحَرَامِ حَتَّى يُقتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزَاءُ الكفِرِينَ (البقرة، 190ـ191)؛
[5] . سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّواْ إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُواْ فِيهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّواْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطناً مُّبِيناً) (االنساء، 91)؛
[6] وَمالَکُمْ لاتُقاتِلُونَ فِی سَبِیلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِینَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِینَ یَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْیَةِ الظّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْکَ وَلِیًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْکَ نَصِیراً (النساء، 75)
[7] وَقَاتِلُوهُمْ حَتى لاتَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للَّهِ فَإِنِ انتهَوْا فَلا عُدْوَنَ إِلا عَلى الظلِمِينَ (البقرة، 193)
[8] . البقرة: 146: الَّذِینَ ءَاتَیْنَاهُمُ الْکِتَابَ یَعْرِفُونَهُ کَمَا یَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَ إِنَّ فَرِیقًا مِنْهُمْ لَیَکْتُمُونَ الْحَقَّ وَ هُمْ یَعْلَمُونَ
[9] فجر الاسلام، احمد امین، ص 24.
[10] خامنه ای، سید علی، انسان 250 ساله، حلقه اول، ص38.
[11] علي زادة، سیدهادی، عملیة الیهود لمواجهة النبي، الدین و السیاسة، شماره 19 و 20، 1388ش.
[12] . الروحاني، سعید، سلوك اليهود إزاء الحكم النبوي، مجلة ” ثقافة الكوثر”، العدد 16، عام 1384 هـ.
[13] . سیرة النبی، ابن هشام الحمیري، ج2، ص 348
[14] . السبحاني، الشيخ جعفر، فروغ الأبدية، ج 1، ص 465 – 462.
[15] . راغب السرجاني، السيرة النبوية، ج27، ص19.
[16] . الأنفال : 13: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ مَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَديدُ الْعِقابِ/ الأنفال : 36 و37: إِنَّ الَّذينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَ الَّذينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ لِيَميزَ اللَّهُ الْخَبيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَ يَجْعَلَ الْخَبيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَميعاً فَيَجْعَلَهُ في جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ.
[17] فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ” المائدة الآية 13
[18] . مكارم الشيرازي، التفسير الأمثل، ج5، ص 492.
[19] . نفس المصدر، ص 493.
[20] . سورة الانفال، الآية 67
[21] . السيد جعفر مرتضى العاملي، الصحيح من سيرة النبي الأعظم (ص)، دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع – بيروت – لبنان / دار السيرة – بيروت – لبنان، ج5، ص115.
[22] مکارم الشیرازی، الامثل، ج7، ص216
[23] الأنفال، 55 و56
[24] البلاذري، 1417هـ، ج1، ص371
[25] ابن كثير، 1407هـ، ج3، ص127
[26] الطبري، 1387هـ، ج2، ص172-173
[27] البلاذري، 1417هـ، ج1، ص371
[28] ابن هشام، 1371هـ، ج2، ص48
[29] الواقدي، 1409هـ، ج1، ص176
[30] الواقدي، ص177-179
[31] سورة الحشر، 2
[32] المائدة، 51
[33] ابن هشام، السيرة النبوية، ج2، ص65
[34] الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج2، ص514
[35] ابن كثير، البداية والنهاية، ج4، ص32
[36] ابن هشام، السيرة النبوية، ج2، ص 213-220
[37] الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج2، ص 412-416، ابن إسحاق، السيرة النبوية، ج3، ص150
[38] ابن كثير، البداية والنهاية، ج4، ص. 77-80
[39] محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج20، ص. 222-230
[40] السيد جعفر مرتضى العاملي، “الصحيح من سيرة النبي الأعظم”، ج 6، ص. 120-135
[41] ابن هشام، السيرة النبوية، ج3، ص191
[42] البداية والنهاية، ج4، ص105
[43] ابن هشام، السيرة النبوية، ج3، ص197
[44] ابن كثير، البداية والنهاية، ج4، ص112
[45] قصة الحضارة، ج 11، ص 190
[46] ابن هشام، السيرة النبوية، ج3، ص215
[47] الشهيدي، التاريخ والتحقيق، ص 85
[48] المغازي النبوية، ص 92
[49] ابن إسحاق، السيرة النبوية، ج3، ص250
[50] ابن كثير، البداية والنهاية، ج4، ص180
[51] ابن هشام، السيرة النبوية، ج3، ص256
[52]ابن هشام، السيرة النبوية، ج2، ص219
الطبري، تاريخ الرسل والملوك ج2، ص560
[53] ابن كثير، البداية والنهاية، ج4، ص120
[54] الطبرسي، مجمع البيان ج9، ص101
[55] الإرشاد، الشيخ المفيد في ج1، ص119
[56] الطوسي، تهذيب الأحكام ج6، ص383
[57] الطبرسي، الاحتجاج ج1، ص124
[58] الكامل في التاريخ، ابن الأثير، ج ٢، ص٢٢٢
[59] ابن إسحاق، السيرة النبوية، ص 678
[60] الواقدي، المغازي ج2، ص 459
[61] ابن كثير، البداية والنهاية، ج4، ص 211
[62] ابن هشام، السيرة، ص: 702
[63] ابن هشام، السيرة النبوية، ج2، ص 412
[64] ابن كثير، البداية والنهاية، ج4، ص 251
[65] الواقدي، المغازي، ج 2، ص 556